صدر الإعلان عن "حقوق الإنسان" سنة 1948م بعد الحرب العالمية الثانية، الذي كان نتيجة نظام عالمي جديد الذي تُمَكَّن من خلاله الدول العظمى من السيطرة على جميع الدول.
فكان من جملة التنظيم العالمي الجديد أن أُعلن سنة 1948م ما أطلقوا عليه : النداء العالمي لحقوق الإنسان، ووضعت هيئة الأمم المتحدة وثيقة من ثلاثين مادة، و جرى عليها تعديلات وإضافات، هذه الوثيقة الموسومة ب: حقوق الإنسان.
فالمدة التي مضت لصدور هذا الإعلان 59 سنة فقط، وقد مضى على نزول القرآن الكريم أكثر من 1428هـ. والقرآن والسنة وعمل الخلفاء الراشدين قد تضمن من حقوق الإنسان ما لم يخطر ببال أحد من الناس، بالتفصيل الوارد في الشريعة الإسلامية، ليس في الكليات والجزئيات، ابتداء من وجود الجنين في بطن أمه إلى أن يوافيه الأجل، الأسرة والمجتمع والأفراد والدولة.
وفضلا عن ذلك، فإن قانون حقوق العباد في الإسلام الذي لا يعتريه النقص قد طبق فترة طويلة من الزمن في مجتمع العمران الأخوي الأول في عهد سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي عهد خلفائه الراشدي من بعده رضي الله عنهم، فأسعدت العالم الذي استظل بظلها: مسلمه وكافره، نساؤه ورجاله، كباره وصغاره، ولا تزال تنتظر من يطبقه بصدق لتنعم الأمم بها كذلك.
يقول الله تباك وتعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الإسراء:70).
إن الإنسان بهذا التكريم الإلهي جعله الله خليفة في الأرض ، وأسجد له ملائكته، وجعله سيدًا في هذا الكون، وسخر له ما في السموات وما في الأرض. فالإنسان بذلك له مكانته الخاصة ومكانه المفضل بين الخلق جميعًا، وقد جعل الله هذا التكريم لكل الناس، لا فرق في ذلك لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لحاكم على محكوم، الكل سواسية أم القانون الإلهي.
يقول الله تباك وتعالى متحدثا عن نعمه على الإنسان:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} (البقرة:30)
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} (البقرة:34)
{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} (لأعراف:11)
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} (الحجر:28)
{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل:14)
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} (الحج:65)
{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} (لقمان:20)
{اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الجاثـية:12)
{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (النحل:18).
قال حبيب الله سيدنا محمد rيوم حجة الوداع في خطبة البلاغ والتمام والكمال، يوصي أمته من بعده، ويعلن حقوق العباد في الإسلام، الذي لم تعطيه له أي ملة أو نحلة سابقة أو لاحقة: pإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلاَ كُلُّ شيء مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قدمي مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا في بني سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا؛ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ظن وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّى فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ ». قَالُوا ،نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ، بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ « اللَّهُمَّ اشْهَدِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ». ثَلاَثَ مَرَّاتٍi.([2])
ومن الحقوق التي خولها الإسلام للعباد:
وهذا هو أول حق من حقوق العباد ؛ هو أن يعرف الإنسان خالقه ورازقه، يقول الله Y: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذريات:56).
يقول الإمام عبد السلام ياسين متحدثا عن هذا الحقن وعن البلاغ الرباني للإنسان:"إن كتاب الله عز وجل كله بلاغ، كله رسالة للخلق: فحواها ومنطوقها ومفهومها مركزة على الإخبار بالمصير. وظيفة الرسل عليهم السلام، ووظيفة الدعاة بالتبعية، أن ينذروا باليوم الآخر ويبشروا. فمن قَبِلَ البِشارة وصدق بالنذارة وذكر الله وعبده واندمج قلبيا مع الصادقين حتى صار من أهل الإيقان بالحياة الأبدية فقد خرج من الظلمات إلى النور. وما نور السعادة الأبدية كنور الإسعاد الدنيويّ الذي تسعى إليه مشكورة منصورة من جانبنا منظمات حقوق الإنسان.
قال الله عز وجل في أول سورة إبراهيم: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (إبراهيم:1)
وفي السورة: " {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (إبراهيم:5).
إسماع وتذكير بالميثاق الفطري الكامن في القلوب.بعضُها يسمع التذكير بواسطة مُسَمِّعٍ مذكر داع نبي أو وارث عالم فيتذكر ويومن ويذْكُرُ ويخرج من الظلمات إلى النور. وبعضُها مختوم على سمعه وقلبه، لا نعلَم إرادة الله فيه، ولا يمنعنا جهلُنا بعاقبته من التلطف له لإسماعه،ومن الإلحاح،ومن التجَنُّد مثلما يتجند النظراء الفضلاء وأكثر".([3])
في آخر سورة إبراهيم لقَّن الله تعالى محمداً r مضمون النذارة ونص البلاغ قال: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ، وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ، وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ، فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ، يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ، سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ، لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (إبراهيم:44-52).
"هذا هو البلاغ عن حق الإنسان الأسمى.هذا هو التخويف من فوت فرصة العمر، وضياع هدف الحياة، وحسرة الأبد. وما ترك الله عز وجل وجها من وجوه التبليغ إلا عرضه، من وصف يخاطب خيال الإنسان، وتبصيرٍ يخاطب عقله، و"تقرير" عن حال المقرَّنين في الأصفاد يؤْلم حِسه،وتأكيد على أن وعدَه سبحانه رُسُلَه لا يتخلف.
هذا هو البلاغ عن حق الإنسان، علينا أن نُسمعَه العالَمَ بلسان المقال، دائما وفي كل الأحوال. وعلينا أن نسعى لنخْرُجَ من دوامة التخلف ووَصْمَة خرق كرامة الإنسان لنكون النموذج الحي لما ندعو إليه. فالدعـوة بالحال الظاهر المرئيِّ وبالحال الإيماني الإحساني القلبي هي قوتنا وشرفنا ورسالتنا. وما الدفاع عما فعَله في التاريخ ويفعله بعض المسلمين من فظائعَ في حق الإنسان إلا تَعْمِيَة كريهة لواقعنا المؤلِمِ الذي يعالجه حتى في عُقْرِ دارنا النظراءُ الفضلاءُ المشكورون بالسعي الإيجابي الفعال." ([4])
فذروة سنام حقوق العباد عندنا، "وأم الحريات، ومنبع الكرامة، تحرير الإنسان من كل عبودية غير العبودية لله رب العالمين لا شريك له.
ومن حقه في معرفة ربه وخالقه تنبثق سائر الحقوق. بمعرفته لله رب العالمين وربه يكون حق الآخرين عليه واجبا دينيا يؤديه بإخلاص ووفاء، عبادة يعبد بها ربه، لا تعاملا مع القانونية البشرية.
هذا الإنسان الشارد من ربه الجاهل بخالقه لا تجد من يرفع عقيرته احتجاجا على هضم حقه الأول، حقه في معرفة حقيقة وجوده، ومآله ومعناه".([5])
فمعرفة الله تعالى وعبادته والخضوع له ، هي الحق الأسمى والخالد للإنسان الذي أُمر " أن يكون عبدا لله عز وجل، عاملاً للقائه، آملا في جزائه وجنته، خائفاً من عقابه وناره. هذه هي كرامته الآدمية، كل حق يطالِبُ به ما دون ذلك من حقوق الدنيا فهو له حقٌّ شرعي إن كان نيلُه يقربه من غايته الأخروية. ومن حقه أن يجاهد عليه مَانعَه. وكل "حق" من "حقوق الإنسان" يُلهيه عن آخرته فهو حظ من حظوظ النفس، لا يبالي به أهل الإيمان إلا من حيثُ كونُه مستضعفا في الأرض تجب نُصرتُه. ينصره الإسلام ليُسمعَه في مَأْمنهِ بَلاغَ الإسلام.
تسطَّح الخطاب الإسلامي، وسكت عن البلاغ الأخروي، وجارَى جوقة حقوق الإنسان في حَلَبَتها. فما شئت من بناء حضاري وسبق ثقافي وحديث عن خلافة الإنسان في الأرض ليعمُرَها بإبداعاته وإنجازاته. وصَهْ عن نبإ الآخرة حتى ندخل المسجد أو نحضرَ جنازة!
إنه انخناس في المِثْلية البشرية، وخضوع للهيمنة الثقافية الدوابية. وقد أخبر الله عز وجل عن مقاومة إغراء هذه المِثلية، ضرب لنا مثلا لمقاومتها من جهاد الرسل عليهم السلام. قال الله تعالى يحكي مقالة الذين كفروا لرسلهم: { قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} (إبراهيم: من الآية10).
تريدون أن تغلبونا على ثقافتنا وتراثنا وحضارتنا وأصالتنا وقوميتنا.
وأجاب الرسل u: قالوا: {إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} (إبراهيم: من الآية11).
فمن سنة الرسل عليهم السلام،بل صُلْب سنتهم،مقاومة المحيط الاجتماعيِّ الثقافيِّ الجاهل بخبر الآخرة، الساكتِ عنه، المعادي مَنْ يتكلم فيه. ومن واجبنا الآكَدِ أن نتقدم برسالة الله للعالمين في عزة وشموخ وثقة. فالإنسانية جمعاء أمة الاستجابة، وفي سمعها يجب أن نبُثَّ كلمة الله الخالدة". ([6])
إن" مخالطة الساسة وتعاطي اللغط السياسي في محافل نفخ الأبواق الدعائية يؤول بالمحترف، ولو كان في بدايته ذا مُسحة من إسلام، إلى أن ينحـط مَعَ المعوَّقين المعطوبين قلبيا. وبما أنه لا بد لنا من التعامل والتعاون والتواصل الجاد مع الجمعيات وكل الجهاتِ والأحزاب السياسية المخلصة المدافعة عن حقوق الإنسان فيجب أن نتعلم الحدود الفاصلة بين الأخوة في الدين والنظيرية الخلقية والمثلية البشرية.
فالأخوة في الدين لها واجباتها وحقوقها، والنظيرية في الخلق حقها أن نبَرَّ ونُقْسِط، والمثلية البشرية لا نتركها تسحبنا إلى أسفل.
الدفاع المخلص عن حقوق الإنسان شُغْلةٌ خلقية رفيعة يبذل فيها الفاضلون من غير ديننا الجهود المحمودة.هذا أمر واقع لا ينال منه تنكُّر الساسة المحترفين ولا ينبغي أن نتردد في التعاون المخلص مع نداء الضمير الإنساني الرائع الذي يدفع الجمعيات غير الحكومية عند نظرائنا في الخلق للتضحيات المشكورة. ما لم يتعارض ذلك النشاط الإنساني مع أصل من أصول ديننا". ([7])
فللمنظمات غير الرسمية أثر كبير في المجتمع ونشاط إنساني لا ينكر ، في شتى المجالات في مكافحة الفقر والجوع والأوبئة، وفي مجال حقوق الإنسان والأقليات وغير ذلك. والواقع أن الجهد الأساسي الذي قامت به هذه المنظمات غير الرسمية لم يتعلق بإنشاء أهداف أو قيم مدنية وإنما بترويجها بين أوساط شعبية مختلفة والتعبئة المنظمة لها وتحسين التشريع وإحكام آليات العمل.
ونجد في "المنظمات غير الحكومية في بلاد الغرب ما ينم عن المروءة المشتركة بين البشر. مروءة وإحسان ينبغي أن نفتح لهما أذرعنا لنساهم نحن في العطاء لا لنتلقى إلى الأبد إسعافات غيرنا في براري الصومال وفيضانات بنجلادش".([8])
فالحياة منحة ربانية للإنسان، يقول الله تبارك وتعالى: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} (الحجر:23)، والاعتداء على حياة فرد من أفراد المجتمع اعتداء على المجتمع كله، وجب الاقتصاص من الجاني ليكون عبرة للآخرين، ولحماية المجتمع من العدوان والطغيان بغير حق، يقول الله جل وعلا: {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} (المائدة: من الآية32).
ولحماية حق الإنسان في الحياة، قرر الإسلام مجموعة من الأحكام في هذا المجال:
1- تحريم قتل النفس بغير حق: يقول الله تبارك وتعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (الأنعام: من الآية151) {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} (الإسراء:33).
عن أبي هريرة t: أن رسول الله r قال : pو اجتنبوا السبع الموبقات. قيل : يا رسول الله و ما هن ؟ قال: الشرك بالله، و السحر، و قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، و أكل الربا، و أكل مال اليتيم، و التولي يوم الزحف، و قذف المحصنات الغافلاتi.([9])
{وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} (الفرقان:68)
2-القصاص: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (البقرة:178)
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:179)
3- تحريم الانتحار، والمخاطرة بالنفس، وقتلها بأي وسيلة من الوسائل كالمخدرات وغيرها: { وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} (النساء: من الآية29)، { وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة: من الآية195)
4- تحريم قتل الأولاد: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} (الأنعام: من الآية151) {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} (الإسراء:31)
5-إذا طغت فئة وحملت السلاح في وجه الناس وجب قتالها: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات:9)
6- عقوبة الحرابة، لمن قطع طريق المسلمين وكون عصابات إجرامية لسلب الأموال، وقتل الأنفس: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (المائدة:33)
7- حماية حق الحياة عن طريق الجهاد القتالي: إن من بين الأهداف التي شرع من أجلها الجهاد القتالي؛ حماية حق الحياة لأفراد المجتمع. {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة:190).
8- تحريم الإجهاض، وهو كقتل النفس، وحماية الأطفال والعناية بهم، وتوفير حاجياتهم.
إن الإسلام يقدِّر حريَّة الفرد تقديراً لإنسانيته ولكرامته التي أكرم بها وهو ظلمة الأرحام، إلا أنه لا يجعل هذه الحرية مطلقة من كل القيود بحيث تؤدي إلى ضياع الحقوق الشرعية الملقاة على عاتقه، بل يقيَّدها بما يكفل سعادة المجتمع العمراني الذي هو فرد من أفراده ولبنة من لبناته.
والحرية التي قررها الإسلام يمكن تصنفيها إلى أصناف:
1- الحرية الإنسانية: وهي أن يكون الإنسان غير مملوك لأحد، إلا لخالقه ورازقه، {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل:78)
{قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} (الملك:23)
ومن هنا كان شعار الإنسان دائما، يكرره في اليوم عشرات المرات، لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق سواه إلا الله، وهذا ما يقوله المسلم في صلاته كل يوم أزيد من سبعة عشر مرة في اليوم : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة:5).
2- الحرية العلمية: العبد المسلم طُلب منه أن يتعلم العلم من المهد إلى اللحد، فالإسلام فتح المجال للعباد ليتفكر في السماوات والأرض، وليتدبر في كتاب الله المنظور والكتاب المنطوق، {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (البقرة:164)
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (آل عمران:190)
فالطريق أمام البحث العلمي مفتوح، وهذا ما نلاحظه اليوم من أبحاث في علوم شتى علوم الشريعة وفي الفزياء والفلك والحساب والاقتصاد والكيمياء والتاريخ والجغرافيا وغيرها.
3-الحرية السياسية: وهي جزء من الحرية الإنسانية، وتتجلى في حق الأفراد في اختيار حاكمهم{ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (آل عمران: من الآية159)، وإبداء رأييهم في حدود الشرع، ونقد الحاكم نقدا بناء، ورفع الشكاية من بعض الولاة والقياد، وحرية عدم إطاعة الحاكم إذا أمر بمعصية الله...
4- الحرية الاجتماعية: كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة:71)، {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان:17).
5- الحرية العقدية: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:256).
6- الحرية الأدبية: إن لكل إنسان ميوله، ولذاته المشروعة،ولغاته وبيئاته، فلا يلزم الإنسان بسلوك طريق معين، ما لم يخرج عن الضوابط الشرعية. {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ} (الروم:22).
يقول ربنا تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الإسراء:70).
الكرامة حق لكل عبد، وكرامته ملازمة لإنسانية كما جاء في الآية القرآنية السابقة، وللكرامة مظاهرة كثرة بمجموعها تتحقق الكرامة الكاملة؛ أذكر أهمما:
1-كرامة الأخوة الإنسانية: أول مظهر من مظاهر الكرامة، هو الأخوة بين المسلمين جميعهم، ولا فرق في ذلك في اللغات والألوان والأصناف، الكل سواسية، درجاتهم عند الله ومقامهم عنده سبحانه ليس بلون ولا لغة ولا صنف، ولكن بالتقوى، وبالمحبة لله ولرسوله، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات:13).
عَنْ أَبِى نَضْرَةَ t حَدَّثَنِى مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ rفِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ :pيَا أَيُّهَا النَّاسُ: أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِي عَلَى أَعْجَمِي ، وَلاَ لِعَجَمي عَلَى عربي، وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ i.([10])
2- كرامة المساواة الحقوقية: لكل فئات المجتمع العمراني واجبات وعليها حقوق، فكلهم متساوون فيها، إذ كل حق من الحقوق يقابله واجب من الواجبات، لا يستثنى من ذلك أحد، والأحكام التي تجري على العالم تجري على الجاهل، وما يجري على الجاهل يجري على العالم، وقد قرر الفقهاء أن الحاكم يجري عليه ما يجري على سائر المحكومين من الأحكام، إلا ما تقتضيه مصلحة المجتمع وأمنه وسلامة الدولة وكيانها.
يقول الله تبارك وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (الأنعام:165).
"فهذا التفاوت في المواهب والكفاءات والطبائع والإمكانيات هو سنة من سنن الحياة في عمران الكون، به يخدم الناس بعضهم بعضا، كل فيما يستطيعه ويحسنه، فابن المدينة مسخَّر لابن القرية في جلب ما يحتاج إليه من سلع وحاجيات، وابن القرية مسخَّر لابن المدينة في إنتاج ما يحتاج إليه من المنتجات الغذائية، والأب مسخر لأولاده يطعمهم ويربيهم، والأبناء مسخرون لآبائهم يعينونهم عند الشيخوخة، وينفقون عليهم عند الفقر والحاجة. وهكذا شأن الناس بعضهم مع بعض في واقع الحياة".([11])
وذلك ما تحدثت عنه الآية الكريمة في قوله جل وعلا:{ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (الزخرف:32).
"والتساوي في الحقوق والواجبات مما لا يقوم مجتمع كريم سعيد إلا على أساسه، حتى لا يؤدي تفاوت الناس في المواهب والكفاءات إلى استعباد فريق لفريق، وانفراد فريق قليل بالمغانم وإلزام الجمهور بالمغارم.
بهذا ضمن الإسلام تعاون المجتمع مع تعدد فئاته، وتفاوت أحوال أبنائه، وتساويهم جميعا في الواجبات الاجتماعية والكرامة الإنسانية، فليس في الإسلام رجال دين لا يخضعون للقانون، وليس فيه أشراف لا يؤدون عملا، وليس فيه أمراء لا تطولهم سلطة الدولة، وليس فيه أغنياء لا يدفعون ضريبة ولا يبذلون جهدا، وليس فيه أذكياء يدعون لهم حقا في استغلال «البلداء»! بل الكل شعب واحد وقانون واحد، رئيس يخدم الشعب، وشعب يؤازر رئيسه ويطيعه".([12]) وشعار الحكم في مجتمع العمران الأخوي ما أعلنه الصِّدِّيق الأكبر أبو بكر t خليفة رسول اللهr يوم ولي الخلافة: «أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي ضعيف عندي حتى آخذ من الحق إن شاء الله تعالى، لا يدع أحد منكم الجهاد فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله».([13])
3- كرامة العدالة القضائية: من حق كل فرد من أفراد المجتمع العمراني التمتع بالعدالة في الإجراءات القضائية والحرية في إبداء رأيهم من غير تمييز بين الغني والفقير، فيجب على القضاء أن يعدل بين القوي والضعيف، وأن يستمع لشكوى أفراد المجتمع العمراني، واستدعاء من أخذ حقهم منهم أي كان غنيا أو رئيسا، وعلى القضاء أن يحكم بما نص عليه القانون دون أي إجحاف، ودون أي تمييز بين الحاكم والمحكوم، والقريب والبعيد.
وفي الشريعة الإسلامية نصوص كثيرة وجلية في هذا الباب:
يقول الله جل وعلا:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} (النساء:58).
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} (النساء:135).
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة:8).
{ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(المائدة: من الآية42) )وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} (المائدة: من الآية48).
{ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (صّ: من الآية26).
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها؛p أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِى سَرَقَتْ ، فَقَالَ وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ r، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:« أَتَشْفَعُ فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ». ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، وَايْمُ اللَّهِ ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»i.([14])
عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهما: أَنَّ النبي r قَالَ: p الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: قَاضِيَانِ في النَّارِ وَقَاضٍ في الْجَنَّةِ، رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِى النَّارِ، وَقَاضٍ لاَ يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ في النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ في الْجَنَّةِ i.([15])
من خلال هذه النصوص الشرعية الصريحة يتضح لنا مدى حرص الإسلام على تحقيق الكرامة في ميدان القضاء في مراحله كله.
4- كرامة العدالة الاجتماعية: فالمجتمع الذي تطغى فيه الأثرة والترف وانعدام الرحمة والإيثار، مجتمع بعيد كل البعد عن الكرامة التي ينشدها الإسلام في مجال العدالة الاجتماعية، ومن هنا يأتي أهمية التكافل الاجتماعي الذي تحدثت عنه في المبحث الخامس من هذا الكتاب في تحقيق العدالة الاجتماعية للفئات المكونة لمجتمع العمران، فالمؤمنون إخوة، الغني يحن على الفقير ويساعده، وينفس عنه كربه، والعالم يعلم الجاهل ويخرجه من دهاليز الجهل بأحكام الشريعة، والقوي يأخذ بيد الضعيف، قال الله جل وعلا: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات: من الآية10).
5- كرامة المنزلة الاجتماعية: يقول الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات:11-13).
عَنْ أَنَسٍt عَنِ النبي r قَالَ : pلا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِi.([16])
من خلال هذا النصوص الشرعية يتبين لنا حرص الإسلام على توفير كرامة المنزلة الاجتماعية، من خلال الأخلاق السامية التي تحدثت عنها الآيات السابقة التي لم تترك خلقا جميلا مما يحقق هذه الكرامة إلا وتحدثت عنه، ولم تترك خلقا سيئا في المجتمع إلى نهت عنه. كذلك في الحديث الذي تحدث عن قمة كرامة المنزلة الاجتماعية، هذه الكرامة التي هي "من مظاهر الكرامة الإنسانية الحقيقية، وهي أن يعيش الإنسان في مجتمعه موفور الحرمة، مصون المنزلة، ولهذه الكرامة مظهران: إيجابي وسلبي.
أما المظهر الإيجابي ففي مشاركته في أفراحه وأتراحه، ومعونته في مشاكله الخاصة، واحترامه في جواره وصداقته، وحفظه في حضوره وغيبته، ومن ذلك: السلام عليه عند اللقاء، وعيادته عند المرض، ومواساته في حزنه على فقد قريب أو صديق، وإبراز قسمه إذا قسم، وإجابته إذا دعى، ونصحه إذا زال أو اخطأ، والإشارة عليه بالخير إذا استشار، ونصرته إذا ظُلم أو اعتدي عليه.
وأما المظهر السلبي ففي البعد عن إيذائه بالقول والخطاب واليد والمعاملة، وفي اجتناب التحدث عنه بما يكره في غيابه، والسعي بينه وبين الناس بالنميمة والكذب، وعدم الازدراء به واحتقاره، وانتقاصه حقه من التقدير والاحترام".([17])
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الإسلام ثبت هذه الكرامة للإنسان حتى بعد موته، فأمر بغسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، كما نهى عن نبش قبره أو التمثيل به أو قطع جزء من أعضائه، أو اغتيابه. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ rقَالَ : pاذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ i.([18])
6- كرامة السمعة العائلية: وهذه من أبرز مظاهر الكرامة في جميع الشرائع والعادات، ولهذه الكرامة مظهران؛
الأول: في سمعة الإنسان داخل الأسرة؛ فقد حرم الإسلام الزنا، وشدد في تحريمه، واعتبره من الكبائر التي تلقي بصاحبه في النار، يقول الله جل جلاله:
{وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} (الإسراء:32).
{ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (النور:2).
{وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} (الفرقان:68).
كما شدد الإسلام في الأنساب، ونهى عن اختلاطها، وجعل الزواج الشرعي وسيلة لإثباتها، يقول الله جل في علاه:{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} (النساء: من الآية3).
ونهى أن ينسب الرجل إلى غير أبيه، قال الله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} (الأحزاب: من الآية5).
عَنْ أَبِى عُثْمَانَ عَنْ سَعْدٍ t قَالَ: سَمِعْتُ النبي r يَقُولُ :pمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهْوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ i.([19])
والمظهر الثاني: في سمعة الإنسان في نفسه، ولذلك حرم الإسلام أن يتهم الإنسان بالزنا، وشدد في عقوبة القذف رجلا كان أو امرأة، ومن اتهم رجلا شرط له الإسلام أن يأتي بأربعة شهداء، فإن لم يأت بهم، جلد ثمانين جلدة.
يقول الله Y:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (النور:19).
ويقول عز من قائل: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور:4)
ويقول سبحانه وتعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النور:23).
عن أبي هريرة t: أن رسول الله r قال : pو اجتنبوا السبع الموبقات. قيل : يا رسول الله و ما هن ؟ قال: الشرك بالله، و السحر، و قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، و أكل الربا، و أكل مال اليتيم، و التولي يوم الزحف، و قذف المحصنات الغافلاتi.([20])
عن الإمام علي كرم الله وجهه ورضي عنه، قال: « الكبائر: الشرك بالله، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، والسحر، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة». ([21])
إن للعلم في الإسلام مكانة كبيرة، وقد فضل الله العلماء على غيرهم قال جل وعلا: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة: من الآية11).
وقال تبارك وتعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: من الآية9).
وقال سبحانه وتعالى: { وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} (طـه: من الآية114).
قال أبو إسحاق الإلبيري في فضل العلم والمواظبة على طلبه:
"أبا بكرٍ دعوتُك لو أَجَبْتَا
إلى ما فيه حَظُّك إنْ عقلتا
إلى علم تكون به إِمامًا
مطاعًا إن نهيت وإن أمرتا
وتجلو ما بعينك من عَشَاها
وتهديك السبيلَ إذا ضللتا
وتحمل منه في ناديك تاجًا
ويكسوك الجمالَ إذا اغْتَرَبْتَا
ينالك نَفْعُهُ ما دمت حَيًّا
ويبقى ذُخْرُه لـــــــــك إن ذهبـــــتا
هو العَضْبُ المُهَنَّدُ ليس ينبو
تصيب به مقاتل من ضربــــــــتا
وكنز لا تخاف عليه لِصًّا
خفيف الحمل يوجد حيث كنتا
فلو قد ذقت من حلواه طعمًا
لآثرت التعلم واجتهـــــــدتـــــا
ولم يشغلك عنه هوىً مطاعٌ
ولا دنيــــــا بزخرفها فُتـــــنتا
ولا ألهاك عنه أنيقُ روضٍ
ولا خِدْرٌ بِرَبْرَبِهِ([22]) كَلِفتا
فَقُوتُ الروح أرواحُ المعاني
وليس بأن طعمت وأن شربتا
فواظبْه وخذ بالجد فيه
فإن أعطاكه الله أخذتا". ([23])
ورحم الله القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني إذ يقول في عزة أهل العلم:
"يقولون لي: فيك انقباضٌ وإنما
رأوا رجلًا عن موقف الذلِّ أحجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم
ومن أكْرَمَتْهُ عزةُ النفسِ أُكْرِما
ولم أقضِ حقَّ العلمِ إن كان كلما
بدا طمعٌ صَيَّرْتُهُ لي سلَّــــما
وما كلُّ برقٍ لاح يستفزني
ولا كلُّ مَنْ لا قيت أرضاه منعما
إذا قيل: هذا منهلٌ قلت قد أَرى
ولكنَّ نفسَ الحرِّ تحتمل الظما
أُنَهْنِهُهَا عن بعض ما لا يشينها
مخافةَ أقوالِ العِدا فيمَ أولمــــــا
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي
لِأخْدِمَ مَنْ لا قيتُ لكن لأُخْدما
أأشقى به غرسًا وأجنيه ذلةً؟
ولو عظَّموه في النفوس لَعَظَّما
ولكنْ أهانوه فهانوا ودنسوا
محياه بالأطماع حتى تَجَهَّما".([24])
فطلب العلم والتعليم والتعلم واجب، وحق العلم ثابت في المجتمع العمراني بلا استثناء للذكر والأنثى، والغني والفقير، والقوي والضعيف، وابن البادية وابن المدينة، فالكل هلم حق التعلم، و كلهم مفتقرون غاية الافتقار أن يأووا إلى ظله الظليل الواقي من الشر الطويل.
خطب سيدنا رسول الله rذات يوم فأثنى على طوائف من المسلمين خيرا، ثم قال: pما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم يعلمونهم ولا يعظونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم؟ وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون؟ والله ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون ويتعظون أو لأعاجلنهم بالعقوبة في الدنياi. ([25])
يعتبر العمل أهم وسيلة من وسائل التملك، عن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍt قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِr أي الْكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ : pعَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ i. ([26])
ففي جو الأخوة الحانية وسط مجتمع العمران الأخوي " يندفع الناس إلى العمل ليكسبوا ما به قوام حياتهم ومعيشتهم، لا يوصد باب العمل دون واحد منهم، ولا تستأثر بخيرات الدنيا فئة منهم، لكل إنسان منها بحسب طاقته وكجهده وكفاءته{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (النجم:39)، فإذا حاز شيئا منها كانت هذه الحياة حقا لا يُنازع فيه ولا يُغلب ". ([27])
ومن وسائل التملك أيضا؛ الهبة والصدقة والإرث، والسعي والاكتساب بعيدا عن الظلم والغش والسرقة والتعدي على الناس، وغيرها من الوسائل المشروعة.
حقوق العباد في مجتمع العمران
رابعا- حق العلم.
خامسا- حق التملك
أولا- حق معرفة الله تعالى
ثانيا- حق الحياة: لحماية هذا الحق شرع الإسلام:1- تحريم قتل النفس بغير حق، القصاص، 3- تحريم الانتحار، والمخاطرة بالنفس، 4- تحريم قتل الأولاد، 5- إذا طغت فئة وحملت السلاح في وجه الناس وجب قتالها، 6-عقوبة الحرابة، 7-حماية حق الحياة عن طريق الجهاد القتالي، 8-تحريم الإجهاض.
ثالثا- حق الحرية: 1- الحرية الإنسانية، 2- الحرية العلمية، 3-الحرية السياسية، 4- الحرية الاجتماعية، 5- الحرية العقدية، 6- الحرية الأدبية.
ثالثا- حق الكرامة: 1-كرامة الأخوة الإنسانية، 2- كرامة المساواة الحقوقية، 3- كرامة العدالة القضائية، 4- كرامة العدالة الاجتماعية، 5- كرامة المنزلة الاجتماعية، 6- كرامة السمعة العائلية.
[1]- أستعمل "حقوق العباد" اللفظة القرآنية النبوية بدل من "حقوق الإسان" الدخيلة على موروثنا الإسلامي النابتة في أرض غير إسلامية.
[2]- رواه الأئمة: مسلم في صحيحه باب حجة النبيr ، أحمد في مسنده من مسند جابر بن عبد اللهt، وابن خزيمة في صحيحه باب صفة خطبة يوم عرفة، والنسائي في سننه باب يوم الحج الأكبر، وغيرهم كثير.
[3]- العدل، ص323-324.
[4]- العدل، الإمام عبد السلام ياسين ص325.
[5]- حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، الإمام عبد السلام ياسين ص216-217.
[6]- العدل،الإمام عبد السلام ياسين ص319-320.
[7]- العدل،ص321-322.
[8]- تنوير المؤمنات، الإمام عبد السلام ياسين، 2/221.
[9]- رواه الإمام البيهقي في شعب الإيمان، الباب الثامن والعشرون من شعب الإيمان.
[10]- رواه الأئمة: أحمد في مسنده حديث رجل من أصحاب النبيr، الطبراني في المعجم الأوسط باب من اسمه عبد الرحمن، البيهقي في شعب الإيمان باب ربكم واحد...، عبد الله بن المبارك في مسنده باب ربكم واحد...
[11]- الفقر الجوع الحرمان مشكلات وحلول، ص93-94.
[12]- المرجع نفسه، ص94.
[13]- الكامل في التاريخ، لابن الأثير، 1/361، تاريخ الرسل والملوك، للطبري 2/120. تاريخ الخلفاء للسيوطي، 1/27، البداية والنهاية،للحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفداء، مكتبة المعارف – بيروت، 6/301.
[14]- رواه الأئمة: البخاري في صحيحه باب ذكر أسامة بن زيد، ومسلم في صحيحه باب قطع السارق الشريف وغيره، وابن حبان في صحيحه كتاب الحدود، وغيرهم.
[15]- رواه الأئمة: الترمذي في سننه باب جما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القاضي، وأبو داود في سننه باب القاضي يخطئ، البيهقي في سننه باب إثم من قضى أو أفتى بالجهل, وغيرهم.
[16]- رواه الأئمة: البخاري في صحيحه باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومسلم في صحيحه باب الدليل على أن من خصال الإيمان...، وأصحاب السنن وغيرهم رحمهم الله.
[17]- الفقر الجوع الحرمان مشكلات وحلول، ص98-99.
[18]- رواه الإمام الترمذي في سننه باب ذكر محاسن الموتى، والحاكم في مستدركه كتاب الجنائز. وغيرهما رحمهما الله.
[19]- رواه الأئمة: البخاري في صحيحه باب من ادعى إلى غير أبيه، ومسلم في صحيحه باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه، وأصحاب السنن.
[20]- سبق تخريجه.
[21]- تفسير ابن أبي حاتم، في تفسيره لقوله تعالى: إن تجتنبوا {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً} (النساء:31) .
[22]- الربرب: القطيع من البقر الوحشي، حيث شبه النساء الجميلات بالبقر الوحشي.
[23]- ديوان أبي إسحاق الإلبيري الأندلسي حققه د. محمد رضوان الداية ص26.
[24]- أدب الدنيا والدين للماوردي ص83، وخاص الخاص للثعالبي ص228 -229.
[25]- أخرجه الحافظ السيوطي في الجامع الكبير باب حرف الميم، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة باب الأرقم.
[26]- رواه الإمام أحمد في مسنده حديث رافع بن خديج رضي الله عنه، والبيهقي في السنن الكبرى باب إباحة التجارة، والطبراني في المعجم الأوسط باب من اسمه محمود.
[27]- الفقر الجوع الحرمان مشكلات وحلول، مصطفى السباعي ص102.



