تقوم الرواية الرسمية للصراع مع إيران على اعتبارات أمنية وعسكرية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة والاستقرار الإقليمي. غير أن هناك فرضية سياسية مختلفة ترى أن العامل الحاسم قد يكون اقتصادياً أكثر منه أمنياً، وأن جوهر الصراع يتمثل في إعادة تشكيل سوق الطاقة العالمية وتوزيع النفوذ داخلها.

وفق هذا الطرح، لا ينبغي النظر إلى التوتر حول مضيق هرمز بمعزل عن التطورات التي شهدها قطاع النفط الفنزويلي خلال السنوات الأخيرة، ولا عن عودة الشركات الأمريكية إلى الاستثمار والإنتاج داخل فنزويلا. ويرى أصحاب هذه الفرضية أن العلاقة بين الملفين أعمق مما يبدو في الخطاب السياسي والإعلامي السائد. 

فنزويلا: الثروة التي لا يمكن تجاهلها

تمتلك فنزويلا واحداً من أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في العالم. وعلى الرغم من العقوبات والأزمات السياسية والانهيار الاقتصادي الذي شهدته البلاد، بقي النفط الفنزويلي يمثل هدفاً استراتيجياً بالغ الأهمية للقوى الدولية وشركات الطاقة الكبرى.

وتشير تطورات السنوات الأخيرة إلى عودة اهتمام الشركات الأمريكية بالإنتاج الفنزويلي من خلال تراخيص واستثمارات جديدة تهدف إلى زيادة الإنتاج ودمج الخام الفنزويلي مجدداً في الأسواق العالمية. 

ويرى أنصار هذه النظرية أن هذه العودة لم تكن مجرد قرار اقتصادي منفصل، بل جزء من مشروع أوسع هدفه توفير بديل استراتيجي طويل الأجل لنفط الخليج.

فرضية "الاستحواذ غير المباشر"

لا يستخدم أصحاب هذا الطرح بالضرورة تعبير "الاستيلاء العسكري" على النفط الفنزويلي، لكنهم يجادلون بأن الولايات المتحدة نجحت عبر العقوبات والضغوط السياسية والنفوذ المالي في فرض درجة كبيرة من التحكم بمسارات تصدير وتسويق النفط الفنزويلي.

ومن وجهة نظرهم، فإن النتيجة العملية هي أن جزءاً مهماً من الثروة النفطية الفنزويلية أصبح يتحرك ضمن منظومة اقتصادية وتجارية تخدم المصالح الأمريكية بدرجة كبيرة، سواء عبر الشركات أو الأسواق أو شبكات التوزيع الدولية.

ويعتبر هؤلاء أن السؤال الحقيقي ليس: "هل تم الاستيلاء على النفط؟" بل: "من المستفيد فعلياً من إعادة إدخال النفط الفنزويلي إلى السوق العالمية؟"

مضيق هرمز: قلب المعركة

تكمن أهمية مضيق هرمز في أنه يمثل واحداً من أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط العالمية، وأي اضطراب في حركة الملاحة عبره يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وخلق مخاوف من نقص الإمدادات. 

ومن هنا تنطلق الفرضية السياسية محل النقاش:

إذا كان تعطيل تدفقات النفط الخليجية يؤدي إلى زيادة الطلب على النفط القادم من خارج المنطقة، وإذا كانت فنزويلا إحدى أبرز الدول القادرة على الاستفادة من هذا التحول، فلماذا يُستبعد أن يكون هناك ارتباط بين الملفين؟

هل من مصلحة واشنطن بقاء المضيق مغلقاً؟

يذهب أنصار هذه النظرية خطوة أبعد.

فهم يرون أن التصريحات الرسمية الأمريكية التي تؤكد الرغبة في حماية حرية الملاحة لا تعكس بالضرورة كامل الصورة الاقتصادية.

فمن وجهة نظرهم، ليست العبرة بما يُقال في المؤتمرات الصحفية، بل بمن يستفيد من النتائج الفعلية على الأرض.

وبحسب هذا الطرح، فإن استمرار المخاطر المرتفعة في الخليج يحقق عدة فوائد:

  • إبقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة.
  • تعزيز الجدوى الاقتصادية للنفط الفنزويلي.
  • تقليل الاعتماد التدريجي على نفط الخليج.
  • رفع قيمة الاستثمارات في مصادر بديلة للطاقة الخام خارج الشرق الأوسط.
  • منح الشركات العاملة في فنزويلا فرص أرباح أكبر من تلك المتاحة في ظروف الاستقرار النفطي العالمي.

ويرى مؤيدو هذه القراءة أن الاستفادة الاقتصادية لا تتطلب بالضرورة إغلاقاً كاملاً للمضيق، بل يكفي استمرار التوتر والتهديد واحتمال التعطيل، لأن الأسواق تتفاعل مع الخطر نفسه قبل وقوعه.

التزامن الذي يثير الشكوك

بالنسبة لأنصار الفرضية، فإن ما يلفت الانتباه ليس وجود مصلحة اقتصادية فحسب، بل تزامن عدة أحداث:

  • تنامي أهمية النفط الفنزويلي.
  • عودة الشركات الأمريكية إلى الاستثمار فيه.
  • تصاعد التوترات المرتبطة بإيران.
  • تزايد الحديث عن مخاطر الملاحة في مضيق هرمز.
  • ارتفاع أهمية البدائل النفطية البعيدة عن الخليج. 

ويعتبر هؤلاء أن اجتماع هذه العوامل في فترة زمنية واحدة يجعل من المشروع التساؤل عما إذا كانت المصالح النفطية تلعب دوراً أكبر مما يُعلن عنه رسمياً.

النقد الموجه لهذه الفرضية

رغم ذلك، تواجه هذه الرؤية اعتراضات قوية من خبراء الطاقة والمؤسسات البحثية.

فالمنتقدون يشيرون إلى أن إغلاق هرمز يضر أيضاً بالاقتصاد العالمي، ويرفع تكاليف الطاقة على الحلفاء الغربيين والاقتصادات المستهلكة الكبرى، كما أن فنزويلا لا تستطيع وحدها تعويض الكميات الضخمة التي تمر عبر الخليج. 

كما يؤكدون أن وجود مستفيد من أزمة معينة لا يكفي بحد ذاته لإثبات أنه تسبب بها أو سعى إلى استمرارها.

خاتمة

تقوم هذه الفرضية السياسية على فكرة بسيطة: اتبع مسار المصالح الاقتصادية قبل أن تكتفي بالخطابات السياسية. ومن هذا المنطلق يرى أنصارها أن النفط الفنزويلي والتوتر حول مضيق هرمز ليسا ملفين منفصلين، بل عنصران في معادلة واحدة هدفها إعادة توزيع النفوذ داخل سوق الطاقة العالمي.

ومع أن هذه القراءة تثير أسئلة مشروعة حول العلاقة بين الجغرافيا السياسية والنفط، فإنها تبقى حتى اليوم تفسيراً سياسياً محل جدل، ولم تُدعَّم بأدلة مباشرة كافية تجعلها حقيقة مثبتة. ولذلك تبقى أقرب إلى فرضية جيوسياسية تنافس الرواية الرسمية، لا بديلاً مؤكداً عنها.