لا يختلف اثنان في أن التجربة الشعرية المعاصرة تختلف شكلا و مضمونا عن التجربة الشعرية القديمة ، و الشيء نفسه حول قضية تذوق الشعر من قارئ لأخر. و إذا كانت معظم الموازنات التي أقامها النقاد بين التجربتين قد ارتبطت كثيرا بتصوراتهم تجاه القديم و الحديث ، و إبراز محاسن و مساوئ كل تجربة ، فإن غرضنا هنا هو الوقوف عند جملة من الرؤى و التصورات تجاه التجربة الشعرية الجديدة ، و من ثم الوقوف
عند إيجابياتها و سلبياتها.
إذا كان الشعر العربي القديم يقوم أساسا على ثنائية الوزن و القافية ، فالشعر العربي بحلته الجديدة لم يلغ الوزن و القافية كما يعتقد البعض ، و إنما أضفى عليهما لمسة شعورية تبعا لأحاسيس الذات الشاعرة.
ثم إن هذه التجربة قد أحدثت تعديلا على مستوى الشكل ، فتم بذلك الانتقال من نظام البيت الشعري إلى السطر ، و منه إلى الجملة الشعرية ، كما اصطلح على تسميتها الباحث عز الدين إسماعيل ، أو كما سماها محمد النويهي بـ "الجملة الموسيقية".
لقد سمح هذا التحرر للشاعر بالتعبير الحر بالتوافق مع ما تجود به مشاعره و عواطفه دون التقيد بنظام إيقاعي محدد ، و من ثم جاءت التفعيلة في هذا الشعر متنوعة ، و القافية دروب، و الروي أصناف.
و أما بالنسبة للإيقاع في التجربة الشعرية الجديدة ، فإنه كان أبرز سماتها ، لأنه يهتم بوقع الحركات و السكنات التي تشكل الكلمة ، و ما لهذه الأخيرة من قوة و لين على الأذن ، فيستسيغها المتلقي متأثرا بها.[1]
و إذا كانت هذه الرؤى النقدية ترصد بعض محاسن التجربة الشعرية الجديدة ، فلا شك أن لها من العيوب ما يستدعي منا الوقوف عند بعض منها أيضا ، فأهم ما يؤخذ على الشعر الحر (شعر التفعيلة) ، هو إسراف و مبالغة الشعراء المعاصرون في توظيف الزحافات ، مما أثر على الإيقاع أولا ، ثم نثر الشعر ثانيا. و في هذا الشأن تقول الشاعرة المجددة "نازك الملائكة": «إن تفشي ظاهرة الزحافات في الشعر الحديث أصبح مسئولا إلى حد كبير على شناعة الإيقاع و النثرية».[2]
أما فيما يخص التجديد الذي طرأ على شكل القصيدة ، و نقصد هنا ما تعلق بالجملة الشعرية ، فقد وجهت إليها جملة من الانتقادات أهمها أنها خلقت اختلال التوازن بين حجم الجملة الشعرية و النفس المحدود للقارئ ، حيث يصعب إتمام قراءة بعض الجمل الشعرية بنفس واحد دون توقف ، و دون الإخلال بإيقاعها الموسيقي.
كما انتقدت طريق صياغة التركيب اللغوي للقصيدة العربية المعاصرة ، بحيث نجد الكثير منها يبتدئ بالحال ، و هذا ما يخل بالبناء الموسيقي لها ، و قد عد البعض ذلك ضعفا لغويا عند الشاعر العربي المعاصر.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]ــ عز الدين إسماعيل ـ الشعر العربي المعاصر(قضاياه و ظواهره الفنية و المعنوية) ــ دار العودة ــ ط3 ــ بيروت ــ 1981 ــ ص(67 ـ 68).
[2]ــ المصدر نفسه ـ ص107



