عندما يتتبع الدارس لتلك المراحل التي مر بها الشعر العربي ، و على وجه التحديد ما شهده الربع الأول من القرن العشرين ، ليكتشف ذلك الصراع الحاد الذي كان دائرا بين متمسك بالنموذج القديم ، يرى فيه الأصالة بكل مفاهيمها ، و في أسمى معانيها ، و رافض لكل رياح التجديد التي تهب هنا و هناك ، و بين متطلع إلى صياغة نموذج ينسجم و يساير أحداث عصره ، متمردا على ما يراه القيود التي طالما كبلت قرائح
الأدباء.
و لو أن الخلاف كما يراه البعض قد أسهم في عرقلة الإبداع الأدبي العربي ، إلا أنه في رأينا بالعكس تماما ، إذ ولد من رحم هذا الصراع أدب أخر متميز ، يحمل لامسات الفريقين المتصارعين. و قد تبنى هذا المولود الجديد في بداية الأمر طائفة من الأدباء ، قاموا بالوساطة بين النوعين الأدبيين ، دون أن يميلوا كل الميل إلى أي منهما ، فكان نتاجهم أدبا لا يغرق في المحافظة في القديم ، و لا ينجرف في الوقت ذاته أمام ما تحمله تيارات التجديد الغربية ، بل يأخذون من كليهما ما يناسب حاجاتهم ، و يختلج في نفوسهم من عواطف و أحاسيس. فكان أن طفح على إبداعاتهم القديم في صورة و حلة جديدة ، صبغت عصرهم عن باقي العصور.
إن التجديد الذي نتحدث عنه هنا ، ليس التجديد في المواضيع فحسب ، و إنما التجديد الجذري ، الذي يبرز من خلاله الإبداع الأدبي ، و ينبض بروح عصره. يقول "عز الدين إسماعيل": «ليس المجدد في الشعر إذن هو من عرف الصاروخ و كتب عنهما ، فهذه في الحقيقة محاولة عصرية ساذجة. فالشاعر قد يكون مجددا حتى عندما يتحدث عن الناقة و الجمل. فليس المهم بالنسبة للتجديد هو ملاحظة "شواهد" العصر ، و لكن المهم هو فهم "روح" العصر. و هذا هو العنصر الذي يضمن بقاء هذه الدعوة ، إذ ينبغي على كل شاعر و فنان أن يصرف جهده لتفهم روح عصره و التعبير عنه. و عندما يتطور الزمن و يصبح للعصر الجديد مكونات جديدة يظل المبدأ قائما صالحا...».[1]
الجدير بالذكر هو أنه لا ينبغي علينا عند حديثنا عن ذلك الصراع بين القديم و الجديد أن نحكم على كل تجربة إبداعية جديدة أنها تمثل الجفاء للأصالة المتمثلة في التراث العربي القديم ، بل إن لكل منهما مكانته التي يجب أن تأخذ حقها من العناية و الاهتمام ، و أن تتوحد جهود المبدعين في السمو بالإبداع الأدبي كل في مجاله و ما تجود به قريحته الإبداعية. يقول الباحث نفسه في هذا الشأن: «لقد عودنا تاريخ الأدب بعامة على ما نسميه "المعركة بين الجديد و القديم" حتى أصبح هذا التصور تقليديا. و قد ارتبط بهذا التصور بطريقة تلقائية تصور آخر هو أن كل تجربة جديدة إنما تحمل نوعا من العداء للقديم المتوارث أو المستقر. و أعتقد أنه آن الأوان لأن نعيد النظر في هذا التصور المفتعل ؛ فمن العبث و المضيعة أن نظل حتى الآن نتجادل في أمر الشعر داخل إطار "المعركة بين القديم و الجديد". ينبغي لنا أن ندع هذا التصور يتحلل في أذهاننا و يذوب ، و أن نصرف جهدنا في دراسة الشعر ، سواء منه القديم و الجديد إلى الشعر ذاته...».[2]
--------------------------------------------------------------------------------
[1]ــ عز الدين إسماعيل ـ الشعر العربي المعاصر(قضاياه و ظواهره الفنية و المعنوية) ــ دار العودة ــ ط3 ــ بيروت ــ 1981 ــ ص13.
[2]ــ عز الدين إسماعيل ــ المرجع السابق ــ ص(17 ــ 18).



