رغم أننا نعيش في عصر المعلومات والاتصالات التي تحول معها العالم كما يُقال إلى "قرية صغيرة", بحيث صار بالإمكان انتقال الأخبار والأحداث التي جرت وتجري في أي بقعة في العالم إلى كل بلاد المعمورة لحظة حدوثها, إلا أن هذا العصر يمكن تسميته بجدارة بـ "عصر الخداع المعرفي" كما يمكن تسميته "عصر اختزال الأحداث وتشويهها".
ففي الوقت الذي يظن فيه الناس أنهم يعرفون ما يجري حولهم فإنهم يخضعون للتضليل والتزييف الذي يُمارس عليهم من جهات عدة. فبالإضافة إلى استراتيجية نقل الأخبار التي يعتمدها الإعلام العالمي الذي ينقل الصورة كما تشاء المصالح العليا للمتحكمين بالعالم, فإن الفرد نفسه المتلقي لهذه الأخبار فقد القدرة والرغبة في إعادة النظر فيما يجري حوله رغم أن الأحداث التي يعيشها يومياً بنفسه تؤكد له غير ما يتلقاه يومياً من تضليل. وأكبر مثال على هذا ما قبله المتلقي من معلومات عن " قضية فلسطين"!. فمنذ أن حصلت النكبة قَبِل العرب والعالم مسمى "قضية فلسطين" وأصبح هذا التعبير مصطلحاً متداولاً لوصف مظاهر ونتائج حالة استيطانية إحلالية لدولة وظيفية أُقيمت في قلب الوطن العربي والإسلامي خدمة لمصالح الدول العظمى على أنه مصطلح لوصف حالة استعمار وظلم إنساني.! فإذا خرجنا من حالة "الخداع المعرفي" فلا يمكننا بأي حال أن نقبل بمصطلح "قضية فلسطين" لأن الموضوع ليس قضية خاصة بقطعة جغرافية واحدة هي فلسطين, بل هي قضية أعقد وأعمق بكثير, هي قضية عالمية تعد أوضح مثال تطبيقي لفكر مادي غربي يساوي بين الإنسان والطبيعة ولا يهمه إلا المنفعة بغض النظر عن أي إنسانية تراحمية أو تظالمية. لقد بيّن الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله في كتبه وأبحاثه مظاهر هذا الفكر المادي بشكل واف كاف, وتحدث عن العلمانية الشاملة والتي سماها أيضاً "العلمانية الطبيعية المادية" أو "العدمية" والتي لا تعني كما قال فصل الدين عن الدولة وإنما تعني فصل كل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية عن كل جوانب الحياة العامة والخاصة إلى أن يتم "نزع القداسة" تماماً عن العالم (الإنسان ـ الطبيعة) (انظر كتابه الرائع العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة). ومن خلال أبحاثه وجد الدكتور المسيري أن الصهيونية تعد تطبيقاً مباشراً لهذا الفكر المادي العلماني الشامل الذي ينظر للعالم نظرة استعمالية محايدة مجردة تسعى نحو المنفعة بغض النظر عن أي نتائج كارثية. (وأعتقد أن أي إنسان يلمس هذه النتائج الكارثية لهذه النظرة المادية العلمانية الشاملة حتى لو كان خاضعاً لمنظومة الخداع المعرفي لأنه يعيش هذه النتائج الكارثية في حياته يومياً). لقد اُختزلت هذه القضية العالمية التي تدل على خطورة تلك النظرة المادية القاسية للعالم والتي يجب أن تهم كل إنسان في أي بقعة من الأرض لأنها تهدد وجوده نفسه, اُختزلت إلى قضية بلد صغير تتجلى فيه بعض مظاهر ظلم الإنسان لأخيه الإنسان. ورغم ذلك فقد قبلنا هذا الاختزال وتعاملنا معه على أساس أن هذه القضية هي قضيتنا كعرب ومسلمين , وأن الظلم الواقع على أهلنا في فلسطين هو ظلم لنا ويجب علينا العمل لرفعه عنهم وعلينا أن نوصل قضيتنا لكل العالم ونعمل على إفهام الجميع عدالة ما نسعى إليه. ولكننا وجدنا أنفسنا بعد مدة واقعين في شرك "الخداع الإعلامي المعرفي". فمن كثرة ما سمعنا عن "قضية فلسطين" خيّل إلينا أننا نعرف كل تفاصيلها ويومياتها, وخيّل إلينا أننا نعي تماماً أهداف الصهاينة وما يخططونه فيها ولها (ولغيرها طبعا!). أقول إننا وقعنا في شرك "الخداع المعرفي" لأننا نتوهم أننا نعرف كل شيء عن القضية التي اختزلناها في وعينا لدرجة صرنا نردد مصطلحات وأوصافاً وعبارات نظن أننا نعرف دلالاتها المطابقة للحقيقة, وأنها تصف ما يجري الواقع. رغم أنها تؤدي وظيفة خطيرة وهي تزييف الوعي واختزال المفاهيم لرسم واقع آخر بعيد كل البعد عن الحق والحقيقة. لننظر مثلاً إلى بعض المصطلحات التي نرددها يومياً مثل "جيش الدفاع الإسرائيلي" والذي يعني حقيقة أن جيش إسرائيل هو جيش (دفاع) عن (بلد) موجود أصلاً هو (إسرائيل) ضد (أعداء خارجيين) يعتدون على هذا البلد المسالم!. وكذلك مصطلح كمصطلح "الشعب اليهودي" والذي يعني أن اليهود المتفرقين في العالم هم شعب له خصائص ومميزات كالشعب العربي أو الفرنسي أو الصيني.........إلخ مع أننا نعرف أن اليهود في كل بلد يحملون خصائص أهل البلد الذي ينتمون إليه ويعيشون فيه. ورغم ذلك فإن هذه المصطلحات وأمثالها تعبر عن الأكاذيب الصهيونية التي يروجها الإعلام الصهيوني لإقناع العالم بوجوده. ولكن الأخطر من ذلك تلك المصطلحات التي تتعلق بفلسطين كدولة وأمة, فما معنى أن نقول " عرب الداخل" مثلاً؟ إنه يعني أن الفلسطينيين الذين يعيشون في أرضهم هم مجرد أقلية دخيلة في الدولة الإسرائيلية وبقاؤهم فيها هو تعبير عن كرم الأخلاق الصهيوني ليس إلا!. وما معنى أن نقول " الخط الأخضر"؟ إنها تعني خط حدودي بين دولة قائمة لها شخصيتها وحقوقها وسيادتها هي إسرائيل طبعاً, وأن أي تجاوز لهذا الخط هو اعتداء على سيادة دولة معترف بها عالمياً (ومثل ذلك مصطلحات معابر حدودية!) بل ما معنى أن نقول "عملية سلام"؟ إنه يعني وجود حرب بين دولتين أو أكثر لكل منهم حقوق معينة وحصل بينهم خلاف ما, أدى إلى نشوب حرب, و"عملية السلام" هذه تسعى إلى إعادة الحقوق لأصحابها وإنهاء حالة الحرب القائمة.! لقد حوّل قبولنا لهذه المصطلحات وترديدنا لها ليل نهار "قضية فلسطين" المختزلة أصلاً كما بينّا, إلى قضية أشد اخزالاً, فبعد أن كانت قضية أمة إسلامية وعربية صارت قضية خاصة (شاهدنا كيف تظاهر "عرب الداخل" احتجاجاً على حرب غزة تماماً كما تظاهر غيرهم في بلدان العالم العربي والإسلامي, فوضعهم أصبح مختلفاً عن وضع الفلسطينيين في الضفة والقطاع !) وبعد أن كنا نتحدث عن تحرير كامل الأراضي المحتلة صرنا نتحدث عن دولة فلسطينية ممزقة تضم الضفة والقطاع. وبعد أن كنا نتحدث عن مقاومة فلسطينية تجمع الشعب الفلسطيني كله رغم اختلاف أسماء فصائلها وتوجهاتهم الأيديولوجية صرنا نتحدث عن أحزاب متناحرة متقاتلة كل منها يدعي أنه الممثل الحقيقي للشعب الفلسطيني المنكوب. واليوم نقول غزة تُذبح, (وكأن فلسطين كلها لا تُذبح ليل نهار منذ عقود كثيرة!) لقد اختزلنا معاناة عقود من القتل والتدمير وسحق الإنسان والاستيطان الإحلالي المادي الوظيفي لنتحدث اليوم ونحلل أسباب (الغضب الإسرائيلي) من (حماس) (وكأنها راضية عن الفلسطينيين كلهم ما عدا حماس التي رفضت التهدئة مع إسرائيل المسالمة التي لا تعتدي على أحد ولكنها تدافع عن نفسها ضد الإرهاب الحمساوي الذي تطاول على "السلطة الفلسطينية!" وأرغمها على مغادرة القطاع وراح يقذف إسرائيل بصواريخه المصنوعة من التنك والبارود!) أعتقد أننا بحاجة اليوم أكثر من أي يوم مضى لتنقية الوعي العربي والعالمي مما علق به من أوهام عن فلسطين والخطر الصهيوني, وأننا بحاجة للعودة إلى الحديث عن القضية من جديد لنستطيع الرؤية بوضوح ونعرف كيف يجب أن نتعامل مع ما يجري وسيجري من أحداث كارثية قادمة!
.



