لا يشك عاقل في أن الوعي
بالتاريخ جزء من ثقافة أية أمة حريصة على بناء مستقبلها ضمن مواريثها الحضارية الشاملة ، وهذا الوعي هو أحد المرتكزات الأساسية في التأصيل للمعايير التي تحدد الأشياء في الحياة وفق معايرة الوحي لها . وحين تفقد أمة من الأمم مرجعيتها العقدية و الفكرية المطلقة ( اللابشرية ) فإنها تسمح للتاريخ أن يهيمن على أقيستها وتوجهاتها وضروب تفكيرها مما ينأى بها بعيدا عن المنهج المعصوم .
وقد صيغ تاريخنا الإسلامي على نمط معلول يجعل الإنسان يخلط بين التعاليم المعصومة المقدسة وبين آراء الأشخاص القاصرين ، والواقع أن عدم إدراك المسافات الفاصلة بينها يوقعنا في الحرج ويضطرنا إلى التأويل و تلمس المخارج واصطناع المعاذير .
و الخلط بين المبادئ و الأشخاص من أسوأ الأدواء الفكرية التي أصابت ثقافتنا المعاصرة ، وهي تحاول رسم معالم النهوض ونصبها في سبيل المصلحين و المجددين على اختلاف مشاربهم الفكرية ومسالكهم العملية ، فالكل يلوذ بالتاريخ ليستلهم منه النماذج يعزز بها فكرته ، ويؤيد بها موقفه ، ويلهب بها مشاعر أتباعه ، وهو يعرض النماذج التاريخية ويفاخر بها قد لا يستطيع فك الالتباس التاريخي بين الأشخاص و المبادئ ، بين الدين و التدين ، بين المشاعر و الواقع ، بل بين المُثل و المثال .
وفي هذا المعنى يقول الأستاذ محمد مختار الشنقيطي في كتابه القيم الخلافات السياسية بين الصحابة : " إن التاريخ البشري لم يعرف ـ و لن يعرف ـ تحول المُثل إلى مثال بشكل مطلق لأن ذلك في غير مستطاع البشر ، وحتى حين يوجد الأنبياء وهو قمة الكمال البشري فإن حدود الزمان و المكان لا تسمح لهم بتحويل المُثل إلى مثال في مجتمعاتهم و الارتفاع بمستوى التدين إلى مستوى الدين بشكل مطلق لأن الدين هداية إلهية كاملة و التدين كسب بشري ناقص ..".
وقد أدى هذا الخلط بين المبادئ والأشخاص إلى أن أغلب العلماء في الماضي والحاضر عندما كتبوا عن حياة الصحابة والسلف الأول سردوا لنا المناقب والفضائل فقط وسلخوا حياة الصحابة من طبيعتها البشرية ، طبيعة الصراع بين المثل والواقع بين المعاناة النفسية في سبيل الارتفاع إلى مستوى المبدأ ومظاهر السقوط والنهوض والذنب والتوبة والغفلة و الإنابة
بالرغم من أن هذا هو جوهر التجربة المؤمنة فإذا فقدها التاريخ استحال من تاريخ حي نابض إلى تاريخ جامد مقدس يهيمن علينا ، ويقنط الخلف من الإقتداء بالسلف.
وما عرف عبر تاريخنا من أمثلة للزهد و الورع و البطولة و العدل .هي مجاهدات تقترب من المثال ولا تتمثله ، والمبالغة في الاستناد إليها يسيء إلى عصمة المنهج الرباني الذي جاءت التطبيقات التاريخية من بين عطاءاته و ليست محددة لكينونته ومقاصده و أحكامه .
و الدارس لتاريخنا يرى في الأفراد و الجماعات و الدول سعيا حثيثا إلى الاقتراب من المنهج الرباني المعصوم و تحقيقه في دنيا الناس ، ولكنها محاولات تقترب و تبتعد و لا تحقق الأنموذج المعصوم بأي حال من الأحوال .
ومثال ذلك عصر الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ، فإن تاريخهم يبدأ بعد مرحلة النبوة المعصومة ـ أي بعد يوم السقيفة ـ وهي مرحلة خلافة البشر الخطائين .
فالعقيدة و الإيمان و شرف الصحبة لا تلغي الخصومة و التنازع و التلاحي لأن ذلك إخراج لهم عن بشريتهم التي يصيبها الضعف و النقص و التقصير ، ولذلك لن تستغرب أن تجد حالات من ضعف الجبلة البشرية .
فقد يكون المرء تقيا لكن يمسه طائف من الشيطان بنص القرآن : " إن الذين اثقوا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبلسون " . ، وقد يكون مهاجرا في سبيل الله ـ بشهادة القرآن ـ مثل مسطح بن أثاثة ، لكنه يشترك في الإفك ويتخوض فيه .
وقد يكون رجلا صالحا مثل سعد بن عبادة لكن تستفزه الحمية وقد وصفت عائشة سعدا في أحد المواقف بأنه " كان رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية " .
وقد يكون مجاهدا في سبيل الله ـ مثل أهل بدر و أحد ـ لكنه يتوق إلى شيء من عرض الدنيا " منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة " ، " تريدون عرض الدنيا و الله يريد الآخرة " .
وهكذا البشر يعتورهم النقص و الضعف ، وإن ظن الناس فيهم الكمال المطلق .
وتوظيفنا للتاريخ و استحياء نماذجه بايجابية ينطلق من هذه الاعتبارات الواقعية لا الخيالات و الأوهام فنتنكب الطريق الأٌقوم في أخذ العبرة و العظة و الأنموذج الممكن للتطبيق .
وقد درج كثير من المؤرخين على المبالغة في الإطناب و ذكر المناقب و المحاسن حين يترجمون للأعلام أو للدول و الممالك، فوقر في أذهان من جاء بعدهم أن السابقين كانوا جميعا من السابقين بالخيرات ، وليس فيهم مقتصد و لا ظالم لنفسه ..
ذكر ابن الجوزي أن رجلا من خراسان قال : " عندنا بخراسان يرون أن أحمد بن حنبل لا يشبه البشر ، يظنون أنه من الملائكة !، وقال أبو زرعة : كان يقال عندنا بخراسان : إن الجن نعَت أحمد بن حنبل قبل موته بأربعين صباحا !.
ومن المبالغات التي صارت تكال بغير حساب و لا رقيب في عصر الذبول الحضاري لأمتنا من ذلك ما ذكره أحد طلاب الشعراني في مقدمة (لواقح الأنوار)حيث قال : قال سيدنا ومولانا وقدوتنا إلى الله إمام المحققين وقدوة العارفين ومربي الفقراء و المريدين بأقوى قواعد التمكين ، فاتح أقفال غوامض معنويات وإشارات المحققين ، ومعبر رموز مشكلات العارفين ، واسطة عقد السالكين وريحانة وجود الواصلين " .
وفي ترجمة خمسين من المتعاصرين ترد عبارة " فريد دهره ، ووحيد عصره " دون أي اكتراث بتبعة دلالات هذه الألقاب .
وهذا التصوير يعمق الهوة بين السلف و الخلف ويكرس استحالة الاقتداء ويلغي الأسوة بين الأجيال .
و المؤرخ المنصف من اغتفر قليل خطإ المرء في كثير صوابه ، ولهذا وجدنا الحافظ الذهبي عندما ترجم لشخصية معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنصفه بقوله : " قلت : حسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على إقليم ، فيضبطه ويقوم به أتم قيام ، ويرضى الناس بسخائه وحلمه ، وإن كان بعضهم تألم مرة منه .. وإن كان غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم خيرا منه بكثير و أفضل و أصلح ، فهذا الرجل ساد و ساس العالم بكما عقله ، وفرط حلمه ، وسعة نفسه ، وقوة دهائه و رأيه ، وله هنات و أمور ، و الله الموعد " . ويقول في موضع آخر : " ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم وما هو ببريء من الهنات ، والله يعفو عنه " .
وفي تقييمه لشخصية عمرو بن العاص رضي الله عنه قال يصفه : " كان من رجال قريش رأيا ودهاء وحزما وكفاءة وبصرا بالحرب ، ومن أشراف ملوك العرب ، ومن أعيان المهاجرين ، و الله يغفر له و يعفو عنه ، ولولا حبه للدنيا ، ودخوله في أمور تصلح للخلافة ، فإن له سابقة ليست لمعاوية " ، " افتتح إقليم مصر ، وولي إمرته زمن عمر وصدرا من دولة عثمان ، ثم أعطاه معاوية الإقليم ، وأطلق له مغلّه ست سنين لكونه قام بنصرته ، ولقد خلّف قناطير مقنطرة " .
وهذا المنهج العدل في قراءة التاريخ و الترجمة لأعلامه هو الذي نفتقده اليوم ، ولم يكن نهج القرآن الكريم فى عرض قصص الأولين وحياة السالفين، فحتى عندما تحدث القرآن عن الأنبياء والمعصومين قدم الصورة مكتملة بما فيها من نقاط قوة وضعف، حتى تظل صورة بشر من لحم ودم لا صورة ملائكة جبلوا على الطاعة دون جهد أو معاناة فقال عن آدم ( وعصى آدم ربه فغوى )، وقال عن نوح ( قال رب انى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم) وعن داوود ( وظن داوود أنما فتناه ) ، وعن سليمان ( ولقد فتنا سليمان وعن يوسف ( ولقد همت به وهم بها وعن موسى ( قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي) وعن سيد الخلق وخاتم الأنبياء محمد (عبس وتولى أن جاءه الأعمى ) ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ).
وهذا المنهج القرآنى هو الذي يجعل الصورة مكتملة وإلا ما بالنا والإقتداء ببشر تحرروا من صفة البشرية ( قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً)ولنا فى علماء الحديث عبرة فقد أسسوا علماً سموه بالجرح والتعديل وهو قائم على اعتبار قدسية المبادئ الشرعية فوق مكانة الأشخاص مهما سموا ولذلك لا يجد أهل الحديث غضاضة فى الكشف عن كذب الكذابين وتدليس المدلسين حتى لو كانوا من الأكابر في العبادة والزهد (وهو ما كان فعلا) ، بل إن الإمام مسلم قال ( ان جرح الرواة جائز بل وواجب وأنه ليس بالغيبة المحرمة بل من الذب عن الشريعة المكرمة (وبالطبع فإن نفقد الأشخاص (صحابة أو تابعين أو غيرهم ) وذكر نقائصهم يجب أن لا يتعارض إطلاقا مع الاعتراف بالفضل لهم وبمكانتهم الكبرى فى نفوسنا
ولا يعني القول بعدالة الصحابة أنهم معصمون عصمة الأنبياء، فلا يخطئون أو يسيئون أو يقع منهم نسيان أو تقصير فهم لم يدعوا ذلك، ولم يدعِه لهم أحد، فقد كانت تقع منهم الهفوات، ويرتكب بعضهم ما يحدون عليه، وكتب السنة حافلة بالشواهد على ذلك، ولا يمكن إنكار وقوع هذه الحوادث فقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم حد الزنى على ماعز بن مالك، وقام برجمه، وقطع يد المرأة المخزومية التي سرقت، ورفض شفاعة أسامة بن زيد فيها، وأطلق قولته المعروفة "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
وأقام حد القذف على اثنين من كبار الصحابة هما شاعره حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وكان ممن شهد بدرًا، وعلى امرأة صحابية هي حمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش بعد أن ثبت عليهم تهمة القذف في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وذلك في الحادثة المعروفة بحادثة الإفك.
وعفا عن حاطب بن أبي بلتعة بعد أن أرسل سرًّا إلى أهل مكة يخبرهم بتحركات الرسول صلى الله عليه وسلم وعزمه على فتح مكة، وهو عمل يشبه ما يعرف الآن بجريمة الخيانة العظمى، وبرّر حاطب فعلته تلك بقوله: "يا رسول الله لا تعجل عليّ، إني كنت امرأ ملصقًا في قريش -كنت حليفًا لها ولم أكن من حميمها- وكان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضي بالكفر بعد الإسلام".
فقبل النبي اعتذاره بعد أن تيقن من صدق كلامه، وقال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي تقدم ليضرب عنقه: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك؟ لعل الله قد اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
وما ذكرناه لا يعني شيوع مثل هذه الجرائم بين صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي أمثلة على إمكانية وقوع الخطأ من الصحابة، وأنهم ليسوا معصومين، وهذه الأحداث كانت قليلة ونادرة إذا ما قورنت بما كان عليه السواد الأعظم من الصحابة من صدق الإيمان، وكرم الخلق، والالتزام بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وبعدهم عن المعاصي ما ظهر منها وما بطن وإسراعهم بالتوبة إذا وقعوا في خطأ ومعصية. وهم لم يلقوا الله تعالى إلا وهم طاهرون تائبون آيبون ببركة صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ونصرتهم له.



