مـقـدمـــــة:
ظهر النقد الاجتماعي للأدب كرد فعل على النقد النفسي، محاولا تجاوز مظاهر النقص التي تجلت في هذا الثاني إثر اهتمامه بمجال المرسل في زواياه الشعورية واللاشعورية، الفردية والجماعية، على حساب مجالات أخرى مثل المرسل إليه والرسالة والمجتمع وغيرها.
وعلى هذا الأساس تنهض هذه الورقة إلى الكشف عن المجالات التي حرص النقد الاجتماعي بمختلف تلاوينه إضاءتها وإيلاءها بالغ عنايته بالدراسة المتوخية الطابع العلمي.
في إطار النقد السوسيولوجي يمكن التمييز بين عدة مناهج، وفي كل منهج تم التركيز على مجال للدراسة دون
المجالات الأخرى فـ:
1-المنهج الاجتماعي الوضعي:
يهتم بالأديب والظروف الخاصة والعامة التي عاش فيها، فكل هذا يشكل هويته الاجتماعية وليس النفسية، فمجال دراسته هو الحياة الاجتماعية للأديب (منذ مدام دوستايل) ثم ربط الأدب بالحياة الشخصية للأديب ثم المجتمع.
2-إن المنهج الاجتماعي الجدلي:
يعمد رواده إلى ربط مضامين الأعمال الأدبية بأشكال الوعي الإيديولوجي للمجتمع وطبقاته، على أساس أن هناك علاقة انعكاس وترابط جدلي بين الإنتاج الأدبي والواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي اعتمادا على مقولات الفكر الماركسي، خاصة مفهومي: البنية التحتية والبنية الفوقية، وكيف تتحكم البنية الأولى في توجيه البنية الثانية[1]. ومفهوم الانعكاس والالتزام.
وقد هدف هذا المنهج تحليل النصوص الأدبية بوصفها شهادات أو انعكاسات لعناصر متفاوتة الأهمية من الحياة الاجتماعية وتحولاتها، مركزا في تحليله على زاوية الرسالة من حيث المضمون؛ فمثلا نجد ميشال عاصي في كتابه "دراسات منهجية في النقد" اهتم بتحليل الأعمال القصصية والشعرية مستعرضا محاورها الرئيسة والتوقف عند مضامينها ومحتوياتها الفكرية، مبينا علاقتها بالواقع الاجتماعي اللبناني خاصة، وفي هذا يكون ميشال عاصي نظر إلى الرسالة بأنها تتمثل في انتمائها للواقع الاجتماعي/التاريخي كظاهرة من الظواهر الاجتماعية، أو كواقعة متولدة عن العلاقات الاجتماعية التي تخضع لتطوير جدلي[2]، وبالتالي فالنص في نظره وفي حدود مفاهيم المنهج الاجتماعي الجدلي يتحرك على أرضية التاريخ والصراع بقانونه الذي يتحكم في كل العلاقات، وبذلك يكون تعامل ميشال عاصي مع النص الأدبي لا في خصوصيته الأدبية بل مع مرجعيته.
3-المنهج البنيوي التكويني:
يبحث هذا المنهج عن العلاقة بين الأعمال الأدبية والواقع الاجتماعي على مستوى التناظر والتماثل بين البنيات والأشكال الأدبية والبنيات الذهنية المشكلة للوعي الجماعي، ضمن رؤية نقدية تهتم بالبنية الداخلية والفنية (للرسالة) للعمل الأدبي وبأبعاده الاجتماعية والإيديولوجية[3]. وعلى هذا يكون هذا المنهج قد اهتم بمستوى الفهم: أي تحليل البنية الداخلية للنص بتفكيك عناصره المكونة ومساءلتها وبمستوى التفسير: أي ربط العمل الأدبي بالواقع الذي يؤول إليه، باعتباره يمثل رؤية للعالم لدى فئة اجتماعية ما.
وفي تجاوز هذا المنهج لقصور المنهج الأول بتركيزه على جانب المضمون في الرسالة يكون قد مزج في دراسته للرسالة بين ماهو مضموني وماهو شكلي، ولتوضيح هذا، نجد أن محمد بنيس[4]قد تبنى هذا المنهج فكان قد أولى الاهتمام لمجال الرسالة في شقيها الشكلي والمضموني، فدرس النص الشعري من داخله في بنيته السطحية والعميقة، فحلل البنية السطحية إلى عدة بنيات هي:
- بنية الزمان الذي كشف أن القصيدة المغربية الحديثة قد كسرت رتابة الإيقاع الخليلي.
- بنية المكان حيث أصبح الاشتغال على فضاء الكتابة في الورقة، من حيث البياض والسواد فيها.
- متتاليات النص في بنيته: النحوية بقانونيها: الزمن النحوي وقوانين ضمائر الشخص، والبنية الدلالية أي دلالة الجملة في القصيدة.
- بلاغة الغموض من حيث مفهوم الانزياح الذي خرق القواعد البلاغية العربية القديمة مشكلا جمالية للنص الإبداعي الحديث، دارسا الانزياح في مستوياته الدلالية والنحوية والصرفية والتركيبية.
وبتبني محمد بنيس للبنيوية التكوينية أمكنه الانتقال من داخل النص إلى خارجه أي إلى المجتمع والتاريخ، وهو ما تجلى في مفهوم البنية العميقة الذي اقترح فيه مضامين دلالية تفسر تجليات البنيات السطحية في القصيدة المغربية الحديثة، موزعا إياها إلى بنيتين هما: بنية السقوط (هيمنة مقولات الموت، الحرب، الغربة، الهزيمة) وبنية الانتظار (هيمنة صفات المنتظر المتراوحة بين المعلوم والمجهول بين الأطفال والراشدين...).
إلا أن الملاحظ في هذا المنهج الذي تبناه محمد بنيس، أنه لا يهدف إلى دراسة مجال المجتمع أكثر من دراسة الأدب، مادامت هذه البنيات هي مطية لفهم وتفسير البنية الثقافية في مجاليها الاجتماعي والتاريخي.
4-السوسيولوجيا التجريبية للأدب:
تهتم بمجال إنتاج الأدب وتسويق الأعمال الأدبية، وما يرتبط بها من وسائل الاتصال والنشر والتلقي إلى جانب دراسة إقبال القراء على الأدب وعلاقة الأدباء بالمجتمع والجمهور القارئ[5]، ليكون بذلك هذا المنهج قد ركز في دراسته على ثلاثة زوايا في العمل الأدبي هي: الكاتب والكتاب والقارئ، ففي:
- سوسيولوجيا الكاتب، يدرس نشأته وأصوله الاجتماعية ومظاهر البيئة التي عاش فيها، ومنابع الطبقة والجماعات الثقافية التي يرجع إليها والأجواء الاجتماعية والثقافية التي يبدع فيها.
- سوسيولوجيا الكتاب: يهتم بعملية إنتاج الكتاب وتوزيعه ومدى نجاحه.
- سوسيولوجيا القراء: يدرس انتماء القارئ الطبقي والاجتماعي وحجمه ونوعية قراءاته وظروفها.
وخير من يمثل هذا التيار في الوطن العربي هناك السيد ياسين، الذي عمل على فحص العمل الأدبي في كتابه "التحليل الاجتماعي للأدب"[6](في ضوء هذا المنهج) من خلال تقصي النص الروائي "العيب" ليوسف إدريس في ضوء المجتمع، متعاملا مع شخصيات الرواية وكأنها حالات اجتماعية واقعية، معتبرا النص الأدبي وثيقة يبحث فيها عالم الاجتماع عن الموضوعات والظواهر الاجتماعية[7]. ليكون بذلك السيد ياسين قد غلب مجال الاستقصاء في ماهو خارج نصي على ماهو داخلي نصي.
5-سوسيولوجيا النص الأدبي:
إذا كانت هذه المناهج قد تراوحت بين العناية بالمرسل والمرسل إليه والرسالة، على أنها في الغالب ركزت على الجانب المضموني في العمل الأدبي على حساب الشكل؛ فإن منهج "سوسيولوجيا النص الأدبي " كما تبلور مع بيير زيما قد حاول الاستفادة من الأبحاث اللسانية والبنيوية المعاصرة، ساعيا إلى بناء سوسيولوجيا خاصة بالنص الأدبي موليا الاهتمام ببنيته اللغوية والرمزية، محاولا التخلص من النظرة الإيديولوجية الأحادية، ومن مفهوم الانعكاس بوجهيه الآلي والجدلي[8].
ليكون بذلك هذا المنهج قد عمل على العناية بمجال الرسالة في جانبها الشكلي من حيث الوحدات المعجمية والتركيبية... مع عدم إلغاء جانب المحتوى الذي هو متجسد في هذه الوحدات اللغوية.
وقد عمل على استثمار هذا المنهج في النقد الأدبي العربي عامة والمغربي خاصة، سعيد يقطين، وهذا ما نجده في مقدمة كتابه "انفتاح النص الروائي، النص-السياق" إذ يصرح بكونه يطمح في "هذه الدراسة إلى تحليل النص الروائي العربي باعتباره بنية دلالية، وهي بذلك تستفيد من أهم إنجازات نظرية النص وسوسيولوجيا النص الأدبي، وتحاول البحث عن دلالات النص الروائي العربي انطلاقا من دواخله"[9]
يبدو من هذا النص أن سعيد يقطين يروم الاهتمام بمجال الرسالة في شقيها الشكلي والمضموني، على أن الشق المضموني في بنيته الاجتماعية والفكريةهو ما يتم الاهتمام به لرصد ملامحه المرجعية التاوية في النص الأدبي[10].
يتضح مما سبق أن كل اتجاه في النقد السوسيولوجي اهتم بمجال في دراسته للظاهرة الأدبية، وهنا نستدل لنص لعبد العزيز جسوس الذي ميز في علم الاجتماع بين ثلاث علوم تنصهر ضمنه. (اهتم كل واحد بمجال). هم:
علم الاجتماع الوضعي وعلم الاجتماع الجدلي وعلم الاجتماع التجريبي، مبينا المجال الذي يهتم به كل واحد منهم "فأولها حين مقاربته للأدب يهتم بالظروف الخاصة والعامة التي عاش فيها الأديب، انطلاقا من تربيته وثقافته وأحداث حياته المؤثرة، ووضعه الأسري والاجتماعي وانتهاء بسمات عصره وأثر كل ذلك في إنتاجه الأدبي.
وأما ثانيها: فيهتم أساسا بوضع الأديب الطبقي وبالوعي الذي يربطه بطبقته وبالمرحلة التاريخية التي عاش فيها انطلاقا من أن الأدب نشاط ذهني يمثل جزءا من مكونات البنية الفوقية المحكومة بشروط البنية التحتية، وبعد ذلك تتفرع النظريات الأدبية داخل هذا العلم وتتوزع بين (نظرية الانعكاس) المرآوي للواقع، وبين (نظرية التناظر البنيوي) التي تعطي استقلالا نسبيا للبنية الفوقية عن البنية التحتية كما ذهب إلى ذلك لوسيان كولدمان في (البنيوية التكوينية). وأما ثالثها فيهتم بتجميع المعطيات من الواقع الاجتماعي حول ظاهرة اجتماعية معينة ويعمل على تصنيفها وتحليلها، وفي مقاربته للأدب فإنه يتعامل معه باعتباره (سلعة) قابلة للعرض والطلب، فيهتم بدراسة سوق نشر المؤلفات الأدبية، وتسويقها وتوزيعها واستهلاكها من قبل المتلقين، وقد يهتم باجتماعية القراءة وبتاريخيتها"[11].
تـركـــيــــــب:
يتضح مما سبق أن الدراسة الاجتماعية سعت إلى مقاربة الظاهرة الأدبية من خلال تجاوز نقط الخلل التي سقطت فيها المقاربة النفسية عندما أولت الاهتمام لزاوية المرسل إليه دون الزوايا أخرى في الظاهرة الإبداعية.
غير أن الملاحظ هو عدم نجاح الدراسة الاجتماعية في دعواها ،إذ غلب على معظم مناهجها المنبثقة منها، العناية بمجال المضمون على حساب الشكل ؛وحتى في تلاوينها الأخيرة مع "البنيوية التكوينية" أو "علم اجتماع النص الأدبي" التي سعىت إلى تصحيح صورة الدراسة الاجتماعية للأدب من خلال دراسة بنية مضمون النص الأدبي إضافة إلى بنيته الشكلية.
إن هذا الإجراء في هذه المقاربة لم يخرجها من أحادية المجال في الدراسة، إذ ما عناية هذه المناهج المستجدة في النقد الاجتماعي بالرسالة في جانبها البنيوي إلا لخدمة زاوية مضمون النص الأدبي.
والله ولي التوفيق.
مع تحيات الأستاذ الباحث:
أحمد استيرو
المغرب
الهوامش:
--------------------------------------------------------------------------------
[1]-جيفر آن وديفيد روبير: النظرية الأدبية الحديثة، تر: سمير مسعود منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1992، ص.259.
[2]-ميشال عاصي: دراسات منهجية في النقد،مكتبة الحياة، بيروت،ط 1، 1971.
[3]-عبد السلام بنعبد العالي: سوسيولوجيا الأدب عند لوسيان كولدمان، مجلة أقلام، عدد 4 فبراير 1977، ص.32. وما بعدها.
[4]-محمد بنيس: ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، مقاربة بنيوية تكوينية، دار العودة، ط1، بيروت، 1979.
[5]-روبير اسكاربيت: سوسيولوجيا الأدب، ترجمة: أنطوان عرموني، منشورات عويدات، بيروت، باريس، سلسلة زدني علما، 1978
[6]-السيد ياسين: التحليل الاجتماعي للأدب، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ط.2، 1982.
[7]-عبد العزيز جسوس: النقد الأدبي العربي المعاصر وإشكالية الخطاب العلمي، أطروحة مرقونة بجامعة القاضي عياض ،كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، تحت رقم 2.8 ،سنة 2002، ص 317.
[8]-بيير زيما: النقد الاجتماعي (نحو علم اجتماع نص أدبي)، ترجمة: عايدة لطفي، مراجعة: د. أمينة رشيد ، د.سيد بحراوي، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، ط.1، 1991.
[9]-سعيد يقطين "انفتاح النص الروائي، النص-السياق" ، المركز الثقافي العربي، ط.1 1989، ص5.
[10]- سعيد يقطين "انفتاح النص الروائي، النص-السياق"، مرجع مذكور، ص.144.
[11]-عبد العزيز جسوس: إشكالية الخطاب العلمي في النقد الأدبي العربي المعاصر، المطبعة والوراقة الوطنية، المطبعة والوراقة الوطنية، الداوديات، مراكش، ط.1، 2007، ص.141.
بيبليوغرافيا:
1. (روبير) اسكاربيت: سوسيولوجيا الأدب،تر: أنطوان عرمون،منشورات عويدات،بيروت،باريس،سلسلة زدني علما،1978.
2. (جيفر) آن، (ديفيد) روبير: النظرية الأدبية الحديثة، تر: سمير مسعود،منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1992.
3. (عبد السلام) بنعبد العالي: سوسيولوجيا الأدب عند لوسيان كولدمان،مجلة الأقلام،عدد 4، فبراير، 1979.
4. (محمد) بنيس: ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب،مقاربة بنيوية تكوينية، دار العودة، بيروت، ط1 ، 1979.
5. (عبد العزيز) جسوس: - إشكالية الخطاب العلمي في النقد الأدبي العربي المعاصر،المطبعة والوراقة الوطنية،مراكش،ط1، 2007.
- النقد الأدبي العربي المعاصر،إشكالية الخطاب العلمي، أطروحة دكتوراه مقرونة بجامعة القاضي عياض،كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مراكش، تحت رقم 2.8 سنة 2002.
6. (بيير) زيما: النقد الاجتماعي (نحو علم اجتماع نص أدبي) تر: عايدة لطفي، مرا: د.أمينة رشيد،د. سيد بحراوي،دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع،ط1، 1991.
7. (ميشيل) عاصي: دراسات منهجية في النقد، مكتبة الحياة، بيروت،ط1، 1970.
8. (سعيد) يقطين: انفتاح النص الروائي، النص- السياق، المركز الثقافي العربي، ط1، 1989.
9. (السيد) ياسين: النقد الاجتماعي للأدب، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت،ط2، 1982.



