يُعد سعد الله ونوس أحد أهم الأعلام الذين شكلوا ملامح المسرح العربي الحديث في النصف الثاني من القرن العشرين، وصاحب مشروع فكري وفني متكامل سعى من خلاله إلى إعادة تعريف وظيفة المسرح ذاتها في المجتمعات العربية، لا بوصفه فناً للتسلية أو استعراضاً جمالياً منفصلاً عن هموم الناس، بل بوصفه أداة تحريض ووعي وتغيير. وُلد ونوس عام 1941 في قرية حصين البحر الساحلية القريبة من مدينة طرطوس السورية، لأسرة متواضعة الحال، ونشأ في بيئة ريفية ظلت أثرها حاضرة في وجدانه ولغته حتى أواخر أعماله. ورغم أن مسيرته الأدبية والفكرية امتدت زهاء أربعين عاماً، إلا أنها كانت كافية لتُحدث تحولاً نوعياً في فهم المسرح العربي لذاته ولجمهوره، وليصبح اسمه مرادفاً لمفهوم "مسرح التسييس" الذي ارتبط به ارتباطاً وثيقاً في الدراسات النقدية والأكاديمية.
ولم تُولد فكرة المسرح السياسي المتوجه إلى الجمهور العربي من فراغ، فقد سبقت ونوس محاولات تأسيسية أرست دعائم المسرح العربي الحديث منذ منتصف القرن التاسع عشر، حين قدّم مارون النقاش في بيروت أولى عروضه المستلهمة من النماذج الأوروبية أواسط خمسينيات ذلك القرن، ثم واصل يعقوب صنوع في مصر تطوير هذا الفن الوليد عبر مسرح شعبي ناقد اجتماعياً وسياسياً استخدم اللهجة العامية وأثار حفيظة السلطة حتى أُغلقت فرقته. غير أن هذا المسرح المبكر، على أهميته التأسيسية، ظل في غالبه أسير قوالب الاقتباس والترفيه العائلي، ولم يطرح لنفسه مشروعاً نظرياً متكاملاً حول وظيفة الفن المسرحي في مجتمع يرزح تحت الاستعمار ثم تحت أنظمة الاستبداد الوطني التي أعقبته، وهي المهمة التي تصدى لها جيل ونوس في الستينيات والسبعينيات، متأثراً بتجارب مسرحية عربية موازية كتلك التي قادها يوسف إدريس وألفريد فرج في مصر، سعياً إلى مسرح يخاطب الوجدان الجمعي العربي في لحظة مفصلية من تاريخه الحديث.
بدأت رحلة ونوس الفكرية بالانتقال إلى القاهرة في مطلع الستينيات لدراسة الصحافة، حيث أتيحت له فرصة الاطلاع على حركة مسرحية عربية كانت تشهد آنذاك نقاشات حادة حول الهوية والالتزام، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى باريس لمتابعة دراسات متخصصة في المسرح، وهناك احتك مباشرة بتيارات المسرح الأوروبي الطليعي، وعلى رأسها المسرح الملحمي الذي أرسى قواعده المخرج الألماني إروين بيسكاتور والكاتب برتولت بريخت، بما يحمله هذا التيار من رفض للإيهام المسرحي التقليدي، ودعوة إلى مسرح يوقظ الوعي النقدي لدى المتفرج بدل أن يُغرقه في التماهي العاطفي السلبي مع الأحداث. غير أن المنعطف الأكثر حسماً في تكوين ونوس الفكري لم يكن أوروبياً، بل عربياً بامتياز، وتمثل في هزيمة حزيران عام 1967، التي عصفت بجيل كامل من المثقفين العرب وأجبرتهم على مراجعة قناعاتهم وأدواتهم، ودفعت ونوس على وجه الخصوص إلى استنتاج أن المسرح السائد في تلك المرحلة، بما فيه مسرحه المبكر ذو الطابع الرمزي والتجريبي، لم يعد قادراً على مواجهة لحظة الانكسار الجماعي، وأن الحاجة باتت ملحة إلى شكل مسرحي جديد كلياً في وظيفته وبنائه.
من رحم هذه اللحظة وُلد نص "حفلة سمر من أجل خمسة حزيران" عام 1968، الذي يُعد علامة فارقة في تاريخ المسرح العربي الحديث ووثيقة فنية مباشرة لأثر الهزيمة في الوجدان الجمعي. يقوم هذا النص على كسر الجدار الرابع بشكل جذري، إذ يبدأ العرض وكأنه ندوة توعوية عادية حول أسباب الهزيمة، قبل أن تتسلل عناصر من الجمهور المدسوسين بين الحضور الحقيقي لتقاطع العرض وتعترض على خطابه الرسمي المطمئن، فيتحول المسرح إلى فضاء مواجهة مباشرة بين الجمهور والسلطة الرمزية التي يمثلها العرض، في تقنية استهدفت انتزاع المتفرج من موقعه السلبي المعتاد وزجّه في صلب الحدث السياسي. هذا العمل لم يكن مجرد تجربة فنية جريئة، بل تجسيداً عملياً لمفهوم نظري بدأ ونوس يبلوره تدريجياً، هو "مسرح التسييس"، الذي عرّفه بوصفه مسرحاً يتوجه إلى جمهور "مستلب الوعي" بفعل أنظمة القمع والهزيمة والتضليل، ويسعى عبر أشكال اتصال مبتكرة إلى تحرير هذا الجمهور من سلبيته وتهيئته للمشاركة في التغيير، لا الاكتفاء بتقديم مضمون سياسي تقدمي داخل قالب تقليدي، بل السعي إلى زعزعة الشكل نفسه وطرائق العرض والتلقي المتوارثة.
وقد شكلت هذه الرؤية النظرية محوراً مركزياً في مجمل إنتاج ونوس اللاحق، الذي تنوع بين معالجات تستلهم التراث العربي والإسلامي وتعيد قراءته في ضوء الحاضر، وأخرى تنهل من التاريخ العالمي لتقول من خلاله ما يصعب قوله مباشرة عن الواقع المعيش. ففي مسرحية "الملك هو الملك" الصادرة عام 1977، استلهم ونوس حكاية من ألف ليلة وليلة ليقدم من خلالها تأملاً لاذعاً في طبيعة السلطة وآليات اغتراب الإنسان عن ذاته حين تتبدل هويته الاجتماعية بمجرد تبدل موقعه من السلطة، بينما قدم في "منمنمات تاريخية" الصادرة عام 1993 قراءة موازية بين سقوط بغداد على يد المغول ولحظة الانهيار العربي الراهنة، مستثمراً غنى الشخصيات التاريخية وتعدد وجهات نظرها لبناء نص متعدد الأصوات يرفض الأحادية. ومن أعماله البارزة أيضاً "مغامرة رأس المملوك جابر" و"الفيل يا ملك الزمان" و"طقوس الإشارات والتحولات"، وهي نصوص تتقاطع جميعها في اهتمامها بفضح آليات القمع والتسلط، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم دينية، وفي سعيها الدائب لتطوير أدوات مسرحية تكسر السكونية وتُشرك المتفرج فكرياً وانفعالياً في صلب القضية المطروحة. ولم يقتصر إسهام ونوس على الكتابة المسرحية وحدها، إذ أسس مجلة "الحياة المسرحية" في دمشق وتولى رئاسة تحريرها، فكانت منبراً مهماً لتوثيق الحركة المسرحية السورية والعربية ومواكبة نقاشاتها النظرية. كما عمل ونوس محاضراً في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، ونقل عبر هذا الموقع التدريسي رؤيته النظرية إلى جيل كامل من المسرحيين السوريين الشباب، فضلاً عن انخراطه المباشر في تجارب إخراجية وورش عمل مسرحية سعت إلى تطبيق مبادئ التسييس عملياً على الخشبة لا في الكتابة النظرية وحدها. ويلاحظ الدارسون لتجربته أن لغته المسرحية شهدت تطوراً ملحوظاً عبر عقود إنتاجه، إذ انتقل من لغة خطابية مباشرة في أعماله الأولى إلى بناء درامي أكثر تركيباً وتعدداً في الأصوات في أعماله اللاحقة، مستفيداً من تقنيات الحكي داخل الحكي واستحضار الرواة المتعددين المتناقضين، بما يتيح للمتفرج أن يواجه بنفسه تناقضات الخطابات المتصارعة بدل أن يُملى عليه موقف جاهز، وهو تطور فني واكب نضج ونوس الفكري ذاته وابتعاده التدريجي عن أي شكل من أشكال الوعظ المباشر لصالح مسرح أكثر تعقيداً وإشكالية.
في مطلع التسعينيات، أُصيب ونوس بمرض السرطان، وخاض معه رحلة علاج طويلة وشاقة لم تفتّ في عزيمته الفكرية والإبداعية، بل دفعته إلى إنتاج بعض أنضج نصوصه المتأخرة وهو يصارع المرض. وفي عام 1996، اختارته منظمة اليونسكو ليكون كاتب الرسالة العالمية لليوم العالمي للمسرح، وهو تكريم يُمنح لأبرز الأسماء المسرحية في العالم، فكتب ونوس، وهو طريح الفراش يصارع الألم، رسالة استثنائية سرعان ما تحولت إلى نص مرجعي يُستشهد به في أوساط المسرح والثقافة العربية حتى اليوم، بفضل عبارتها الختامية الشهيرة: "إننا محكومون بالأمل". هذه العبارة، التي وُلدت من رحم أقسى الظروف الشخصية والسياسية معاً، اختصرت فلسفة ونوس المسرحية والوجودية بأكملها؛ فهو الذي أمضى حياته يفضح القهر والاستبداد والهزيمة، لم ينزلق يوماً إلى العدمية أو الاستسلام، بل ظل يرى في المسرح، وفي الفعل الإنساني عموماً، مساحة ممكنة للمقاومة ولو في أحلك الظروف. توفي سعد الله ونوس في دمشق في الخامس عشر من أيار عام 1997 عن ستة وخمسين عاماً، تاركاً وراءه إرثاً مسرحياً وفكرياً ما زال حاضراً بقوة في المناهج الأكاديمية والعروض المسرحية العربية والعالمية على حد سواء. والجدير بالذكر أن سنوات صراعه الأخيرة مع المرض لم تكن فترة انكفاء، بل شهدت على العكس تدفقاً إبداعياً لافتاً أنتج خلاله نصوصاً من أنضج ما كتب، إذ أنجز في تلك المرحلة مسرحية "الأيام المخمورة" التي استعاد فيها بأسلوب شبه سيرذاتي محطات من طفولته وشبابه ومساره الفكري، في نص يمزج بين المرارة الشخصية والتأمل الفلسفي في المرض والفناء والمعنى، ليصبح بذلك من أواخر ما كتب من أدب المواجهة مع الموت في المسرح العربي الحديث.
وقد أثار مشروع ونوس، رغم تقديره النقدي الواسع، نقاشات وخلافات فكرية لم تخل من حدة في أوساط المسرحيين والنقاد العرب، إذ رأى بعض النقاد أن إصراره على الوظيفة التحريضية المباشرة للمسرح قد يُرهق أحياناً البناء الفني لصالح المضمون الأيديولوجي، بينما ذهب آخرون إلى أن تجربته اللاحقة، وخصوصاً في أعماله التي كتبها بعد منتصف الثمانينيات، تجاوزت هذا المأزق المحتمل عبر تعقيد بنيتها الدرامية وتعدد أصواتها الداخلية بما يجعلها أقرب إلى مساءلة مفتوحة منها إلى خطاب مغلق ذي وجهة واحدة. كما واجه ونوس، شأن كثير من المثقفين الملتزمين في سوريا والعالم العربي، ضغوطاً تتعلق بحدود ما يمكن قوله علناً في ظل الأنظمة السياسية القائمة، وهو ما دفعه أحياناً إلى معالجة قضاياه الأكثر حساسية عبر أقنعة تاريخية أو تراثية بدل المعالجة المباشرة، وهي استراتيجية فنية شهدها المسرح العربي عموماً في تلك الحقبة، لكنها لم تُفقد نصوصه قدرتها على الإيحاء ومخاطبة راهنها السياسي بوضوح لمن أراد أن يقرأ.
لم يقتصر أثر ونوس على جيل واحد من المسرحيين العرب، بل امتد ليشكل مرجعية أساسية لكل من حاول بعده التفكير في علاقة المسرح بالسياسة والمجتمع، من مصر إلى العراق إلى لبنان وسواها، كما تُرجمت أعماله إلى لغات عدة وقُدمت على خشبات مسارح أوروبية وعالمية، وباتت "حفلة سمر من أجل خمسة حزيران" و"منمنمات تاريخية" من النصوص المرجعية التي تُدرَّس في أقسام الدراما والفنون المسرحية بوصفها نماذج فريدة لمسرح سياسي عربي ناضج شكلاً ومضموناً. وتكمن عبقرية ونوس الحقيقية في أنه لم يكتفِ بتقديم مضمون نقدي جريء، بل جدد أدوات المسرح نفسها بما يخدم هذا المضمون، فجعل من العرض المسرحي فضاءً حياً متجدداً لا نصاً جامداً يُستهلك مرة واحدة. وفي زمن تتكرر فيه المحن والحصارات في أكثر من بقعة عربية، يظل صوت ونوس، وعلى رأسه عبارته الخالدة عن الحكم بالأمل، أقرب ما يكون إلى نداء متجدد لكل من يبحث عن معنى للفعل الثقافي والمسرحي في مواجهة القهر واليأس، وهو ما يمنح تجربته راهنية متجددة تتجاوز حدود زمانها ومكانها الأصليين لتخاطب كل سياق إنساني يعيش تحت وطأة الحصار والانكسار ويصر مع ذلك على التشبث بالأمل.
ولعل ما يميز إرث ونوس، مقارنة بكثير من أقرانه في جيل المسرح السياسي العربي، هو أنه لم يقدم يوماً وصفة جاهزة أو حلاً مبسطاً لمعضلات الواقع العربي المعقدة، بل ظل مشروعه قائماً على طرح الأسئلة الحارقة وإرباك يقين المتفرج المطمئن، تاركاً له مسؤولية استكمال الفعل خارج جدران المسرح. وقد استمرت مؤسسات ثقافية عربية ودولية عدة في إحياء ذكراه عبر مهرجانات ومؤتمرات علمية تحمل اسمه، فضلاً عن استمرار إعادة إنتاج نصوصه على خشبات مسارح عربية وأجنبية في قراءات إخراجية متجددة تستكشف قدرتها على مخاطبة أزمات راهنة، من الاستبداد إلى الحرب إلى الحصار، بما يؤكد أن ما بناه ونوس لم يكن مجرد تجربة مسرحية مرتبطة بلحظتها التاريخية الضيقة، بل مشروعاً فكرياً وفنياً مفتوحاً على التأويل والتجدد، قادراً على أن يخاطب كل جيل عربي جديد يجد نفسه، كما وجد ونوس نفسه يوماً، في مواجهة هزيمة أو حصار يستدعيان اليقظة لا الاستسلام.