وقفة على القناطر

خريفٌ يعودُ وطَيرٌ يهاجـر

يُذَكِّـرُني بالرَّبيعِ المُغادر

يُـرفرفُ حيناً و حيناً يجوبُ السَّحابَ المُسَالـم

يَهُبُّ بذاكرتي كالنَّسـائـم

يسافرُ بي عبرَ تلكَ القَنـاطِـر

 يُـقَلِّبُ فيها بَقَايا الدَّفَاتـر

 لينقُـلني مِن مَكانٍ لآخَـر

من الثَّـلجِ في قُبلَـةِ الشَّمسِ حتى ابتلاعَ البِحَارِ قَطيعَ البَوَاخِـر

فراقٌ ... وداعٌ ... دموعٌ ... قلوبٌ ... ضمائـر

أليسَ لِعُشَّـاقِنا قِصَّـةٌ في ظِلال القَنَـاطـر !!!

بلا قد رأيتُ الكثيرَ الكثيـر

فقدْ كُنتُ يَومَـاً صَبيـاً صَغير

يبيعُ الفَطَـائر

فوفـدٌ يَجيءُ

وَوَفـدٌ يَـرُوحُ

وكفٌ تَـلُوحُ

وقاطرةٌ قد أَتتْ بالبشائـر

وكنتُ أرى في الرَّصيفِ المُجاور

فتاةً جميلة  

تُـراقبُ سَاعَتها في قَـلق

وَتَـقضِمُ أَظفَارَها في قَـلق

ودقاتُ خَفَّـاقِها تَسـتبيـحُ المَحَاوِر

وكان انتهاءُ الأَسى والأَرق

قدومُ الحبيبِ المسافـر

وعاد نهارٌ جديـد

وشهرٌ جديـد

وعدتٌ لأرقُبَ نَظَـراتٍ تَعتَـريها الدُّمـوع

وراحَ الحبيبُ لكونٍ بعيـد

كَقَـاطرةٍ لا تودُّ الرُّجوع

وتبقَى الحَبيبـة

على حـرِّ جَمْـرِ انتظارِ المُغَامـر

وحين كَبِرتُ رَكِبتُ القطار

وصِرتُ أبيعُ التذاكـر

طَوالَ النهار

وكنتُ أرى لَوعَـةً في العُيـون

حين الفراق

قلوبٌ يُفَتِّـتُـها الإشتياق

بذاكَ القطار

قطارٌ كبيرٌ كثيرُ المَقَـاعـد

فذاكَ حبيبٌ يُقلِّبُ في صَفَحاتِ الجَرَائِـد

وتلك الحبيبـة

تُقَلِّبُ في الليلِ جمرَ المَوَاقـد

وتشربُ من لَهبِ الإنتظار

وفي الليلِ حين يغيبُ الجميـع

أُضيءُ الشموع

وأمكثُ في بَيـتِيَ المُستَعَار

وقلبي حَـرِيـقٌ

وعقلي غَـرِيـقٌ

بتلك المَشَـاهـد

ففي كل يومٍ يجيءُ مسافـر

وفي كل يومٍ يروحُ مسافـر

وقِمَّـةُ ما يستَحِـقُّ الدُّموع

ويتركُ حَـشْـرَجَـةً في الضَّمَائـر

حين تذوبُ بقايا الشُّـموع

وتحيا بقلبي جراحُ المَشَـاعـر

ويغشى ظلامٌ عجيـب

وصمتٌ رهيـب

ربوعَ القناطـر

فأبقى وحيـداً بذاك القطار

وأجلسُ في باحـةِ الإنتظار

لأنفُـثَ سُـمَّ السَّجَـائـر

ويبقى القطارُ الكبيـرُ الكبيـر

وتبقى بَقَـايا التذاكر