وصيــــــــــــــــــــة
تركت لك يا ولدي
جذع شجرة زيتون
منذ ستين عاما يحرقون أعراشها
وكلما حرقوها
نبتت من جديد
أكثر خضرة أكثر نضرة
ثم تحرق من جديد
لتنبت من جديد
لتمتد عروقها أكثر في الأرض
حيث تمتص الدماء
لتتفرع الأغصان
وتزداد صلابة
ويزداد محيط ذاك الجذع يا ولدي
رحابة
تركت لك مفاتيح مدينة محرمة
تآكلت يداي حتى نفذت
وهي قابضة عليها
تركت لك مفاتيح مدينة مقدسة
مفاتيح مدينة محاصرة
تركت لك مفاتيح مدينة إبراهيم والعذراء
ومفاتيح ابواب كثيرة أخرى
رميتها إليك من خلف سياج الحديد
وأنا أسحب على وجهى
ذاهب لأروي جذع تلك الشجرة من جديد
تركت لك بندقية وكسرة خبز وحجرا
عند مخدتي
في مكان استراحتي
في مكان بستاني
شرق ركام بيتنا
حيث تمزقت اشلاء ابنتنا
وسقط البرعم الصغير
من ذاك الجذع الذي حدثتكَ عنه
وتركت لك معصمي القماشي
عند الصخرة , حيث رقصت أدمع أمك
فرحا بإستشهاد جهاد
تركت لك تكبيرات
يردد صداها الأفق
من على منابر الشهداء
وتركت مدنا مغتصبة
ضيعوا مني مفاتيحها
وأزقة تردد أناشيد الفداء
تركت لك آلاف الأسلاك الشائكة
التي تمر بين جزء البيت الشمالي
وجزءه الجنوبي
وتركت آلاف الحواجزالأمنية
هناك سيدقق في الهوية
وسوف لن تمر
من باب مدينتك
حتى يأذن لك الحارس الغريب
سوف تستأذن لدخول بيتك
للخروج منه
ثم سوف لن يؤذن لك
فلذالك ضع حجرا في جيبك
تركت لك طريقا شائكا
قليلون اللذين يستطيعون المشي فيه
إلا اللذين يرثون ذالك
الجذع عليه قادرون
ولم أتركك تائها في صحراء
حيث تمتزج الجهات
تركتك في مدينة على أبوابها الأغراب
تركت لك ألعابا كثيرة
لم تلعب قط منها إلا واحدة
بل لم تسلم منها إلا واحدة
حيث يكون البطل في سنك وحيدا
في يديه حجر
في وجهه قمر بريء
في صدره إسم كبير
يحفه شيء صغير جدا
هوالروح
في قدميه جروح
نائمة على أنات الرمال
وتخرج من فتات حجره
الذي رمى
مدمرة فيها حفنة أوغاد
تمشي نحوه مزنجرة
فيمشي إليها مزنجرا
تتقدم نحوه آلاف الخطوات
والزبد حول فمها
فيتقدم إليها خطوة صغيرة
ببسمة على فمه
كقافية شعر
يرددها النقع ,تحت قدميه
رافعا رأسه ليرى فوهتها
تتقدم صارخة وتهز أرضه
فيشعر أن الأرض تحته
تحث خطاه
وساعده الصغير إلى السماء
بين أنامله حجر صغير
كقطعة رغيف خبز
أعطته إياها أمه
و هو خارج إلى المدرسة
يرمي حجره الأول
فتسرع نحوه فيسرع نحوها
ويرمي الحجر الثاني
ثم يرفع يده ليرمي الحجر الثالث
فتدهسه
وتمشي فوقه منزلقة
والأوغاد فيها يقهقهون
وكأنهم في رحلة تزلج
يتسكعون
تقف المدمرة يملؤها الفخر
تنظر خلفها
فتنكس رأسها
وهم لا يزالون يضحكون
يحتفلون
بنصرهم الذي يخجل منه المنتصرون
يحتفلون
حتى تخرج من نصرهم
هزيمتهم تمشي لها قدمين
بيديها حجرين
بحدقتيها دمعتين ترفضان النزول
مطر ليل يرفض الهطول
الطفل لم يختف منه شيئا
فلقد بقي حذاؤه لأقدام الأرض
وكلماته لقراء الأرض
وصوره لعيون الأرض
بقيت كراسته مرمية
تكشف الريح صفحاتها
يعانق الدم الحصا
ترسو الريح
على ضفاف ورقة
فيها نصف دائرة مرصعة
بألوان ذهبية
وعلَم صغير وألوان أربعة
و خريطة قتلوه
قبل أن تسحقهم خطوطها
و اسم جميل أبيض
تخط دماؤه فيه و صيته
ثم شيئا فشيئا تختفي الكراسة في دمه
تخرج الآيات من دمه
أنامله الصغيرة بينها حجره الأخير
لم تقوى عليها المدمرة
يده التي َبنتْ
لم يقدر عليها التدمير
تنتهي لعبة ليست ككل اللعبات
ويأتي اليوم
الذي تكتمل فيه خريطة
يضع كل لاعب كل حجر
خطا من خطوطها
تركت لك لغة
لا يفهمها إلا نحن
مصطلحاتها قواميسها نحن
فلا تضيع حرفا منها
قبل أن تكتب النون
حرفا سادسا
على كل أسوار تلك المدينة
يا ولدي
إن شعبك و الحجر والخبز
والكفاح و الجراح
و المتألمون الذين يضحكون
قصة ابن و أم
وأرض و دم
قصة شجرة طيبة
على أرض طيبة
أصلها ثابت و فرعها في السماء
عبد الله ولد محمد عبد الرحمن
002226479911_002227292125