سَبَحْتُ بِوِجْدَانِي فهَامَتْ خَوَاطِرِي *** وطَالَ غِيَابِي بَيْنَ مَاضٍ وحَاضِرِ
كأَنَّ كَيَانِي غَائِبٌ عن حَيَاتِهِ *** وَعَقْلِي شَرِيدٌ في مَهَبِّ المَخَاطِرِ
تَطيشُ به ريحُ الهَوَى وتَصُدُّهُ *** عَنِ الرُّشْدِ مِنْ ظَنٍّ فيَقْصُرُ نَاظِرِي
أسيرُ وأحلامِي تَضيعُ وكُلَّمَا *** تَوَهَّمْتُ ظِلاًّ غَرَّنِي كُلُّ عَابِرِ
حَيَاتِي طُيُوفٌ عَابِرَاتٌ، فما غَدِي *** وما شأنُ قلبٍ لم يَزَلْ غَيْرَ قادِرِ؟
أَيَخْفِقُ مِنْ وَقْعِ الحياةِ وكلُّها *** مِرَاءٌ وأحداثٌ وبَحْرُ تَآمُرِ!
ولَمَّا بَكَى قلبي وكُلِّيَ لَوْعَةٌ *** ومَحْضُ سَقَامٍ لمْ أَجِدْ مِنْ مُشَاطِرِ
ومَنْ لم تُطَبِّبْهُ الأُسَاةُ فوَيْحَهُ! *** فلَيْسَ تُرَجِّي راحةً نَفْسُ حَائِرِ
ومَنْ لَبِسَ الدُّنْيَا مُحِبًّا تَعَقَّبَتْ *** سَعَادتَهُ حَتَّى تَضيعَ بخَاطِرِ!
فإلاَّ يُغادِرْهَا بقلبٍ تَسَرَّبَــــــتْ *** إليــــــه بأشجانٍ وإلاَّ يُبَادِرِ
وَكَمْ دَائِبٍ أفنَى الحياةَ فلم يَجِدْ *** مُنَاهُ، وكـــم عَانٍ بها ومُثَابِرِ
رأيتُ الحياةَ اسْتَوْحَشَتْ وتَمَنَّعَتْ *** عَلَيْنَا مَعَانِيهَا بِأَيِّ سَرائِـــرِ
ولمَّا يَبِنْ بَعْدُ السَّبيلُ لِتَائِهٍ *** ولمَّا يَبِنْ بَعْدُ الضِّيَاءُ لنَاظِرِ
فَيَا قَلْبِ مَا الدُّنْيَا بِدَارِ سَعَادَةٍ *** لِعَبْدٍ، وما الإنسانُ غيرُ مُسَافِر
وَمَا فَازَ إِلاَّ مَنْ سَعَى بِحَيَاتِهِ *** وَمَا حَمَلَتْ للهِ غيرَ مُكَابِرِ
ولَمَّا أَرَ الأشياءَ حَقًّا وما دَرَى *** فُؤَادِيَ مِنْهَا كُلَّ مُؤْذٍ وضَائِرِ
وكلُّ مُرادٍ قَدْ تَبَدَّى بحُسْنِهِ *** وَإِنْ كَانَ فيِ مَعْنَاهُ لَيْسَ بِطَاهِرِ!
فإنْ أنتَ لم تُؤْثِرْ فؤادكَ والهُدَى *** على بعضِ ما تَهْوَى فلستَ بخَابِرِ
وإلاَّ يَكُنْ للقلبِ حَادٍ إلى العُلاَ *** فدَأْبُكَ في نَيْلِ العُلاَ دَأْبُ صَاغِر
وهل تَهْتَدِي للشَّمْسِ عَيْنٌ سَقِيمَةٌ *** بها رَمَدٌ؟ أو تَرْتَقِي نَفْسُ خَائِرِ
إذا ما تَجَلَّى النورُ في الأفْقِ أعرَضَتْ *** مَخَافَتَهُ، واسْتَسْلَمَتْ لِدَيَاجِرِ
عَجِبْتُ لِرُوحِي لا يَبِينُ لها المَدَى *** مُحَيَّرَةً ما بينَ نَـــــاهٍ وآمِرِ
ولَوْ أَبْصَرَتْ مِنْ حَوْلِهَا لَتَبَيَّنَتْ *** هُدَاهَا قريبًا واضِحًا غيرَ غابِرِ
ولَكِنَّهَا الدنيا تُزَيِِّنُ حُسْـــنَهَا *** لِسَاهٍ ، و تُخْفِي النورَ عن عينِ نَاظِرِ
فسِرْ في رِكَابِ النورِ يُشْرِقْ بنُورِها *** فُؤَادُكَ، وارْغَبْ عن ظلامِ الخَوَاطِرِ