اتفاقية "رد الجميل" بين المالكي وبوش
رشيد شاهين
يبدو أن الإصرار الذي أبداه الرئيس الأميركي جورج بوش من اجل التوقيع على الاتفاقية الأمنية مع حكومة المنطقة الخضراء في بغداد، قبل أن يغادر- غير مأسوف عليه- البيت الأبيض، في محاولة منه لتحقيق "أي انجاز" مهما كان بعد كل ما مارسه من سياسات – رعناء- ثبت فشلها في أكثر من بقعة في العالم، لا بل امتد هذا الفشل ليصل إلى عقر الولايات المتحدة الأميركية، وخاصة سياساته- بوش- الاقتصادية، افلح أخيرا في أن يفرض على هذه الحكومة التوقيع على الاتفاقية، التي ينظر إليها على نطاق واسع على انها اتفاقية ترسيخ للاحتلال الأميركي للعراق، كما أن فيها الكثير من المواد التي تسيء الى استقلال العراق وسيادته، وان ما قيل ولا زال يقال عن الايجابيات والمزايا التي تتصف بها لا تمثل الحقيقة.
ان يحاول رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الترويج للاتفاقية فهذا ليس غريبا، حيث ان عملية الترويج والتهليل، وكذلك التوقيع عليها، يأتي في إطار رد الجميل للرئيس الأميركي الذي بدونه وبدون قراره غزو العراق واحتلاله لما استطاع المالكي ولا "ربعه" من سكان المنطقة الخضراء، ولا بأي حال من الأحوال أن يدخل العراق، كما انه لم يكن من الممكن على المالكي وأتباعه ممن باعوا أنفسهم للشيطان ان يتسيدوا العراق ويحكموه بهذا الشكل المذل وان يتطاولوا مع أسيادهم على بلاد الرافدين.
ان يقول المالكي عن الاتفاقية ما يقول وان يتغنى بها على أساس أنها كانت بمثابة الفتح المبين لن يغير من الحقيقة الدامغة التي تقول بان العراق لا يتمتع بالسيادة الكاملة في ظل الاحتلال، كما ان ما يقوله لا يمكن أن يندرج سوى في محاولاته وحكومته الترويج لاتفاقية "العار" التي تبيح للأميركي البقاء في الأراضي العراقية اكبر فترة من الزمن، وكذلك تحويل العراق إلى محمية أميركية جديدة مثل غيرها من المحميات الأخرى في المنطقة العربية التي لا تتمتع بالحد الأدنى من السيادة او الاستقلال.
لا يمكن لعاقل أن يصدق بان هذه الاتفاقية هي كما يحاول نور المالكي وزمرته أن يروجوا من انها تتضمن انسحابا أميركيا كاملا وشاملا من الأراضي العراقية مع نهاية كانون الأول ديسمبر 2011، "الحديث عن الانسحاب من القصبات والمدن العراقية لن يكون أفضل بكثير مما هو متعارف عليه في أراضي السلطة الفلسطينية بمناطق ألف، باء وجيم، يعني كلام فاضي لا يغني ولا يسمن من جوع" وان هذا الانسحاب يعني خروج آخر جندي أميركي من العراق مع نهاية ذلك العام، خاصة عندما يقول رئيس هيئة الأركان الأمريكية الأدميرال مايك مولن إن انسحاب القوات الأميركية من العراق سيبقى قضية مرهونة بالظروف الميدانية في العراق وهذا يعني أن هذه الظروف قد تطول إلى فترة طويلة جدا وبدون سقف زمني محدد كما إنها – عملية التقييم للظروف الميدانية- تبقي هذه الظروف قضية مفتوحة، لان هذا التقييم لا بد من ان يكون محل جدل ونقاش طويلين، وهذا يعني أن هذه العبارة أل"مطاطة" وغير الواضحة يمكن ان يتم الاستناد إليها واتخاذها ذريعة للبقاء أطول مدة ممكنة، بالإضافة إلى أن أي عمل أو عملية عسكرية أو أي فشل مهما كان حجمه من قبل ما يسمى القوات العراقية مهما كان حجمه قد يكون سببا للبقاء في العراق هذا عدا عن الأدميرال لم يقل من هي الجهة المخولة بهذا التقييم ولا كيف سيتم القيام بهذا التقييم.
المالكي الذي كان يتحدث وكان الانسحاب بات حقيقة لم يقل أبدا لماذا وافقت الولايات المتحدة الأميركية "من حيث المبدأ" على أن تناقش موضوع الانسحاب أو جدولة الانسحاب، في محاولة منه للاستخفاف بعقول من استمع إليه وفي محاولة منه للتعمية على دور المقاومة العراقية الباسلة التي لو لم تتمكن من توجيه الكثير من الضربات الموجعة لقوات الاحتلال ومن ارتبط بها من "سقط" القوم وممن استقووا بالأجنبي منذ اللحظة الأولى لدخول تلك القوات للأراضي العراقية لما فكرت هذه القوات ومن يقودها مجرد التفكير بنقاش موضوع الانسحاب، لا بل كان من الممكن ان يكون ما فعلته أميركا في العراق نموذجا أو مقدمة لغزو بلدان أخرى غير العراق، ولم يعد يخف على احد بان ما منع الولايات المتحدة من إعادة تجربة احتلال العراق في بلدان أخرى هو شدة الضربات التي وجهتها المقاومة العراقية الباسلة والخسائر التي تكبدتها قوات الاحتلال بشكل عما والأميركية بشكل خاص.
اقوال المالكي حول الاتفاقية لا تبتعد كثيرا عن كل الضجيج الذي أثير قبل التوقيع على الاتفاقية حيث حاول المالكي وغيره من سكان المنطقة الخضراء تسويق أوهام حول ضرورة تعديل أو تغيير بعض البنود في الاتفاقية لأنها لا يمكن قبولها وأنها تمس سيادة العراق، وكأن من الممكن لأحد أن يصدق بان من يتم تنصيبه من قبل أسياده في واشنطن أن تكون له الكلمة العليا في موضوع الاتفاقية وتحديد ما يمكن أن يوافق عليه وان يقبله أو يرفضه، ومن هنا أتى تأجيل التوقيع من اجل القول بان هنالك إصرارا عراقيا على تغيير أو تعديل بعض البنود إلا أن ما حصل في الواقع لم يتعد بعض الشكليات التي لم تمس جوهر الاتفاق والبنود التي قيل في حينه أنها كانت سببا في كل تلك المعارضة للاتفاق.
محاولات المالكي و "ربعه" في المنطقة الخضراء الترويج للاتفاق وإرسال الوفود إلى الدول العربية أو الإسلامية لم يكتب لها النجاح خاصة وان الرئيس السوري بسار الأسد وبرغم الزيارة التي قام بها وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري لم يتوان عن القول بصراحة إن العراق أصبح منطلقا لقوات الاحتلال الأميركي للاعتداء على الدول المجاورة، وحيث ان هذا الدور تتم ممارسته من قبل القوات ذاتها في أفغانستان فان أحدا لن يستطيع أن يضمن ان هذه القوات لن تقوم بالدور ذاته انطلاقا من العراق ضد الدول المحيطة مثل إيران وسوريا في المستقبل.
الأوهام حول الانسحاب الأميركي من بلاد الرافدين لن تنطلي على أبناء العراق ولا على كل من وقف ضد الاحتلال الأميركي منذ اللحظة الأولى، ذلك أن هذا "الانسحاب " لن يكون كما يتم الترويج له مرتبط بجداول زمنية، بل سوف يستند إلى أوضاع أمنية لن يقررها إلا السيد الأميركي ولا احد سواه، وهذا الانسحاب المزعوم لن يتم إلا بعد أن يتم ترسيخ وجود قواعد لقوات الاحتلال الأميركية في بلاد الرافدين، وعلى ذلك فان هذه الاتفاقية وضعت عبئا جديدا على أبطال المقاومة العراقية البواسل من حيث بذل المزيد من الضغط على قوات الاحتلال ومن جاء معها ليحكم العراق بسيف الأجنبي، هذه المقاومة التي إذا ما استمرت بفعلها فسوف تحقق انتصارا أسرع مما اعتقد بوش وحلفاؤه وسوف يتم كنس القوات المحتلة واذنابها من ارض العراق المقدسة ليعود العراق حرا أبيا بأيدي أبناءه ومقاوميه وليس باتفاقيات العار والذل.
2008-11-19