فولفغانغ أيزر وفعل القراءة :
حاول فولفغانغ  أيزر أن يقدم نظرية في التلقي أرادها أن تكون شاملة  ومنسجمة في نفس الوقت[1]،لكن المشروع النقدي لديه ، يختلف عنه لدى ياوس، فهذا  الأخير  حاول في مشروعه عن جمالية التلقي دمج تاريخ الآداب،من خلال مفاهيمه عن آفاق التوقعات والقراءات التعاقبية ،موظفا في ذلك مقترحا ت غادامير حول التأويل، أما أيزر فقد،اهتم أكثر بفعل القراءة ،وقد  تعامل في مشروعه مع عدة اتجاهات تأويلية في النقد الجديد ،كما أفاد من اللسانيات وعلم النفس.
يحدد روبرت هولب الفرق بين المشروعين، بأن ياوس كان له توجه نحو إعطاء الامتياز لكون العالم الأكبر macrocosmeفي بعده التاريخي على حساب العالم الصغير microcosme للأثر[2]، في حين اشتغل أيزر على الأثر التداولي الحاسم الذي ينشأ عن نفس العمل الأدبي المحين من طرف الذات المتلقية، أو بعبارة أخرى قرن ياوس المتلقي باللحظة التاريخية  ناظرا إلى النص على أنه حوار دائم بين الماضي والحاضر ، فيما تحدث أيزرعن قارئ لاتاريخي،يسهم في بناء المعنى بعد إدراكه له.
 ولقد أكد أيزر على ضرورة إعادة النظر في ثنائية الذات والموضوع أثناء عملية القراءة ,فهو يبين أن تحديد ما هو موضوعي ،ينبغي أن يمر بما هو ذاتي بالدرجة الأولى ،وهو ما يشير إليه في قوله :"إن من أهم النقاط في قراءة أي عمل أدبي التفاعل بين بنيته ومتلقيه "[3] و  تأثر في ذلك بالفينومينولوجيا التي تجزم أن الدراسة الناجحة للعمل الأدبي لا يجب أن تهتم بالنص فقط كفعل, بل عليها أن تركز  على الانفعال المرتبط بذلك الفعل" فالنصوص بطبيعتها تتيح سلسلة من القراءات الممكنة"[4]. إن النص يقدم جوانب مخططة يمكن من خلالها فهم موضوع العمل وهذا الفهم لا يحدث، إلا  من خلال عملية تحويلية إلى شيء تدركه الحواس.
 واعتبارا لما سبق يؤكد  أيزر أن القارئ هو قطب الرحى في مشروعه التأويلي، فالقارئ ليس مجرد متصل سلبي بمعنى النص،و إنما هو عنصر مشارك وفعال في عملية إنتاج المعنى انطلاقا من عنصر مهم هو عنصر الإدراك، ذلك العنصر المركزي  الذي ركزت عليه الفلسفة الظاهراتية.لم يهتم أيزر بما هو كائن أصلا و نقصد بذلك  النص. و إنما بما قد يمكن تكوينه، ويعني بذلك الطريقة التي يتشكل بها  النص في وعي القارئ الذي يساهم في بناء معناه .لهذا اعتبر أن "للعمل الأدبي قطبين يمكن أن نطلق على أحدهما  القطب الفني و الآخر الجمالي ، فالقطب الفني هو نص المؤلف أما القطب الجمالي فهو عملية الإدراك التي يقوم بها القارئ.[5]
 وبناء على  تلك  النظرة القطبية، بين  أيزر أن هناك بنيتان :بنية النص وبنية الفعل، اللتان تتفاعلان فيما بينهما في علاقة تلازمية ،فجمالية النص مقترنة بفعل القراءة الذي يقوم به المتلقي. و أكد أيزر أيضا أن العمل الأدبي ليس موجودا في حقيقة النص، ولا في إدراكه من طرف المتلقي، بل هو موجود في مكان ما بينهما.و لهذا فأي عمل  يقوم على دراسة مستقلة لكل منهما على حدى ،هو عمل قليل الأهمية . من هنا جاء التأكيد على افتراضية العمل الأدبي ،افتراضية تجعل العمل الأدبي ممكن البناء  في آفاق مختلفة و من وجهات نظر مختلفة،وتعود أصول هذه الفكرة  كما قلنا سابقا ,إلى الفلسفة الظاهراتية وخاصة إلى تنظيرات انغاردن ,كما تعود إلى أطروحات سارتر ,التي قامت على رفض المنطلقات الفلسفية لجمالية كانط ،حيث كانت تفرق بين الوجود الأول للعمل الفني وبين وجود ثان يرتبط بنظرة المتلقي. فسارتر يؤكد " أن القارئ هو الذي يضفي على العمل الأدبي صفة الوجود المطلق  بإنتاجه إياه عن طريق القراءة "[6]. مما يعني أن العمل الأدبي هو حصيلة اشتراك بين المؤلف الذي يقدم نصه و المتلقي الذي ينجزه حين قراءته فهو ينجز  لأجل القراء وبفضلهم.
رفض أيزر التأويل الكلاسيكي الباحث عن معنى كامن مختبئ في النص, وحاول أن  "يمنح القارئ القدرة على منح النص سمة التوافق والتلاؤم ليجد أن التوافق ليس معنى نصيا و إنما هو بنية من بنيات الفهم التي يمتلكها القارئ وينشئها بنفسه لأنه مقصود لذاته بغرض تحقيق الاستجابة والتفاعل النصي الجمالي[7] ،فالمعنى  من منظوره  هو نتاج التفاعل بين النص والقارئ. إنه أثر يمكن ممارسته و اكتشافه من جديد، وليس موضوعا يجب تحديده والتقيد به. وعلى هذا الأساس تتجلى المهمة الأساسية للتأويل لدى أيزر في تفجير الطاقات الدلالية الاحتمالية الكائنة للنص بفضل  المشاركة الفعالة للقارئ باعتباره "الشحنة الحرارية التي تتوهج باستمرار عند كل قراءة جديدة"[8].
أفاد أيزر في بحثه من أفكار رومان انغاردن الذي "ذهب إلى أن المدرك الإستطيقي لا يتكون إلا من خلال فعل الإدراك المعرفي نفسه لدى القارئ"[9] وعلى هذا الأساس حول أيزر بؤرة الاهتمام إلى فعل القراءة في حد ذاته .وقد طرح أيزر مجموعة من المفاهيم التي سطرت مساره النقدي   وذلك من خلاله كتابه المميز : "فعل القراءة "ومن بين هذه المفاهيم :
أ-القارئ الضمني :
استعار ايزر هذا المصطلح من بلاغة الفن القصصي عند  (واين.س.يوث)الناقد الأمريكي الذي أعطى مكانة لما أسماه (الكاتب الضمنيl' auteur implicite أو المضمن كما شرحه جينيت[10]  وينطلق أيزر في حديثه عن القارئ الضمني من أن بناء المعنى نابع عن تدخل القارئ الذي يمثل بنية افتراضية موجودة في النص أساسا تحكمها بعض الميكانيزمات النصية ."إنه كيان مجرد يختلف عن الشخص الطبيعي ,بيد أنه في أثناء الحوار والمحادثات يصبح هذان الكيانان شريكين في الحوار القائم على التفاعل و التبادل ضمن شروط تداولية"[11] .
النص لدى أيزر ليس مجرد ترتيب لكلمات متجاورة ،فالقارئ هو الذي يشكله من خلال المعنى الذي يمنحه له .وطالما أن النص لم يقرأ فهو في حالة كمون وعطالة, لكنه سوف يتحول إلى حالة التحقق والفعل حين ينجزه المتلقون ,الذين يتعاقبون عليه من خلال فعل القراءة. ويميز أيزر في كتابه فعل القراءة بين القارئ الضمني الذي حدد مفهومه ومجموعة من القراء الذين قدمهم منظرون آخرون , كالقارئ الأعلى أو الفذ عند ميشال ريفاتير ,باعتباره مجموعة من المعلمين  الذين يجتمعون معا عند نقاط العقدة في النص ويثبتون بذلك وجود حصيلة أسلوبية من خلال ردود أفعالهم المشتركة .والقارئ المطلع لدى ستانلي فيش باعتباره قارئا حقيقيا يفعل كل ما بوسعه ليكون مطلعا والقارئ المقصود باعتباره ساكنا روائيا مقيما بالنص أو فكرة القارئ كما تصورها المؤلف وإذا كان هؤلاء القراء يملكون وجودا فعليا حقيقيا وفعليا ,فقارئ أيزر هو قارئ معنوي و لا يمكن الربط بينه و بين القارئ الحقيقي , إن مفهوم القارئ الضمني, يعبر عن ذلك الدور الذي يسنده النص إلى القارئ لأنه" بنية نصية تتوقع وجود متلق دون أن تحدده بالضرورة"[12] إذن فالقارئ الضمني بنية نصية وليس شكلا خياليا, بنية دائمة الإنجاز والتحقق بنية لا يمكن بحال من الأحوال أن تنفصل عن فعل القراءة."يميز أيزر بين ثلاثة نماذج من القراء ، أحدهم حقيقي وتاريخي، ولـه وجود فعلي؛ إذ نعرفه من خلال تجاربه وردود أفعاله الموثقة، والآخران افتراضيان يتضمنهما النص، يكون الأول صورة ذخيرة، تتكون من المعرفة الاجتماعية والتاريخية لفترة معينة والثاني هو الذي يتصوره المؤلف ويضعه في حسبانه عندما يضع  إستراتيجية النص. ومن ثم فقد يكون امتداداً لقارئ تاريخي يبدو في شكل نماذج مكررة ومتماثلة أو قد يشكل نموذجاً جديداً إذا كانت إستراتيجية المؤلف تخترق المألوف وتخرج عن السائد، وذلك في محاولة تعمد إلى تخيل قارئ جديد ورسم ملامح صورته المستقبلية. و"مما تجدر ملاحظته هو تشابه هذا النموذج مع نموذج أمبرتو إيكو  الذي سماه القارئ النموذجي، وهو قارئ يتضمنه النص، ويتوجه إليه المؤلف وفق إستراتيجية نموذجية"[13]
إن القارئ الذي يقصده أيزر ليس مجرد قارئ نمطي مستقل عن النص المقروء ،إنه قارئ ذو وجود واقعي يتحقق حين التفاعل مع نص محدد وهو بذلك قارئ فاعل يملك وظيفة ومن هنا لا يمكن إدراكه كوجود بمنأى عن فعل القراءة، ويؤكد أيزر بذلك ، وجود علاقة وثيقة بين القارئ الضمني والقارئ الحقيقي، إذ "لا يمكننا أن نتصور قارئاً ضمنياً دون أن نستحضر القارئ الحقيقي والتطورات التاريخية التي قطعها عبر مراحله التاريخية وحقبه الفنية. وهنا نكون إزاء تاريخ أدبي من نوع جديد، وظيفته التركيز على تجاوبات القراء، وأنواع الأحكام التي يصدرونها عقب تلقيهم للعمل الأدبي"[14].ويمكن القول" أن القارئ الضمني ،عبارة عن نموذج ودور ووجهة نظر تسمح للقارئ الحقيقي أن يكون فعالا actif ومنفعلا passif  ، فهو فعال في إنتاجه  لمعنى ومنفعل في حقيقة أن البنى النصية هي التي تحدد موقعه[15].
يقر أيزر من خلال مفهومه عن القارئ الضمني, نسبية القراءة و انفتاحها على آفاق رحبة .الأمر الذي يفسر تعددية القراءة تبعا للتغييرات اللاحقة بآليات الممارسة التأويلية ،وكل ما قد يحيط بها إن دور القارئ لدى أيزر مبني مسبقا بثلاث عناصر أساسية هي الرؤى المختلفة الممثلة في النص ونقطة التميز التي تربط بينها ,و نقطة الالتقاء التي تتجمع عندها [16] . ويقترب مفهوم القارئ الضمني لدى أيزر من مفهوم القارئ النموذجي لدى ايكو .
ب-السجل أو الرصيد :
 لقد استند أيزر في حديثه عن مفهوم السجل على  مقترحات أوستن والأشكال الثلاثة لشروط النجاح وهي :
-مجموعة الشروط المشتركة بين المتكلم والمتلقي .
-مجموعة الإجراءات المعترف بها بين المتواصلين لغويا .
-استعداد الطرفين لاشتراك في فعل لغوي وتناسب هذا الاستعداد مع الموقف أو السياق[17] .
وبناء على هذه المقترحات في تحليل فعل الكلام بالرجوع إلى سياق هذا العمل ،يصرح أيزر بأن النص يمتلك ذخيرة ،تجعل القارئ يدخل في عملية استكشاف للدوافع التي سببت اختيار أعراف بعينها ،وهذه الذخيرة هي "جميع السياقات التي يمتصها النص ويجمعها ويخزنها في ذاكرته إما على هيئة نتاجات سابقة تتجه صوب التعيير ،أو في صورة معايير وقواعد تتجه صوب المضمون فتوجه النصوص وتتحكم في إنتاجها وذلك وفق مقاييس الجودة والرداءة أو التنظيم واللاتنظيم[18]أو هي   السياق السوسيوثقافي الذي يحيل النص إليه  وبالتالي يكون سجل  النص أو ذخيرته،  عبارة عن كل مكون من مادة مستقاة من أنساق اجتماعية وثقافية وتقاليد أدبية،أو بعبارة أخرى هو الرصيد اللغوي والثقافي الضارب في السياق الاجتماعي،   إنه تلك الذخيرة التي يفترضها النص ويستحضرها القارئ ،كي يستطيع المواجهة بين التمظهر الخطي لذلك النص وبين بنياته اللسانية، وهو ما تسميه مدرسة براغ البنيوية "الواقع الذي هو خارج النص "[19]وبدون هذا السجل لا يمكن الوصول إلى ما يريد النص من القارئ أن يصل إليه، كما لا يمكن لهذا الأخير  تحقيق تلك المشاركة الفعالة  التي من شأنها أن  تملأ فراغات النص  وتكتشف مراميه  وتتوصل إلى مقولاته . إن عملية تكوين سجل النص ليست عملية سريعة وآنية بل هي تتم عبر سلسلة طويلة و معقدة،  يتم  فيها انتخاب: عناصر دلالية معينة على حساب أخرى يتم إقصاؤها في ضوء العلاقة مع المحيط الاجتماعي و الثقافي العام .وتبرز أهمية السجل أثناء عملية تأسيس المعنى عند القارئ فبواسطته يتمكن  من استيعاب بنية النص وإدراكها  ،كما يتمكن من بناء المعنى المتضمن في النص، مما يجعله يكتشف بعض الأمور عن الكاتب (رغباته, مواقفه الإيديولوجية.... )، كما يدرك مقدار التفاعل الكائن بين النص وسياقه الثقافي و الاجتماعي ،بل حتى السياسي .إن ارتباط سجل النص بتلك السياقات  و تكرارها ضمن مجموعة من النصوص، يظهر الطابع الجماعي لفعل القراءة، من حيث أن القراء  يتفاعلون مع النصوص بناء على أعراف متشابهة ،كما يظهر عدم استقرار هذه الذخيرة ،فهي رغم امتدادها داخل الثقافة القرائية في زمن محدد ,ستفقد قدرتها على التعبير والتفسير ،لتضعف و يزول التفاعل معها، و بهذا تحل محلها ذخيرة جديدة ،يصنعها جمهور مختلف، وواقع زمني جديد .
ج-الإستراتيجية:
كما رأينا سابقا يعتبر أيزر أن رصيد النص يتألف من مادة مستقاة من أنساق اجتماعية وثقافية وأدبية ،ولا شك أن هذه الأنساق تختلف عن بعضها البعض ،هنا تتجسد وظيفة الإستراتيجية، إذ تقوم  هذه الأخيرة بتحديد العلاقات بين مختلف عناصر الرصيد، كما أنها تسعى لإيجاد نقطة التقاء بين الرصيد والمتلقي. إنها "ترسم شروط التلقي فهي تشكل التوجيهات العملية التي تقدم للقارئ مجموعة من الإمكانيات المركبة التي يركز عليها فعل القراءة ".[20]
تقوم الإستراتيجية بتنظيم مادة النص والسياق الذي يتم توصيل هذه المادة في إطاره، كما تقوم بتنظيم احتمالات فهمها .وليبين  أيزر أهمية الإستراتيجية، يضرب لنا مثلا بعملية تلخيص الروايات أو المسرحيات، فالنص الأصلي من خلال هذه التلخيصيات يفقد تجسده العملي، ويتحول إلى مضمون على حساب التأثير .
إن الإستراتيجية تبنى على ضرورة استثارة خيال المتلقي ودفعه للتفكير، أما إذا كانت عناصر فهم العمل الأدبي صريحة وواضحة، فإن هذا سيؤدي بالتأكيد إلى ملل القراء وسخطهم على محاولة تحويلهم لقراء سلبيين .
د-التفاعل بين النص والقارئ:
إن" البنى النصية وعمليات الفهم المركبة ،هما قطبا عملية التواصل التي يتوقف نجاحها على مدى ثبات النص كلازمة في وعي القارئ"[21]،وبالتالي يتوقف نجاح عملية نقل النص من القارئ إلى المؤلف على مدى قدرة النص على تنشيط قدرات القارئ على الإدراك الحسي والتفعيل وهو بذلك يرفض فكرة التلقين المباشر السائرة في اتجاه واحد، فعملية التلقي هي عملية  تفاعل دينامي بين النص والقارئ ،و على هذا الأساس ،يجب أن يشترك الأديب والمتلقي في لعبة الخيال. والوصول إلى المتعة عند المتلقي يتم حين يصبح هو نفسه منتجا،أي مشاركا في عملية الإبداع الأدبي يملك قدرات معينة ، و فعل القراءة ينجح "حين يسمح له النص بإظهار هذه القدرات"[22].
وفي خضم حديثه عن هذه المشاركة بين المؤلف والمتلقي ينبه أيزر إلى أن هناك حدودا لاستعداد القارئ لهذه المشاركة  ويتم تجاوز هذه الحدود إذا كان النص واضحا أكثر من اللزوم أو غامضا أكثر من اللزوم مما يؤدي إلى خروج المتلقي عن هذه اللعبة،ف"النص لا يتكيف مع كل قارئ يدخل في اتصال معه "[23].كما أن الأمور التي لا تذكر في النص تساهم في جذب المتلقي وتدفعه إلى التفكير و إعمال الخيال ف"التواصل في الأدب هو عملية لا يديرها ويقننها قانون ،بل تفاعل بين الصريح و الضمني ،بين البوح و الإخفاء .وما يتم إخفاؤه يدفع القارئ إلى الفعل ،إلا أن هذا الفعل يحكمه ما يباح،ويخضع الصريح بدوره للتحول حين يخرج الضمني إلى النور "[24].
ه-فراغات النص :
ينطلق أيزر في تصوره عن الفجوات أو الفراغات من وصف انغاردن للعمل الأدبي ،بأنه بنية مخططة ترمز إلى الشيء المقصود الخاص بها،و الذي يختلف عن الأشياء الواقعية أو المثالية من خلال افتقاره للتحديد .إن الفراغات  لدى أيزر  تملك جانبا وظيفيا من حيث أنها انقطاعات  تفرض نفسها بالقوة، لتشكل منفذا  للقارئ ،يسمح له بالولوج إلى النص  و التصرف فيه بملء تلك الفراغات ، كما أنها تملك  جانبا جماليا يتجلى في أنها تعطل نسبيا فعل المتابعة  ، مانحة الخيال فرصة للتدخل و إنشاء مجموعات  خاصة من الصور المتتالية والمكثفة التي تزيد من جمال النص وتشحن طاقته الإبداعية.
 ولإظهار أهمية الفراغات ،يستشهد أيزر بلجوء بعض مؤلفي العصر إلى نشر رواياتهم في شكل سلسلة حلقات بغرض جذب اهتمام المتلقين ،وهم في ذلك يمارسون لعبة التوتر والإثارة اللذان ينجمان عن ذلك القطع. إن هذه" الفراغات  تدفع بالقارئ لبث الحياة في القصة نفسها"[25] .يوضح أيزر أن هذه  الفراغات  قد تستغل لأغراض مختلفة ،قد تكون دعائية أو تجارية أو جمالية كما يشير ، إلى أن الفراغ في النص الروائي يثير النشاط التكويني في نفس القارئ ويوجهه، وهذا الأخير  بدوره يملأ هذا الفراغ, موجدا مجالا مرجعيا. و بهذه الطريقة الاستبدالية يكون الفراغ بانيا إذ يدفع المتلقين إلى التواصل والحوار الإيجابي بين النص والقارئ ،كما يحفزهم على التفكير، فالنص لا يقول كل شيء، وما تم إخفاؤه أو عدم تحديده ،يدفع القارئ إلى  التفاعل والفعل أو كما تقول فرجينيا وولف "إن غياب علامة قد يكون هو نفسه علامة [26]إن النص باعتباره نسقا متكاملا يشتمل على بعض الفجوات التي على القارئ ملؤها أو سدها وحين  يتم  ذلك يبدأ التواصل .إن الفراغ يدفع القارئ إلى  التفكير بشروط يضعها النص وهو بهذا مسؤول عن مشاركة القارئ فالفراغ إذن "مساحة فارغة في النسق الكلي للنص يؤدي ملؤها إلى تفاعل الأنماط النصية ".[27]
ولا شك أن النص مليء بشتى المواقف والقارئ ليس مطالبا فقط باستيعاب هذه المواقف بل  أنه يجد نفسه مدفوعا لجعل تلك المواقف تتصرف و تنبني على بعضها البعض و هكذا يتشكل العنصر الجمالي للنص.


-[1] شويروجين فرانك, نظريات  التلقي نظريات القراءة من البنيوية إلى جمالية التلقي. ت: عبد الرحمن بوعلي. دار الحوار .اللاذقية .ط1 .ص:142.
[2] - نفسه .ص:142.
[3]- خرماش محمد فعل القراءة و إشكالية التلقي ,مجلة علامات في النقد,  ع 10 .1998
-[4] سلدن رامن .النظرية الأدبية المعاصرة.ت: جابر عصفور. دار قباء للطباعة.1998 ص:171
[5] - أيزر فولفغانغ, فعل القراءة .ت:عبد الوهاب علوب المشروع القومي  للترجمة .المجلس الأعلى للثقافة 2000. ص:27-28.
[6] -سارتر جون بول  , ما الأدب ترجمة محمود عنيمي هلال.نهضة مصر للنشر والطباعة و التوزيع.القاهرة .ص :40.
-[7] ايغلتون تيري, الظاهراتية والهرمونيتيقية و نظرية التلقي. ترجمة محمد خطابي .مجلة علامات,  مكناس. ع03 .1995.
[8] - العمراني المصطفى,القراءة بين امبرتو ايكو وفولفغانغ  ايزر.الحافة . http://www.alhafh.com/web/ID-226.html
[9]- د.السيد ابراهيم ,نظرية القارئ وقضايا نقدية وأدبية .الناشر:مكتبة زهراء الشرق, القاهرة. ص18
[10] - شويروجين فرانك,, نظريات  التلقي نظريات القراءة من البنيوية إلى جمالية التلقي. ت: عبد الرحمن بوعلي. دار الحوار .اللاذقية .ط1 .ص:142-143.
[11] - يوسف أحمد ,سيميائيات التواصل وفعالية الحوار .منشورات مختبر السيميائيات و تحليل الخطاب.جامعة وهران.مكتبة الرشاد للطباعة والنشر و التوزيع الجزائر2004. ص:100.
[12] - , أيزر فولفغانغ, فعل القراءة .ت:عبد الوهاب علوب المشروع القومي  للترجمة .المجلس الأعلى للثقافة 2000ص:40.
[13] - سمير حميد,النص وتفاعل المتلقي في الخطاب الأدبي عند المعري .منشورات اتحاد الكتاب العرب .دمشق.2005.ص:39
[14] -المرجع نفسه .ص:39
[15] - ماكلين  أيان, القراءة و التأويل .مجلة افق. http://www.ofouq.com