رثاء الأبناء في الشعر الجزائري القديم

محمد بوعلاوي  جامعة تلمسان  - الجزائر  -

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 الابن فلذة الكبد وزهرة العمر وكلما سطا الموت عليه تقطع القلب ألما وحسرة وأظلمت أرجاء الدنيا، وتدفقت قرائح الشعراء بشعر يسيل عاطفة وحناناً، لأنّ الشاعر يرثي من يحب، و يرثي في حالة من الانفعال شديدة، وفي حالة من الحزن المتراكم، فــالفاجعة قد تفقده الاتزان النفسي والتماسك العقلي فـ   الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً  [الكهف الآية 46]

« ولعلّ أقدم صور الندب والنواح في شعرنا العربي هي صورة ندب الأهل والأقارب والنواح عليهم » ([1])، ومن يطلع على أيام العرب ووقائعهم، يدرك أنّ لهم في كلّ وقت صرعى، وكلّ صريع تبكيه البواكي وتندبه النوادب من أهله وأقاربه، وتبقى علاقة الإنسان بأصوله وفروعه أقوى العلاقات ، إذ يرى فيهم سكنه ويأمن لوجودهم ، ويجزع لفقدهم ويتألم لفراقهم.

وفي الشعر الجزائري القديم يستوقفنا " بكر بن حماد التيهرتي"                 (200 ـ 296)([2]) الذي رثي ولده "عبد الرحمن" بعد أن قتله لصوص بالقرب من          " تيهرت" سنة (295) هـ ، بقوله: (من بحر الوافر)

بكيت علـــى الأحبة إذْ تولـــوا



و لو أنّي هلكتُ بكوا عليّ

فيا نسلــي بقاؤك كان ذخـــــراً




و فقدُك قد كوى الأكباد كيــــــــــــــّا

كفى حزناً بأنني منــــك خِلــــْوٌ




وأنك ميتٌ و بقيتُ حيــّـا

و لم أكُ آيســـاً فيئستُ لمّــــــا


 

رميتُ التربَ فوقك من يديّــــــــــــَا

 صبغة وجدانية هي صوت للألم الشاكي في إباء ورصانة، فالابن قتل أمام ناظري الأب، وواراه التراب بيديه، وكان الأب  شيخا طاعنا تجاوزمن العمر التسعين ، وهو بحاجة إلى من يشدّ عضده، فتداعت أبياته تنزف حزنا وألما.

فليت الخلق إذْ خلقـوا أطاعوا



و ليتــك لم تكن يا بكر شيّا


تسر بأشهر تمضـي ســــراعاً




و تطـــوى في لياليهن طيّا

فــلا تفــــرح بدنيـا ليس تبقى


 

و لا تأســـف عليـها يا بنيَّا

إستعار الشاعرقبسا من نور الحكمة ليسترشد به في دروب الحياة المظلمة ، وقد امتاز شعره « بحثه عن الإعراض عن الدنيا ونبذ محاسنها وملاذها . فكان زعيما من زعماء الطريقة الفلسفية في الزهد »(3) ، والقصيدة رغم قصرها إلا أنّها حافلة بالعواطف الجياشة والعظات البليغة يغلب عليها طابع الندب  فالرابطة التي تربط الشاعر بالمرثي رابطة أبوة.

وممّا يدل على أنّ الشاعر كان شديد التفجع على موت ابنه، فقد رثاه بأبيات أخرى  - وربّما بقصائد أخرى-  ضاعت كما ضاع أكثر شعره  لعدم استقراره وتنقله بين العراق والقيروان وتيهرت. إذ يقول:  (من بحر الطويل) 

وهوَّنَ وجْدِي أننِي بك لاحقٌ



و أنَّ بقائي في الحيـاة قليــلُ

وأنْ ليس يبقى للحبيب حبيبه




و ليس ببــاقٍ للخليــل خليلُ

ولو أنّ طول الحزنِ ممّا يردهُ


 

للاَزمنـي حـزنٌ عليـــه طـــويــل

استحضر الشاعر الحكمة لتهجيع أوار الفاجعة وتسليم الأمر للقدرولسنة الكون والحياة ومن هنا كانت عاطفته هادئة قليلاً، فلحاقه بابنه لا شك واقع ، وأنْ لا أحد يبقى مع من يحب ،  وهي رؤية إنسان صهرته الحوادث وعلمه تعاقب الليل والنهار، فبات يدرك لو أنّ الحزن يرد الفقيد للازمه طويلاً ؛ والمقطوعتان عبارة عن ندب لا تأبين به .

       وقداستمد الرثاء معانيه عند " بكر بن حماد" من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة واقترن عنده بالزهد .

أما الأمير" أبو زكريا " فيقول في رثاء ولده " أبو يحي" ولي العهد" ببجاية":    (من بحرالطويل)

ألاَ جازعٌ يبكـــي لفقد حبيبـــه



فإني لعمري قد أضرّ بيَّ الثكلُ

لقد كان لِي مالٌ و أهلٌ فقدتهم







فها أنا لا مالٌ لديَ أهل و لا أهلُ

سأبكي وأرثي حسرة لفراقـهم




بكـــاء قريــحٍ لا يملُّ ولا يسل

فلهفي ليــومٍ فرَّق الدَّهر بيـــننا




ألاّ فرجٌ يرجــى فينتظم الشّملُ

وإنِّي لأرضى بالقضاء و حكمه


 

وأعلم ربّـــي أنّـه حــاكمٌ عــــــدلُ

عزف الشاعر على الأوتار الشجية ،  بعد أن  عدت  العوادي على  ولده  و أهله  وماله،  ثم أسلم لمشيئة الله  وحكمه، وهي قيم استمدها من مرجعيته الإسلامية.

ولـ " ابن حمـديس الصقلي " ( 447 /527 هـ) (1055- 1133 م) قصيدة رثى بها متبناته المتوفاة بـ" بجاية " « قد رأينا أنه في إقامته بـ" بجاية " قد تبنى طفلة صغيرة وحنا عليها حتى كبرت، فزوجها هناك بينما رأيناه انتقل إلى" صفاقس" واستقر بها » (4) ، وكانت قد ماتت حزنا على الشاعر بعد أن وصلها نعيه - كذبا -  فقال في ذلك وهو معنى انفرد به: (من بحر الطويل)

ننام من الأيّام فـي غرض النّبــل




و نغذى بمرّ الصّاب منها فنستحـلي

و قد فرغت للقوم فــي غفلاتــهم




حتوفٌ بهم تُمسي و تُصبح في شغل

أرى العالَـم العلوي يفنى جميـــعه




إذا خلت الدنيــا من العالــم السفلـي

و يبقى على ما كان من قبل خلقه





إلـــهٌ هـــدى أهلَ الضلالـــة بالرسل

و يبعث مَن تحـت التراب و فوقه


 

نشوراً إليه الفضلُ يا لك من فـــــضــل

رؤيا فلسفية للموت وللحياة ، للبداية وللنهاية  استهل بها الشاعر قصيدته ، وأرجح أن الشاعرقد خاض في مذهب الفلاسفة الذي كان متداولا بـ" الأندلس" التي تواجد بها قبيل مجيئه إلى " الجزائر"، ثم قال:

فيـــا غرسة للأجر كنت نقلتـــــــها



إلى كنفي صوني و ألحفتها ظلي

و أنكحتها من بعد صدقٍ حَمدتــــهُ