رايس والمالكي،أوهام وتمنيات الأمن في العراقِ

رشيد شاهين

 

    أعتقد بأن ما صرحت به وزيرة الخارجية الأميركية "الآنسة" كونداليزا رايس فيما يتعلق بتحسن الأوضاع الأمنية في العراق ودعوتها للدول العربية بإيفاد بعثاتها الدبلوماسية إلى العاصمة العراقية، يأتي ضمن الحملة المحمومة التي تقوم بها إدارة حاكم البيت الأبيض السيد  جورج دبليو بوش من أجل "تبييض" وجهها أمام الرأي العام الأميركي بشكل خاص والدولي بشكل عام و"الزعم" بأن هنالك ما يمكن أن يُعْتد به بعد أن أقدمت الولايات المتحدة على غزو العراق واحتلاله وإيصاله إلى ما وصل إليه من خراب.

 

    ساسة البيت الأبيض الذي أدمنوا على "الكذب" في كل ما يتعلق بالعراق – حسب دراسة أصدرها مركز السلامة العامة  بداية العام الجاري فقد مارس "سيد العالم" وسبعة من كبار رجال إدارته الكذب مئات المرات (935) مرة منذ الحادي عشر من أيلول 2001 وحتى غزو العراق في آذار من العام 2003 – لا زالوا يمارسون هذا الكذب وذلك في تَماهٍ أو تقليد غير مسبوق مع طريقة غوبلز وزير الإعلام النازي الذي كان يقول إكذب إكذب واكذب حتى يصدقك الآخرون، علما بأن هذا الكذب الأميركي صار ممقوتا ومفضوحا عدا عن أنه لا يمكن أن يكون مفهوما بعد افتضاحه، إلا إذا اعتقد هؤلاء بأن العالم ليس سوى مجموعات من الأغبياء الذين لا يستطيعون التمييز بين ما هو صحيح وما هو مجرد أكاذيب تأتي في سياق المحاولات للإيحاء بأن هنالك في العراق ما يمكن أن يُعْتَد به.

 

    الوزيرة الأميركية "الآنسة" رايس وعدت رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي  بأن تقوم بالضغط على الدول العربية من أجل أن توفر هذه الدول دعما عربيا للعراق، وكانت "الآنسة" رايس قد صرحت بأن الأوضاع الأمنية في العاصمة العراقية  أصبحت أفضل بكثير مما كانت عليه في السابق مطالبة الدول العربية بأن تبادر إلى إرسال الممثلين الدبلوماسيين وإلى فتح السفارات بحجة أن الأوضاع الأمنية في بغداد صارت جيدة وأن هنالك تحسنا كبيرا  قد تم تحقيقه في هذا الإطار .

 

    المالكي الذي يعرف الواقع في العراق ربما أفضل مما تعرفه "الدكتورة العزيزة" رايس صار يلهث وراء تطميناتها ويبدو أنه صدق ما قالته له ومن أن الأمور في بغداد أفضل مما كانت عليه في السابق، فصار مع أركان حكومته يحثون الدول العربية على إرسال السفراء وفتح السفارات وهم جميعا يعلمون أن ما يتم قوله في هذا السياق ليس سوى كذبة أصبحت ممجوجة، خاصة إذا ما تذكرنا ما قيل حول تحسن تلك الأوضاع في مؤتمري شرم الشيخ واستنبول حيث كان هنالك تأكيدات مشابهة إلا أن الواقع على الأرض كان ينفي تلك الأكاذيب.

 

    السيد نوري المالكي كما والسيد جورج بوش وكما الوزيرة رايس يعلمون علم اليقين أن ما يحاولون الترويج له عن أوضاع أمنية أفضل ليس صحيحا، كما أن هذه الزيارات التي تتم بشكل دوري إلى العراق من قبل أركان الإدارة الأميركية لا تعني بالضرورة أن الأمور على خير ما يرام، علما بأن كل الزيارات التي يقومون بها تتم بشكل سري ولا يتم الإعلان عنها إلا بعد الانتهاء منها وبعد أن يكون الزائر قد غادر العراق على الأغلب وهذا بحد ذاته دليل واضح على أن الأمور في العراق ليست كما يتم الترويج لها.

 

    أن تدعي الوزيرة رايس أو السيد المالكي أن الوضع في العراق أصبح أفضل من ذي قبل لا يعني أبدا أن هذا صحيح، وإلا كيف يمكننا أن نفسر أن لا وجود لأي سفارة عربية أو غير عربية خارج المنطقة الخضراء -ربما فيما عدا السفارة الإيرانية المتاخمة للمنطقة الخضراء-، وهل قدوم سفراء الدول العربية إلى العراق  للإقامة ضمن المنطقة الخضراء وعدم مغادرتها إلا من خلال طائرات مروحية في الطريق إلى المطار والسفر إلى الخارج أو من خلال جيش من المصفحات وعشرات الحراس حتى لا نقول مئات الحراس من الشركات الخاصة وغير الخاصة يعني أن الأمور أصبحت على ما يرام وأن كل شيء صار عاديا.

 

   هذا الكذب الأميركي المتواصل  ليس سوى جزء قصير أو يسير من حبل الأضاليل التي ظلت تمارسها الإدارة الأميركية على مدى السنوات الأخيرة، واستذكر هنا أنني وخلال وجودي  في بغداد بعد احتلالها وعندما كنت ومن معي من الأخوة العراقيين أو غير العراقيين نستمع إلى ما يتم ترديده من قبل المسؤولين الأميركيين وعلى رأسهم السيد جورج بوش عن كل الإنجازات في كل الميادين، نستغرب هذه الجرأة على اختلاق الكذب ومحاولة ترويجه حيث كنا نعلم بأن شيئا مما يقال ليس صحيحا، وأن هذه ليست سوى دعاية رخيصة وأن من العيب على قائد مثل بوش أن يمارسها أو ينحدر إلى هذا المستوى من الخداع والتضليل.

 

    الدول العربية المدعوة إلى إرسال السفراء إلى بغداد قد تقوم بذلك، وهي وإن فعلت، فذلك من أجل أن ترضي أو في الحقيقة تستجيب لأوامر السيد الأميركي الذي جندها في السابق لكي تقوم بحصار العراق وذبح شعبه قبل أن تذبح قياداته، وهي وإن فعلت فهذا ليس سوى انخراط في الكذبة الأميركية التي يتم الترويج لها منذ أحداث أيلول سبتمبر 2001 ،وهذا لا يعني بأن العراق أصبح في وضع جيد، خاصة وأن ما يحدث في العراق وهذا الحجم من الضحايا بشكل شبه يومي إنما هو دليل واضح على أن لا تقدم يتم إحرازه في أي من مجالات الحياة، وبالمناسبة فإن ما يتم الحديث عنه في وسائل الإعلام عن أحداث وقتل وتخريب ليس سوى جزء بسيط مما هو واقع على الأرض بشكل فعلي، ويمكننا هنا التأكيد على أن ما يتم الحديث عنه ليس سوى ما تصل إليه وسائل الإعلام، أما ما تبقى من أحداث وهي أكثر بكثير مما يتم الإعلان عنه فان أحدا لا يذكره أو يأت على ذكره.

 

    حديث السيد المالكي عن ضرورة عودة السفارات والسفراء العرب إلى العاصمة العراقية يذكرني بما كنت أقرأه خلال وجودي في بغداد بعد الاحتلال عن الدعوات الحاقدة في تلك الصحف التي تمثل كل الأحزاب التي أتى قادتها على ظهر الدبابات الأميركية للابتعاد عن أمة العرب وضرورة التخلي عن عروبة العراق وضرورة ربط مصالحه بالأجنبي، لقد كانت قليلة هي  الصحف والمجلات التي تصدر في بغداد بعد الاحتلال التي لا تتعرض للأمة العربية بالتحقير والسب والإساءة على اعتبار أن تلك الأمة هي التي كانت تساند الرئيس السابق، علما بأن تلك الأمة – الأنظمة- هي التي أوت وساندت المعارضة العراقية ضد صدام حسين كما أن أنظمة تلك الأمة هي التي سهلت وحشدت على العراق وبالتالي ساعدت على التخلص من نظام البعث كما وساهمت في ذبح العراق.        

 

    الحديث المتواصل عن تورط الدول العربية في الأحداث الجارية- انفلات الأمن- في العراق ليس سوى واحدة من الأضاليل الأخرى التي تحاول الحكومة الأميركية كما الحكومات العراقية التي استلمت السلطة بعد احتلال العراق، وفي هذا الإطار فقد فشلت كل الدعاية المغرضة التي تم ترديدها من أجل تصوير أفعال المقاومة – وهنا نحن نتحدث عن أعمال المقاومة وليس الأعمال الإرهابية التي تقتل الأبرياء من الناس- التي تجري في العراق وكأنها من فعل أيد غريبة وأن العراقيين لا يقومون بها، هذه المحاولة البائسة التي يرمي مروجوها إلى تصوير الإنسان العراقي وكأنه قابل بالواقع الجديد وأنه يرحب بالاحتلال ثبت فشلها خاصة في ظل الأرقام التي يتم ذكرها من حيث أعداد الأسرى أو القتلى الذين يسقطون في المعارك مع القوات المحتلة أو مع القوات العراقية، كما أكدت الإحصائيات التي ذكرتها مصادر القوات الأميركية أن أعداد المقاتلين من غير العراقيين لا تتجاوز في أحسن الأحوال الخمسة في المائة، وهذا ما يدحض كل ما يقال في هذا الموضوع عن أن المقاتلين العرب وغير العراقيين هم الذين يقومون بأعمال المقاومة ضد قوات الاحتلال.

 

  أننا نعتقد بأن هذه الصيحات أو الصرخات المتتالية سواء من قبل الإدارة الأميركية أو من حكومة المالكي بشان العرب وغير العرب ليست سوى محاولات لذر الرماد في العيون، كما أنها ليس سوى محاولات بائسة لتجميل هذا الفشل الذي واجهته إدارة بوش في العراق كما أنها محاولات تشخيص غير دقيقة للسبب الحقيقي لكل هذا التدهور في البلد، وإذا كانت إدارة بوش ومن خلفها حكومة المالكي وكل الذين أتوا معه ليحكموا العراق "الجديد" يرغبون في  إخراج العراقبشكل حقيقي وواقعي من محنته الحالية، فإن عليهم أن يقروا بالواقع الذي يقول بأن سبب كل ما حدث ولا زال للعراق ليس سوى الاحتلال وأنهم إذا ما كانوا جادين في وضع حد لهذا الانحدار في الواقع العراقي فإن على بوش أن يقر بأنه أخطا في ذهابه إلى العراق وغزوه ومن ثم احتلاله، وأن على بوش أن لا يتردد في أن ينهي احتلاله للعراق، كما وأن على نوري المالكي والقوى المتنافسة في العراق أن تتجه إلى مصالحة وطنية حقيقية بعيدة عن محاولات التقسيم والمحاصصة الطائفية، وأن أي حديث غير ذلك لن يكون سوى بناء على الرمل ولن يؤدي إلا إلى مزيد من الانحطاط والانحدار للعراق.

 

بيت لحم  23-4-2008

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.