ما كان أشقى من سارَ ثم رَجَعَ وقد أُرِيقَ معناه، لما رأى الدنيا من حوله وقد نَزَفَتْ واشتدَّ نَزِيفُهَا، وغَارَتْ جِرَاحُهَا فخَارَتْ عزيمتُه، وانهارَتْ صُرُوحُهَا فحَارَتْ سَرِيرَتُه، يرى أهليها يستَبِقُونَ الزمانَ فيسبقُهُمْ، ويَحُثُّونَ السيرَ فيخطِفُ تَهَافُتُهُمْ عليها المعنى من حياتهم، ضَجَّتْ بهم الشوارعُ فغَادٍ ورَائِح، قَيَّدَتْهُمْ حياتُهُم فضاقَتْ عليهم صدورهم، فلما لم يُحِسُّوا وَقْعَ الليالي الغادية الرائحة، ما كَفُّوا عن الشكوى ساعةً من ليلٍ أو نهار: ما جدوى حَرَكَتِهِمْ وسَعْيِِهِمْ؟!
رَجَعْتُ وقد أُرِيقَ تمسكي بمبادئي، وكنت على يقينٍ أن العودة لا ريب فيها، فالخوف من المجهول يسكن أعماقي فيملك علي كل كياني، ويَعْصِفُ بي كلما أطلقتُ لخواطري العِنان، وسَبَحْتُ في بحارها التي لا مُنْتَهَى لها
ولا حد، والغريبُ هو سَبْقُ معرفتي لذلك، وتجاوُزي لمعرفتي حتى أغرق في يَمٍّ لا نجاة منه، وعالم ضاع وسط بيداء الوهم والأحلام المنقشعة، وحَوَّمَتْ حوله الأفكار والنظريات وأبعدته أمواج الخواطر عن بر النجاة، جَازَفَتْ سفينتُهُ فأقلَعَتْ وأَسْرَعَتْ فقارَبَتْ ثم أَشْفَقَتْ..
وهِمْتُ فسَبَحْتُ في عالمٍ يبحث عن المعنى غَفلةً عنه وضَيَاعا، حتى تَأَلَّفَتِ الصُّوَرُ وتًَجَسَّدَتِ المشاهِد، فوَلَجْتُ فيها بجسمي وعقلي وكَيَاني:
وقفتُ وفؤادي يرتجف، وقلبي ينبض بقوة من أثر اللوعة التي تتملكه، وفي صدري وَقْدٌ يُلهِب الخواطرَ الجيَّاشة، فلا أكاد أستيقظ إلا على وَقْعِ الأصداءِ المتصاعدة، يشُقُّهَا هدير الموج، وحَفِيفُ أشجارٍ هائلةٍ مُوغِلَةٍ في القِدم، لم يُرْعِبْنِي مشهدُها لأول وهلة، غير أن الخوفَ هَجَمَ علي لما اختلطت بصورة السماء الملبدة بالغيوم، كركام بعضه فوق بعض، خِفْتُ أن يحمل نَوْءًا فلا أجد سقفا أستظِلُّ به، ولا سماءً على أرضٍ واسعةٍ أنكرَت رأيي فضاقَت علي، وكلما مَشَيْتُ وَجَدْتُ رمالَ الشاطئ مَرْصُوفَةً بعظامٍ نَخِرَةٍ وجماجِم، رغم اتساعِ الحدودِ والفضاءِ اللامُتَنَاهِي.
في خِضَمِّ ذلك مَرَّ عَلَيَّ طائفٌ بخواطر فنَفَضْتُها، وأَلَحَّتْ عليَّ فغَارَ فكري وشَرَدَ ذهني، وتَجَوَّلَتْ في عوالم الآمال والأحلام نفسي، وجُسْتُ خلالَ الماضي والحاضِر، حتى تَجَلَّتِ المعالمُ واتَّضَحَتِ الصور، وألفَيْتُ فيها الحقيقةَ بعد بحثٍ طويلٍ في اللامعنى والمجهول، لكن راعني ما يعترض طريقَها، وما يقف أمامي حائلاً دونها من دياجيرِ الهوى، والبحار المُظلمةِ والصواعقِ ورُكَامِ الجماجمِ تحتَ قَدَمَيّ!
وأفزعني ذلك الغيم الحالك الذي يحجب نورها تارة ويخلي سبيله تارة أخرى، حتى إذا ما تجلى للعِيَانِ ضوءُها كان كالطيفِ يسعدها لبرهة وجيزةٍ ثم ينقشع، فلا تكاد تتبين معالمَه.
كنت أسأل نفسي: لماذا يا ترى هذا الظلام؟!
في سحيق الآبادِ لَجَّ الإنسانُ فهوى، وحفر لنفسه قبرا تحت الأرض التي علا فيها واستعبد أهلها، ثم تبدلت الأحوال واستأنفت الخليقة حياة جديدة، لم تعتبر فيها بالسابقين ومآلهم، ومَهَّدَتْ للاحقين جورهم فأحاطوا العدالةَ بإِصْرٍ عظيم، طَمَسُوا الفطرةَ فاحتجبت، واستصغروا الهدايةَ فاغتَرَبَت، وكلما نادتهم السماءُ فكأن في آذانهم وَقرا، وقَسَتْ قلوبهم على الحجارة، حتى أزهق الشر نفسه بنفسِه، ثم استيقظ أكثر حيويةً ونشاطًا مع الجيل اللاحقِ على السابق، والأمة الظاهرةِ على أمةٍ قَهَرَهَا البطشُ وسَفْكُ الدماء، واشتكت أرضها من أجسادِ أهلها المبعثرين.
لقد قالت الملائكة لرب العزة عندما أراد سبحانه أن يجعل في الأرض خليفة: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك! قال إنيَ أعلم ما لا تعلمون.
سُرُجٌ من النور المبين اصطفاها الله في خِضَمِّ الظلام، آياتٍ هَدَا بها السعداءَ فأشرقت صدورهم بحقيقة أم المعاني، جَعَلَ الله في الأرض مَنْ يفسد فيها حتى يكونوا مشاعلَ إصلاحٍ وشموسَ هداية، حِفْظًا للعهد مِنْ "فاشهدوا" و"أَلَسْتُ بربكم".
وانطلق الإنسان يفسد في الأرض ويسفك الدماء، ونَسِيَ عهدَ اللهِ فأنساه الله نفسَه، حتى إذا تراكمت القرونُ وتوالت الأزمان، وتَجَذَّرَ طُغيانُ الإنسان وجبروته في الأرض، عَبَدَ عقلَه فظن أنه قادرٌ عليها، واستكبر فغزا الفضاءَ وسعى للسيطرة عليه وامتلاكه، وجَارَ على نفسه فهَدَمَ سعادتهُ وسَلَبَهَا أَسْبَابَها، وجَرَفَهُ تيار اللامعنى فهام على وجهه تائها، فإلى أين...؟ !ويشتد الظلام والإنسان يقتل نفسه بنفسه، والضحايا يستغيثون في كل أرجاء الأرض، مذاهبُ وأحزابٌ وفِرَقٌ تنتحر بقتال بعضها البعض، وتتلذَّذُ بإهلاك نفسها عن طريق غيرها، حتى إذا هَلَكَتْ تحزَّبَ الثوار ينتقم بعضهم من بعض، ويستلب بعضهم حقوق بعض باسم القانون الدولي، ويتهم بعضهم البعض الآخَرَ باسم الثقافات والإيديولوجيات.
لا بد للصباح أن يَجْلُوَ آثارَ الليل، وأن يَمْحَقَ الغَيْمَ بشمسِ ساطعة، شمس العدالة ورَدِّ الحقوقِ إلى أصحابها، فلا يخضع الإنسان لمن يَصْفَعُهُ بإسقاط كرامته، وتلين القلوب التي قَسَتْ مثل الحجارة أو أشد قسوة، ويستقيم الضمير قبل أن يندثر الضمير الإنساني، فتستولي القوة الدولية الغالبة على ما تَبَقَّى من قيم وتصوغَها في قالَبٍ جديدٍ ظاهره يخدع بالرحمة وباطنه ظلمٌ وضَياع، تستخدمه لمآربها وتستغل أنصارَ العدالةِ لاستدراجهم وخِداعِهِم بالظنونِ والشعارات، وتحصُدُ آلافًا من الأبرياء إرضاءً لطيشها وتحقيقا لأهدافها، ولا يهمها أن يتم ذلك على حساب المعرفة فتنهار المعرفة، والقيم فتضيع القيم، وسعادة الإنسان فتنهار سعادة الإنسان، وعلى الأخلاق فتنهار الأخلاق، وعلى ثقافات الأمم فتضيع أصولها وتنقلع من جذورها، لتلحق بضحايا المعاني والمباني في الأرض وداخل النفوس والعقول.
كيف أركض وحدي وأزعم بلوغًَ الحقيقة، ومن حولي ملايين يركضون فلا ينتهون إلى شيء، وينتهي بصرهم إلى فراغ، مهما أطلقوا لـه العنان كَلَّ فلم يبلغ الغاية، فليس أمامه إلا مَهْمَهٌ فسيح الأرجاء، تَمُوجُ عليه الكائناتُ بعضُها في بعض، ويركض بعضها خلف بعض، سحيق غَوْرُه، عميق سرُّه، مختلطة سماؤه بأرضه سَعَةً وانفساحا، فلا تفصل بينهما زرقة اللون.. كهذا المحيط المترامي الأطراف.
وقفت مُحَدِّقًا في فضاءٍ لا نهاية لـه، متقلب لا يتوقف، تغيب فيه الحواس الظاهرة والباطنة، وتندمج فيه الأفئدة والمهج، فتغمرها روعته وهيبته، وتضيع في عالمه غير المحدود، حتى يصبح الجسد واقفا بغير روح، متأملا وحركاته ساكنة خاضعة لسلطان اللاشعور، متدفقة خواطره كالشلال، ليختلط صوتها بأصداء السماء، وعالم أعالي البحار، لا يوقظها إلا الخوف، وقد أوشك الغروب ولا نجاة، وتثاقلت السحب فلا مهرب، والتمع في الآفاق الداكنةِ برقٌ مرعب، وكادت الجماجم تنطق من وحشة المكان!! وانشق البحر كأنما أُلقِيَتْ عليه عصا موسى عليه السلام، وتصاعدت أصواتُ النعاة.



