إن البحث عن المعنى قضيتي وقضية كل المتعطشين إلى الحياة، أبحث عنها ظمئا والأرض من حولي أشد ظمأ، والنفوس عطشى، والعقول ثملى بهمومها، وكل نسمة تبحث في الظلماء والنور يحجب، وتستقصي وموئل الآمال ينأى، تناشد الحقيقة أن تتجلى للعيان وتروي الظمآن، لعل الجفاف الذي اعترى الأنفس يرحل فتلبس حلة الحياة الحقيقة، فتردي الحقيقة الحياة نفسها بما ملأها من فشل، وتحجب المعاني النفوس المظلمة والأفكار الرخيصة، رام أربابها السعادة فهدموا السعادة، وإيجاد المعنى فغيبوا المعنى،
وأظلمت السبل المؤدية إليه فاستفحلت أزمة المعاني.
وخرج الإنسان يسترشد بنفسه لعلها تدله، وبغيره من الكائنات لعلها ترشده بعد ضياع، وتحول العالم عن سالف عهده ليستشرف عهدا آخر، وتبدل الخلق بعد ضياع رشده، ولم يجد السند لمواجهة الأزمة العاصفة بروحه، والسالبة حياته، وما بعد الضياع إلا ضلال.
وإذا أفلت شموس الأرواح أفلت الحياة، وضاع الجسد الفاني دون روح، وانفلتت من العقول الهداية فاحتجبت وضاعت، فكيف العودة من بعد الرحيل وقد شرد الواقع وسكن الحماس، وخمدت جذوة النفوس الثائرة على النقائص واستشراء الأزمات، فهي اليوم تعاني من أزمة نفسها لا غيرها، ولا سبيل إلى علاج الغير قبل علاج النفس، ولا سبيل إلى علاج النفس قبل علاج الروح، ولا سبيل إلى علاج الروح قبل علاج المعنى، وقبل علاج المعنى تبدأ رحلة البحث عن المعنى، ولا سبيل إلى المعنى إن خيم الظلام على جميع الطرق، وإن ظهر المعنى أشرقت الحياة واستنارت السعادة، وسر السعادة الحب وإدراك المعاني واستشعار الأشياء ..
تلك هي الرحلة الطويلة القاسية البعيدة المتعبة، وربما أهلكت الإنسان إن لم يحسن ترتيب مستلزماتها، وربما عجز عن توفير تلك المستلزمات أو بعضها فكان من الضائعين، بأسه شديد إن أراد تحطيم المعاني ودفع الحقائق نحو الهلاك، وقدرته غاية في الهوان أن بحث في المعاني، وأمارة جهله أنه قمع السعادة عندما سعى إلى المبالغة في ارتدائها خسف مراده بالحقيقة الأرض دفعا وتضييعا، وإنما كانت غايته الباطنية من ذلك عكس مراده الظاهر، ثم اعتراه الذهول، وأردى حلمه العجب، وبرى جسمه الإحباط، شريدا وقد غابت شمس آماله تحت السحاب، والزخارف لماعة غير أنها خادعة، لم تترك من أسباب الحبكة وبديع الجمال المزور والألوان حسنا إلا وأخذت به، وسرت الناظرين فتقاطر المخدوعون وأسرعت إليها الخطى، حتى إذا مرت البرهة كالطيف تغشاها الضباب الكثيف، وأسدل الحسن ستره إسدالا، عيون لا ترى غير الذي يشبع نهم هواها، تحسبها ترى وهي لا ترى، وتظنها مبصرة وقد عميت القلوب التي في الصدور.
سرعة في كل شيء، كالداء يسري فيصيب كل الآمال وأهداف الحياة بالشلل، وغفلة عن كل شيء، كأنما تملكت الرؤى والعقول فشكلت حجابا كثيفا ونفوس أسرتها المعاناة، وأحاطت بها أصفاد الشقاء، وطوقها إصر الحيرة والقلق فشاع ما بها وعلن، ولم تقدر على احتواء آلامها فجرفها الوقت، وأسرعت بها الساعات، ومن خرجوا خشية الضياع من ديارهم يبحثون عن شيء ما؟! يستفزهم تقلب الأحوال ويخرجهم البحث عن معنى الحياة، والحق أن الدنيا ضاقت بالمبصرين غير المبصرين، يسيرون في ضجيج العاصفة، ويعبثون بمصائرهم، ثم ينطرحون فوق الثرى يلهثون، حتى يبتلعهم مكردسين.



