فتح ..مصدات الرياح تتهاوى

بقلم : زياد أبوشاويش

كانت فتح دوماً قوية بتنوعها الفكري وحرية الاجتهاد السياسي فيها ، فكل صاحب فكر وكل صاحب أيديولوجيا له مكان في الحركة ، ناهيك عن كم كبير من الذين ينتمون فقط لفكر وطني عام يرى في تحرير فلسطين هدفا وبرنامجاً .

لم تغرق فتح نفسها بالصراعات الأيديولوجية ، أو بالاجتهادات الناجمة عنها  ، فهي على سبيل المثال لم تجعل من قضية تحديد المرحلة النضالية إشكالية تستحق الجهد والصراع كما نراه في باقي الفصائل اليسارية ، كما أنها لم تجهد نفسها في اختراع ايديولوجية تفرضها على أعضائها كناظم لطريقة التفكير أو كمرشد لبرنامجها السياسي والاجتماعي مثل فصائل أخرى لا زالت تبحث عن هذه الزوايا وتجتر بين الفينة والأخرى بعض طلاسمها، لتخلق ما تسميه جدلا وحيوية في تنظيمها الذي عادة ما يكون في حالة إنهاك على غير صعيد .

في حركة فتح يتعايش الشيوعي مع الاخونجي ، ومعهم البعثي والقومي العربي وغيرهم من المنابع الفكرية والعقائدية المختلفة مما جعلها كحركة أغني الفصائل على صعيد الأدباء والمفكرين ، ومن يمكن حسبتهم في صفوف كبار المثقفين .

كانت الحركة توجد لكل طاقة مكانها وطريقة الاستفادة منها ، فقادت بجدارة الثورة والمجتمع الفلسطيني ، وحملت المشروع الوطني بقدرة متميزة رغم كل الصعوبات والأخطار والمؤامرات التي واجهتها الحركة الوطنية الفلسطينية وفصائلها المسلحة على مدار أربعين عاماً . ورغم عديد الملاحظات التي سجلتها المسيرة سلباً على قيادة الحركة في الكثير من المفاصل الهامة لتطورات القضية الفلسطينية ، والحجم الكبير للإخفاقات ومثلها التنازلات المجانية للعدو والتي قدمتها قيادة الحركة ، إلا أنها كانت باستمرار تستطيع الإبقاء على إمساكها بدفة السفينة بطريقة مدهشة، وتأتي من داخل الحركة موجات النقد والحراك من أجل التصويب ، وهو ما يحسب للحركة وقيادتها، وامتلاكها الحيوية اللازمة من اجل الحفاظ على مكانتها في المجتمع الفلسطيني، سواء على صعيد السياسة ومؤسساتها أو على صعيد مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات .

ولعله من الواجب القول هنا أن بقاء الحركة الرائدة في الموقع المسؤول والقائد لمرحلة التحرر الوطني كان باستمرار نتيجة لعدة عوامل (بخلاف ضعف وتشتت التيار الديمقراطي واليساري) ، منها ما ذكرناه حول التنوع ووضوح البرنامج ، والآخر وهو ما نعنيه في مقالنا هذا حول مصدات الريح التي توفرت للحركة منذ نشأتها وحتى قبل فترة وجيزة من هذه اللحظة التاريخية التي بدأت فيها هذه المصدات في التهاوي المحزن والغريب .

لقد مرت حركة فتح بعدة انشقاقات خطرة ارتباطاً بما ذكرناه حول التنوع ، وارتبط معظم هذه الانشقاقات إن لم يكن كلها بالاستقطاب الإيديولوجي وميل طائفة أو مجموعة متجانسة داخل الحركة لفرض مرجعية فكرية وأيديولوجية واحدة على الحركة في ظروف معينة ولحظات تاريخية تراها هذه المجموعات مناسبة وتعطي مصداقية ومبرر لانقلابها على النظم المعمول بها في الحركة ، وعندما كانت هذه المجموعات تفشل في فرض رؤيتها كانت تلجأ بشكل منطقي للخروج من الحركة ، وهو ما حدث للقوميين اليساريين في انشقاق "المجلس الثوري" الذي قاده ناجي علوش وصبري البنا ، والتيار الماركسي الثوري في " الانتفاضة" والذي قاده أبو صالح وأبو خالد العملة وقدري .إن دور مصدات الرياح كما نعرفها ويعرفها فلاحوا الأرض تتكون عادة من أشجار باسقة تزرع بشكل متراص من اجل حماية قطعة من الأرض تضم مزروعات أو منشآت ذات قيمة كبيرة ولحمايتها من العواصف والرمال التي تجلبها الرياح ، ومن ثم تبقيها حية وقادرة على الإنتاج ، وهذه المصدات تحظى بأهمية كبيرة ولا غنى عنها . وفي حركة فتح كانت هناك مصدات نشأت في الحركة وتنامت بحيث شكلت على مدار تاريخ الحركة وصيرورتها سياجاً واقياً من الاضمحلال أو الانهيار وما بينهما من درجات الوهن الذي يصيب الجسد الحي مع تقدم العمر وتتالي الضربات أو الأمراض ، وهي سنة كونية لا غنى عن تبطيء حركتها قدر المستطاع لتحقيق الأهداف الكبيرة ، وهو ما كان متوفراً لفتح على مدار الأربعين عاماً الماضية والتي أخشى أنها قد تتهاوى إن لم تجد من يعيد لها الحيوية ويجددها . كانت هذه المصدات تتكون من خليط مما تملكه الحركة على صعيد عضويتها بمستواها القيادي والكادري ، وأسبقيتها المعروفة في إطلاق الرصاصة الأولى على العدو وتأسيس منهج جديد للعمل الوطني الفلسطيني ، وتوفر النظام الحركي والبرنامج الذي يحتكم إليه الجميع واعتباره قانوناً ناظما لعملها . ففي القسم الأول من جدار الحماية للحركة كان هناك مجموعة من الأسماء اللامعة ذات القدرة على تسويغ مواقف الحركة وسياستها في داخلها وخارجها ، مما كان يمثل في كثير من العقد والأزمات طوق نجاة للحركة وعامل ضبط بين صفوف كادرها الأساسي وعضويتها الهلامية واسعة الانتشار .

ولا يحتمل مقالنا سرد هذه الأسماء وكيف فعلت بل نكتفي بالإشارة إلى الأخوين خالد وهاني الحسن قديماً ، والأخ مروان البرغوثي حديثاً .

بالطبع بقي الأخ هاني الحسن بعد وفاة شقيقه الأكبر خالد عضو اللجنة المركزية للحركة في موقعه القيادي كما في قلب المصد المذكور إلى سنة ونصف سابقة ، وبعدها بدأ رحلة الابتعاد عن لعب هذا الدور ، ربما بسبب ميله بصورة اكبر في هذا السن المتقدم وبعد هذه التجربة إلى أدلجة مواقفه السياسية داخل الحركة  أو بسبب طموح ما جعله يتخلى تدريجيا عن لعب دور الحكيم للحركة ، والمدافع عنها بعقلانية تخفف عنها الضغوط ، إلى آخر قائمة الأعمال والمهمات التي تولاها الحسن وصبت في النتيجة لمصلحة الحفاظ على مكانة الحركة وتماسكها .

وهاني الحسن مثل غيره من كوادر الحركة وقادتها الذين يعتقدون بأن شرعية الحركة تتمثل أساسا في رعيلها الأول المؤسس ، ومن ثم لجنتها المركزية ويعمل كغيره من قدماء الحركيين على تأبيد الواقع القيادي بل والمنافسة على كرسي القائد العام الذي خلى بوفاة المرحوم ياسر عرفات ، ولكن ضمن إطار الصراع في المستويات العليا ، رغم كل الحديث عن عقد المؤتمر العام الذي يتأجل عاماً بعد عام وتخترع الذرائع لتأجيله كلما اقترب الموعد المحدد .

لقد أصبح السيد هاني الحسن بعد تصريحاته على مدار العام والنصف السابقة وختامها بلقاء الجزيرة جزءً من الصراع داخل فتح ، وليس جزءً من جدار الحماية التي مثلها سابقاً ، والتي جعلته يأخذ مكانته الوطنية المرموقة بالإضافة لمكانته الفتحاوية المتميزة ، ولا أرى جدوى من الدخول في التفاصيل ، لكن المؤكد أن احد مكونات مصدات الريح التي نوهنا عنها قد تهاوت ، ولا نستبعد تهاوي غيرها في خضم الحراك المحموم الجاري داخل فتح . إن الحديث عن وجود دعم أمريكي لفئة داخل حركة فتح للسيطرة عليها يمثل ذروة الحدة في أدوات الصراع الداخلية ، وهو ما دفع الأخ النتشة رئيس المحكمة الحركية لفتح لتوجيه نقد حاد للحسن ردا على تصريحاته بالخصوص يوم 23 / 5 / 2006 ، بل والقول بأنه جاهز لمحاكمة الحسن إذا تقدم احد الأعضاء بشكوى ضد هاني الحسن على خلفية تصريحاته التي حذر فيها من هذا التدخل الأمريكي في شؤون فتح الداخلية . وربما هذا ما جعل هاني الحسن يقول بعد أكثر من عام على تصريحه ذاك بان فتنة غزة أو بالاحرى استيلاء حماس على السلطة بالقوة كان في الواقع هزيمة لهذا التيار المدعوم أمريكياً ، مخالفاً بذلك وجهة نظر فتح الرسمية ومعظم جمهورها وكذلك الفصائل كلها والتي حددت رؤيتها لما وقع بأنه كان انقلاباً على الصيغة الوطنية المتفق عليها وخطأً وقعت به حماس وعليها أن تتراجع . وربما خلق هاني الحسن بموقفه هذا ثغرة كبيرة في الموقف الفتحاوي من الأحداث التي جرت في القطاع واضعف موقف الرئاسة وإجراءاتها سواء العملية على أرض الضفة أو السياسية على صعيد رفضها للحوار مع حماس ، برغم قوله بأن على حماس أن تتراجع وتخلي أماكن الشرعية غير الحكومية ، أي الرئاسية .( تعبير تيار دايتون أو هزيمة خطة دايتون هو تعبير أيديولوجي أكثر منه توصيف عملي ، وهو للاستخدام الداخلي ). وليس أدل على حجم الاختلاف وتغير الوظيفة الحركية ومعها المكانة الوطنية ،ما جرى على لسان أكثر من مستوى قيادي بفتح رداً عليه، حتى وصل الأمر بأحدهم ليصفه بالمأفون وهذه شتيمة من عيار ثقيل .إن باقي أجزاء الجدار تتآكل واختصارنا الكلام عن احد مكوناته لا يعني أن الباقي بخير ، والكل يعلم حجم الخلل والمخالفات والانفلاش السائد في صفوف الحركة ، حتى أننا اضطررنا لوصفها في مقال سابق بأنها تبدو ألف فتح وليس فتح واحدة .

إن إعطائنا المثال على ما نقصد في هذا المقال وبصورة موسعة حول احد الأسماء اللامعة إنما أتى في سياق التدليل على خطورة ما تتعرض له حركة فتح الآن من هزات عنيفة ومخاضات عسيرة قد تودي بكل الجدار والمصدات واحداً اثر الآخر ، وتجعل العواصف والرياح قادرة على العصف بكل إنجازات الحركة ، الأمر الذي يشكل أكبر خسارة لشعبنا وقضيته الوطنية ، بعد أن خسرنا على مدار الأيام الماضية وحدتنا الوطنية ووحدتنا الجغرافية , فهل يتنبه الأخوة في فتح لهذا ويعملوا على تطويق الخلل بمزيد من الديمقراطية الداخلية والصبر والتروي وعدم الانفعال ، ويقدمون لشعبهم وأمتهم قوة المثل الذي سطروه بدماء الشهداء العظام من أبناء الحركة عندما بدأوا بإطلاق النار على العدو عام 1965 ؟.

زياد أبوشاويش

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.