هل يصح القول : عزيز قوم ذل ؟
بقلم زياد أبوشاويش
كان أمراً مريحاً لأي مواطن فلسطيني سماع دعوة السيد إسماعيل هنية لإعادة إنتاج حكومة الوحدة الوطنية ، أوعودتها لممارسة عملها حرصاً على مصلحة الشعب الفلسطيني ، ومفهوم من هكذا دعوة أن حماس ستقبل بعودة الأمور إلى نصابها الصحيح، ورفع يدها عن المقرات والأجهزة وغيرها من مؤسسات وطنية عامة ، وهذا يعني حكماً أن حماس ستقبل عودة أجهزة السلطة لسابق عهدها بعد إدخال تعديلات جدية وضرورية على أدائها وتخليصها من الصبغة الفئوية وإخضاعها ومعها مؤسسات حماس وكل الفصائل وأجهزتها لحكم القانون ولسلطة مركزية واحدة تضم الجميع . كما ويعني قبول حماس نتائج الانتخابات التشريعية في شقها الفتحاوي كما هي تطلبها من الآخرين في شقها الحمساوي ، الأمر الذي يعني وضع يدها من جديد في يد من تصفهم ليل نهار بالخونة والجواسيس وغير ذلك من النعوت التي سمعناها اليوم على لسان الناطق الأسبق لوزارة الداخلية خالد أبو هلال في خطابه العرمرمي الذي بثته فضائية الأقصى التابعة لحركة حماس اليوم وأعلن فيه ولادة ما أسماه حركة " فتح الياسر" ، منهياً علاقته مع فتح " أبوعمار" الأصلية .( وللعلم فهناك " فتح الانتفاضة" و"فتح المجلس الثوري" و" فتح الإسلام" ، وربما نسمع عن فتح جديدة تمولها أو تخترعها لنا جهة ما أو دولة ما ) .
بيت القصيد أن طرح الأخ هنية لم يترافق مع ضبط نغمة التوافق أو التردد المطلوب لوصول الإرسال لمن يعنيهم الاستماع لموجات بثها العاملة في الداخل والخارج . وفي المقلب الآخر نجد ذات اللغة المتشنجة والتي تبث أيضاً بترددات لا تصل لمن يهمنا وصولها إليهم ، ولعلنا بعمل دؤوب وإسداء النصح لطرفي المعادلة المأزومة نصل لبث إرسال موحد أو رسالة واحدة تنطلق من فلسطين لكل فلسطين في الداخل والخارج ولجماهير أمتنا العربية التي فجعت وذهلت بما رأته وما سمعته عن مجريات الفتنة الدموية الكارثية في قطاع غزة .
وفي هذا الصدد يأتي نقدنا الواضح ولومنا لما ورد في خطاب السيد أبوهلال بتهجمه وكلماته الغير موزونة تجاه أسماء وأطراف من بينها رئيس السلطة الذي ما زالت تعترف حماس بشرعيته وتسعى لإعادة الوحدة الوطنية معه . ومفهوم أن تهمة الخيانة هي أشد من القتل وتحتاج لإثباتات دامغة ، وقاضي يصدر الحكم وليس أي شخص كائناً من كان ،خصوصاً عندما يتناول المرء مواطنين مسئولين قضوا في العمل الوطني وبشراكة كاملة مع حماس سنوات طويلة ، ومنهم سابق لولادة حركة حماس وربما سابق لولادة بعض قادتها .
لدي ولدى غيري عشرات الملاحظات على العديد من المسؤولين الفلسطينيين ومنهم السيد محمود عباس رئيس السلطة الوطنية ،وسبق أن سجلنا هذه الملاحظات بشكل علني ،وقلنا فيهم ما قاله مالك في الخمر . لكننا أبداً لم نتهم أحداً بالخيانة الوطنية إلا بعد أن تثبت عليه التهمة وتدينه أحد محاكمنا القانونية ، ذلك أن إدانة شخص بريء هي أقسى من ألف تبرئة لأشخاص مذنبين ،كما أن المرحلة الحرجة التي نمر بها تستدعي لغة أخرى تفتح الممرات ولا تغلقها . ولأنني لا أستهدف أساساً الخطاب الذي ألقاه أبو هلال لأنه لا يقدم ولا يؤخر في المعادلة الجارية الآن على أرض الوطن ،فسوف أتجاوز كل الكلمة لأصل إلى رسالة الهاتف النقال التي وصلته من أخ قيادي في حماس اسمه نزار ريان لم أسمع به إلا في هذه الأحداث ، وقد استدعيت كل مخزون ذاكرتي لأعثر على هذا الاسم في سياق العمل الوطني الفلسطيني سواء منه ما تعلق بالكفاح المسلح أو العمل النقابي والجماهيري أو النضال الفكري والثقافي فلم أجد شيئاً ، وربما يكون الرجل من أهم شخصيات حماس ، لكن ما ورد في رسالته للسيد أبو هلال والتي تلاها على مسامع الحاضرين بطريقة فلكلورية لفتت انتباهي إلى أن مرسل الرسالة ربما يكون أهم من كل قياديي حماس ، بل أهم من كل الرؤساء العرب والعجم ، حيث ورد في رسالته لأبي هلال عنوان محزن ومهين وغير إنساني وغير وطني يقول " عزيز قوم ذل " ويقصد بهم أبناء فتح الهاربين والمختبئين من بطش حماس ،أو من خشيتهم من بطشها ، وهو يؤمنهم على أنفسهم وأرواحهم وممتلكاتهم .... إلى آخر رسالته المسيئة لكل تاريخنا وتراثنا الوطني وعاداتنا وتقاليدنا ، وقد ظننت نفسي استمع لخطبة الفاروق أو أبو بكر رضي الله عنهما للمسلمين بعد انتصارهم في أحد المعارك أو الغزوات . لقد آلمني سماع الرسالة إلى أقصى الحدود ، وكنت أتمنى أن لا يقرأها الخطيب ، وأن لا يكون السيد نزار ريان أرسلها أصلاً فهي بالإضافة لمعناها المؤلم والذي نشجبه وندينه تظهر رعاية حماس ودعمها لتنظيم فتحاوي جديد اسمه " فتح الياسر" وهذا خط مرفوض ويجب نبذه في برامجنا الفصائلية ، لان شيوعه سيجعل الجميع ومنهم حماس عرضة للتشويش والإرباك ، ناهيك عن الاختراق ، وقد تم تجريب سياسة خلق الدكاكين والإنفاق عليها فماذا كانت النتائج ؟.........................
وبالعودة لعزيز القوم الذي ذل ، فهل يرى السيد ريان أن المناضلين والمقاتلين والضباط من حركة فتح ومنهم الكبار المسؤولين والصغار الموظفين أعزاء تم إذلالهم على أيدي حماس بانتصارها الموهوم في غزة أم ماذا ؟
وان كانوا أعزاء في زمن سابق فلماذا يكونوا أذلاء في زمن حماس ؟ هل هذا يساعد حماس في شيء ؟ هل هذا الكلام يظهر حماس بمظهر الأخ المشفق على أخيه أم المتعجرف الذي يملك مفاتيح العز والذل ؟ سحقاً لهكذا لغة .. وسحقاً لهكذا قيادات حمقاء ابتلينا بها .
لقد أدنا في السابق اللغة المتعجرفة والاستعلائية التي كان يستخدمها بعض المسؤولين في السلطة ومنهم السيد محمد دحلان الذي كان شريكاً أساسياً لحماس في اتفاق مكة المنهار، ولم نقبل يوماً استخدام هذه اللغة بين الإخوة المناضلين ، وإذا كانت حماس عبر الأخ إسماعيل هنية تمد يدها للمصالحة على أساس وحدة وطنية تعطي كل ذي حق حقه ، فلماذا مثل هذه الرسائل والوسائل المناقضة والمفرغة لمعاني الأخوة والتراحم والتواضع ، وآمل أن يجيبني الأخ الدكتور موسى أبو مرزوق والسيد خالد مشعل وهنية وكل قادة حماس ، من هو عزيز القوم الذي ذل ؟ وإذا كنا نلوم فتح وقائدها على إغلاقه طريق المصالحة والحوار مع حماس توخياً لمصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ، فإننا لا نقبل مد يد المصالحة مع لغة نقيضة للهدف الذي نرجوه جميعاً ،لأنه إن ذل ابن فتح فقد ذل ابن حماس والعكس صحيح ، فليتق الله من سلطهم رب العباد على رقابنا وليرأفوا بنا ، وكفى بالله وكيلا .
زياد أبوشاويش
مخيم اليرموك في 24 / 7 / 2007