سأبحث عن وطن !

ما هو الوطن ؟ .. مكان للإقامة .. بيت و ظل و امرأة ؟ و أطفال أشقياء .. عائلة و قبيلة تحبك أو تكرهها ؟ 

فاتورة كهرباء و ماء و دواء .. أصدقاء ؟ يأتونك آخر الليل سكارى و يقصفون الرجعية والأعداء بالقصائد .. مخمورٌ يبكي و يرتمي في حضنك لأنه يعاني من الوحدة و رذالة الأهل و فراق الحقيقة ؟ و كأنني كنت أعيش في النعيم .. 

هل الوطن مجرد حضن شاسع يتسع لك و لهم ؟ أم انك ستنام كالعادة على ذات السجادة المهترئة ، تبتلع الغبار و المنهج المدرسي و خطب الزعماء .. 

في طفولتي كان الوطن هو صورة الأم ، أم هائلة .. ذراعيها ما بين الأرض و السماء ، حانية تغمرني بالدفء و الحنين ، و لما قلّبت الصفات و الصفحات بدأت أشعر بالغربة ، لم أعد أجدها تلك الأم الكبيرة : الوطن . 

رحلت عني هي و ألقتني على رصيف الوحدة و الوحشة واندملت أنا في حفرة عميقة .. 

أبي ظل بعيداً ، مرة في الجيش ثم ابتعد طويلاً في الغربة – للعمل – و لبناء بيت صغير يأوينا ، و لما عاد ليستقر في " الوطن " وجده خراباً ، و مات بالسكتة القلبية .. و سكت نهائياً و تركني وحدي هائماً على وجهي في الطرقات !! 

كنت أعتقد أن الوطن هو الحب ، أو شيئاُ كهذا .. أحببت كثيراً ، حد اللوعة و لكن .. لا إمرأة أحبتني – كما كنت أرتجي - و تركنني وحيداً أقارع القصائد القديمة و التخيلات الغبية ، في مرحلة من المراهقة العمرية السياسية قلتُ : سأقاتل ! 

فألقوا بيّ صبياً في وسط اللهب ، و نجوت بالصدفة بعد أن هرب القادة و خذلونني و برائتي الوطنية .. و سذاجة قديمة لازلت أحمل الكثير من أعبائها .. 

لا زالت فكرة الوطن تحوم فوق رأسي كفراشة صغيرة ، شاحبة ، لا لون لها ، وحيدة أخاف أن أسحقها بيديّ لأنهم قالوا لي أن الفراشة في البيت : فال خير .. أي خير و في أي بيت ؟ 

و بيتي لم يعد بيتي ، و زوجتي إعترفت لي في لحظة تاريخية و بوجه متجهم ، أرعبني لفرط تجهمه أنها لم تعد تطيق رؤيتي في البيت .. هي اكتفت من إنجابي سلالة من الأطفال تفتخر بهم أمام عائلتها التي تحب فكرة التكاثر !! و هذه القبائل تشعر بالإعتزاز بخصوبة نسائها و قدرتهن على تفريخ المزيد من الكائنات الجديدة .. أما عائلتي - أنا – فلم تأبه بفحولتي - و كأن مافعلته هو مجرد تحصيل حاصل و لا يستحق الإحتفاء ! 

أنا كنت مجرد المنتج الغبي لتلك الحيوانات المنوية التي ستصير أرقاماً وطنية تضاف إلى دائرة الإحصاءات الرسمية .. وهي ما سيسمى فيما بعد بالمواطنين ! و هم جمهرة من أشياء / كائنات تكون جاهزة للإستهلاك و لإستقبال قذائف الأعداء بسكينة غريبة توحي لها أنها لو تعرضت للإبادة فإنها سنعيش في مكان آخر في مجرة بعيدة قرب السماء ، و السماء من تحتنا و حولنا ، في هذه الكرة الأرضية لا سماء فوقك و لا تحتك هذه السماء مجرد فكرة سديمية ليست علوية بأي حال ، و فلكياً هي الفراغ الذي يحيط بك ، فراغ سرمدي لا تلمسه و لكنك تراه كمجرد فراغ لا منتهٍ .. 

" و أنت معنى الكون كله " 

هل الوطن مجرد بقعة من هذه الكرة الأرضية ؟ 

أم أنه و كما يقول المتصوفة : 

و كل أرض الله مسجدي ؟ 

لا زلت أبحث عن فكرة الوطن .. " الوطن " تحديداً كما لا أعرفه ..

 

Please publish modules in offcanvas position.