إهداء : قلبي
إليك... حيث أنت... في تلك المدينة التي لا تعرفك...
تلك الأرض تشتاقني كما أشتاقها... طالما بثت أشجار صفصافها لوعات نفسي... طالما كانت نسائم فجرها قهوة صباحي... أطرب لسماع صوت تغريد بلابلها محتفية بجلالة الشمس... شمسها التي تشرق في ركن من
أنتشي لاستنشاق عبير ترابها الذي يحملني في رحلة إلى ضفاف نفسي...أنصب على شاطئها خيام الذكريات...و أعد نجوم العمر التي أفلت تباعا و أنا بعيدة عن أحضانها...و تسألني أفي العمر بقية لتضيع ؟ و يعجزني السؤال فأصمت
لكل منا أرض يسكنها...و أخرى تسكنه...أرض يستجدي تحت سمائها لقمة رغيف مغمسة بالحنين... و أخرى يحتمي بدفء أحضانها حينما تتجمد أطرافه من صقيع الغربة
عجيبة هي حكمة الله في نفوس البشر, تجعلنا نحب مكانا دون سواه, ليس لروعته كما قد يقتضي المنطق, و لكن لروعة احساسا بذواتنا و نحن على أعتابه
و ذلك المنزل , على شساعته تحسه يحتضن قلبك بلهفة المحب, يقبل يديك بامتنان لأن رائحتك أيقظت ذاكرته الراكدة و ملامحك ذكرته بأشخاص قد ألف أن يرتعوا في حجراته و إذا بهم واحدا تلو الاخر يغادرونه محملين على أكتاف القدر, و لا يرجعون أبدا
كنت أبتسم له على مرأى من الاخرين غير ابهة لما سيظنونه بي... أليست الابتسامة تلبسنا قسرا عند رؤية من نحب؟... و أنا أحب هذا المنزل, أحب شجرة الزيتون تلك القابعة هناك منذ زمان بعيد, شامخة كشموخ من سكنوه
و تلك الغرفة ذات الباب الخشبي الاخضر البديع, تراها تذكر مساءات السمر في حضن جدتي و هي تروي لنا حكايا زمن جميل؟ لا زلت أذكر حنق ابنة خالتي و هي تتذمر من كوني أحصل دائما على شرف النوم في حضنها, و هو امتياز كان باقي الاحفاد نادرا ما يحصلون عليها...صدق من قال أن الحب ولد أنانيا
غادرت ابتسامتها عالمي الصغير و أنا في الثالثة عشرة, لكنها ظلت تسكن قلبي منذ ذاك الحين, تزورني أحيانا في أحلامي و أحضنها و أخبرها كم أشتاق لتقبيل يديها
كنت أتجول ببطء متعمد, أمرر يديي على الأبواب و النوافذ أسلم على رائحة الذكريات التي علقت بين ثنايا خشبها العتيق, و الحقيقة أنني كنت في محاولة صبيانية أصافح أياد قد تكون لامست نفس الأمكنة في زمن اخر... يفقدنا الاشتياق صوابنا احيانا
من خلف بوابة الماضي حيث يقف الزمن شرطي مرور على شوارع الذكريات, كان يلوحون لي بأيديهم المخضبة بالحناء و عيونهم ممتلئة فخرا و فرحا بالحفيدة التي جاءت تزور طيف وجودهم... تمنيت لو أخترق جدار الزمن لبضع لحظات, أجلس معهم في تلك الردهة المخضرة, أحتسي معهم فنجان القهوة الذي تفوح منه رائحة التوابل الشهية و أنصت باهتمام لحكاياهم النسائية الممتعة
ما أجمل العودة حين تحيي فينا فرح الطفولة... و ما أقساها حين تذكرنا كم صرنا تعساء اليوم
ما أجملها حين تفتح لنا كيس المخمل الذي خبأناه في ركن من الذاكرة شاهرة عملات الحب و التسامح و البراءة التي أحكمنا عليها الاغلاق ذات طفولة... و ما أقساها حين تذكرنا أن تلك العملات لم تعد صالحة للتداول في زمننا هذا
أترانا نعود لنتذكر كيف كنا؟؟ أم ترانا نرجع لننسى و لو للحظات كيف صرنا ؟؟
كان قرص الشمس يغوص في الافق معلنا نهاية يوم اخر... بصخبه و حزنه و ذكرياته الجميلة... لحظات قضيتها في تأمل شعري على شرف هذا المنزل و تلك الارض... و أجدادي الذين لا زال صوت حوافر خيولهم يسمع في الارجاء... لحظات على شرف الماضي ستصير هي الاخرى ماضيا بعد لحظات
ودعتهم جميعا و أنا أمتطي صهوة الحنين...جئتهم محملة بأشواقي و ها أنا أعود مثقلة بالذكريات التي سأحملها معي لتلك المدينة التي لا تعرفني
فاطمة الزهراء جوهري



