حيطان متهالكة اعتلاها غبار السنين السحيقة . و فرخت بين لبناتها الرطوبة البغيضة... تتقاطع تلك الجدران فيما بينها بعفوية بالغة لتتيح لبنيان خجلان أن ينمو و يرتفع ... تعتلي واجهته المتواضعة لافتة من خشب السنديان كتبوا عليها بأحرف مرتبكة – مقهى الحرية-
اتخذ حامد لنفسه مقعدا متواريا في زاوية من زوايا المقهى العديدة...
هو من الرواد الأوفياء لهذا المقهى الشعبي. يروق له أن يختلف إلى هذا الموقع وجه النهار، يحتمل معه كوكبة من أمهات الكتب...هو بصدد الأعداد لرسالة الماجستير في علم الاجتماع . هو لا يجد لذة التهام تلك الأسفار إلا تحت هذا السقف الأثري و تحت تلك المروحة التي ترسل نسيمها باردا مطمئنا كما الماء الزلال.
يلقي حامد نظرة عابرة إلى الطاولات العتيقة و إلى تلك الكراسي التي لا يجلس عليها إلا المرموقون و اللامعون من أهل الحي من المفكرين و الأدباء و الطلبة...هنا في هذا الديكور غير المتناسق و منذ أعوام خلت ،التهمت ذاكرته بشغف كتاب – العقد الاجتماعي- للمفكر الفيلسوف جان جاك روسو...حفظه عن ظهر قلب. إن الفتى يحتفظ بالجميل لذلك العنوان الخلاب الذي أسلمه إلى مجال رحيب هو علم الاجتماع ...استهواه ذلك العلم فكرس له كل الجهد وكل الوقت.
- شاي أو عصير يا سيد حامد ؟- قال النادل في أدب جم.
- شاي بالنعناع . وحده النعناع كفيل أن يفك طلاسم تلك الكتب التي تراها أمامك -
تلاشى النادل قليلا ثم أقبل و ورقة نعناع لا تفارق أذنه اليمنى:
- تفضل الشاي. بالمناسبة لقد اتصل حميد منذ ساعة و قال أن زميلك سمير سيغادر إلى الجامعة بعد غد الأربعاء و هو يرغب في صحبتك –
اغتبط حامد و راح يرنو إلى ورقة النعناع المتألقة على وجه النادل و قال:
- أشكرك على رسالتك الشفهية الثمينة –
حامد و حميد توأمان...حامد أسن من حميد بعشر دقائق كاملة. أهل الحي يجدون مشقة في التعرف عليهما. الشبه بينهما قوي إلى درجة يصعب معها الجزم أيهما حامد و أيهما حميد.
إن صاحبنا فتى جميل المعشر و طيب القلب . أما شقيقه التوأم حميد هو على النقيض من ذلك... فتى طائش و حاد الطبع. فهو لا ينتهي من خصومة حتى يدخل في خصومة جديدة. فصلوه من الثانوية يوم قال لمعلمه برعونة – إن النادل الذي يشتغل في مقهى حينا أرسخ قدما منك في الحساب - ...تقول والدتهما متبرمة – حامد قطعة من كبدي و حميد قطعة من جهنم –
في هذا الوقت الذي كان حامد في المقهى ينهل من تلك الكتب...كان حميد في محطة السكة الحديد لسبب ما... أحدق به رهط من الشباب الطائش...(هيا..هيا..يا رفاق دونكم هذا الرقيع ) أحاطوا بحميد و قد هموا أن يوسعوه ضربا...يستميت الفتى دفاعا عن نفسه..لقد كان مبارزا لامعا.. يشج رأس أحدهم..ينهال على الثاني لطما و لكما و يتركه مضرجا في دمه...بيب...بيب...بيب...تصرخ صافرة القطار من بعيد. هي فرصة ذهبية للإفلات...يتخلص حميد من أولائك الأشرار بعد لأي و ينجو منتصرا. أحدهم يصيح بصوت متهدج – ستدفع الثمن باهظا أيها النذل –
فرغ حامد من إكمال عدة السفر إلى الجامعة.. اليوم هو الأربعاء ،وقد اتفق مع سمير أن يلتقيا في محطة السكة الحديد ليسافرا سويا..وصل حامد إلى المحطة في الوقت المحدد...خاطب نفسه – سمير لم يلتحق بعد. يا له من فتى خامل – ساعة المحطة تشير إلى التاسعة إلا خمس مساءا...ما زالت هناك خمس دقائق عن موعد الانطلاق . المحطة شاغرة كأنها مرتع للأشباح ...الأضواء باهتة توحي بمشهد جنائزي.
- ها قد ظهرت مرة أخرى أيها الجبان- صاح الفتى الجريح سابقا.
تحلق أولائك الأشرار بحامد و أوسعوه ركلا و صفعا حتى أدموا وجهه... و انهار الفتى الجامعي مغشيا عليه.



