كان آخر موعد له مع نفسه، حينما أشعل أحدهم سيجارته وهو خلف زجاجة القطار الذي يحتل فيه مكانا، العربات تتلاحق فيما بينها وبعدها اعترى المكان صوت آخر:
ـ التذاكر من فضلكم..التذاكر..
مازال الصوت يتلاحق..
الصوت مازال يتلاحق، قدم " بيتردي" تذكرته، ومضى الصوت بعيدا، لم يعد يسمع إلا تلك الخطوات..خطوة خطوة... رحل كل شيء بعد ذلك، الصوت والخطوات.
أحدهم في الركن الآخر يزفر بطريقته الخاصة، عيونه مسدلتان ، على طاولته فنجان شاي بارد، صوت رقيق قبالة الرسام العالمي " بيتردي" التفت إلى الصوت ، كانت فراشة آدمية تهمس بعيونها لأوراق تنعم بلمسة يديها الناعمتين، كان عنوان الأوراق، " مائة عام من العزلة" أحس حينها انه لن يكون معزولا عن عالم أفكارها مادامت تقرأ لعباقرة الواقعية السحرية في الدنيا، وحقيبته في نفس الحين تضم أروع ما كتبه البطل "كابرييل" " عشت لأروي" لم يكن قد تصفح منها إلا أوراقا قليلة ، ذلك فكر أن يتمم مادام القطار يستمر، قام من مكانه فتح الحقيبة أحضر الرواية، فنجان القهوة لم يقل عنه إلا أنه للوقت قاصر، العيون مرة في العناوين الكبيرة وتارة أخرى في عنق الفراشة المسترسلة في الجمال، همسها مازال مستمرا على الأوراق، بدوره يتفحص أوراقه الكثيرة، انغمس فيها كليا.
صاحبة الصوت الرقيق تصفع كرسيها الأمامي، نظر إليها بعيون بعيدة، نظرت إليه ابتسمت كأنها تقول له في خياله:
ـ القطار يسير، لماذا لا تقترب مني؟
هو في خياله:
ـ أيتها الفراشة الذكية، رغم مائة عامك من العزلة، فإني قريب.
في خيالها :
ـ أيها اللعين لقد أخرجتني من حياتي، أنت من زين الحلم لآدم وأكل التفاحة.
هو في خياله:
ـ لست إلا ذلك الآدمي الذي يريد أن يقترب.
ابتسم في وجهها، الغروب بدأ يلحق بالمكان، الأضواء تتناثر على الأجساد، ضوء هنا، ضوء هناك، لوحده لم يكن نائما الصبية ترقص من زهرة إلى أخرى، تشم رائحة نومها منصهرة في أشيائها البسيطة.
هو يصنع صورته في خيالها ، يظن أنها تحدثه :
ـ ليث القطار يتأخر قليلا لأهمس في أذنك
ـ همسك يتلاحق في ادني وقوافيك ترحل إلي معناها.
مازال الضوء يتناثر على الأجساد، مرة هنا أخرى هناك، الخيال مازال مستمرا، الصبية في حلمها الراكض وفي زمن العزلة ورواية العيش بين العزلة والاختلاط لتكون الحياة. الليل مازال كائنا.
النوم لم يدم إلا لحظات في لواعج الفراشة ، نظرات أخرى من جديد ، في الركن الآخر القهوة باردة ، الصبية ترجع من جديد إلى النوم،وانجلت بين نظرات المتأمل وسيمفونية الضوء المتناثر، اخذ منها الاستقرار شبرا ، لم تعد تتحرك.
المسافات كأنها تزداد، وبعد الطول الكل يقصر، القطار سيقف عند محطته الأخرى ، لم تقم الفتاة من نومها ، قام "بيتردي" والارتعاشة تأخذ منها مكانها سألها وهي نائمة نوما عميقا، مسح على رأسها، الخوف يأخذ منه أحشاءه كليا، وبعد مدة طويلة بلغ القطار محطته الأخيرة، صار من جديد يترقب الفراشة التي كانت غائبة ، أسرع اخذ من يدها تلك الأوراق التي كانت تحمل البطولة في الكتابة، لم يكن رآه احد .
نزل الجميع، بدوره نزل، لم يكن بعيدا عن القطار يترقب كل شيء، نزل الكل من القطار، سمع احدهم يقول:
ـ إنها ميتة.. إنها ميتة
ـ من فضلك من مات؟
ـ شابة من كولومبيا تدعى "كريستا".
اندهش "بيتردي"، الأضواء لم تعد تتناثر ، ضوء احمر يدنو ، وجثة هناك على خشبة الأموات، صار يلهث، الوقت باكرا صبيحة اليوم الآخر ، موكب الجنازة يتكاثر، باب هناك ، لم يكن يستطيع دخول الأسوار ، المشهد يتكرر، ومن بعيد في زمن ما، حضر إلى المقبرة أخذ مجموعة من الكتب ، وضعهما على قبر "كريستا" وقال:
ـ الموت بما فيه من فراغ يحتاج إلى المطالعة.
حضر احدهم يسمى الحارس الليلي أخذ منه بطاقته، رقمها كان عددا ما، أخبر الحارس رجالا آخرين، لم يكن يعرف أنهم مجرد شرطة، لم يكن يدري أنه حكم عليه بالإعدام، ويدفن قريبا من قبر النائمة، التي استيقظت.
هي من كانت تحلم كل ذلك، ويعود كل شيء إلى مكانه، والقطار ما زال يسر، نظرت إلى "بيتردي" ضاحكة في وجهه.
إدريس الجرماطي



