الأنا في تجلياتها
نزل الدرجات الخمسين المؤدية إلى الميناء. . . استأجر قارب صيد . . . أراد صاحب القارب أن يرافقه. . .لكن . . . الغامض و بلهجة جازمة . . . حاسمة. . . أكد أنه يريد الخروج إلى البحر بمفرده لمدة ساعة واحدة. . .
بعد قليل . . . كان القارب ينسل خارجاً من الميناء و على ظهره هذا الراكب الغامض . . . كان الوقت عصراً . . . في يومٍ خريفي . . . ملبد بالغيوم. . . وفي عرض البحر . . . توقف القارب . . . أطفأ الغريب محركه . . . التفت صوب البلدة . . . بسورها العتيق تقف شامخةً . . . تروي حكايا الأيام و السنين . . . .
شرع يديه تجاه البلدة . . . امتلأ قميصه بالهواء . . . صاح عالياً . أنا. . أنا. . أنا. . .
ليس مثلي أنا. . أنا. . نسغ الحياة في هذه البلدة . . لأجلي تتنفسون جميعاً . . كرمى لعيوني . . تعملون و تكدون . . . تتعبون لأرتاح. . . و تجوعون لأشبع و تبردون. . . لأدفئ . . . و تبكون و تتألمون. . . لأضحك تخسرون المال لأكسبه أنا. . تختلفون . . . تتنازعون . . . لأتمكن منكم جميعاً . . . ليس فيكم كبير . . . وسيد و عظيم غيري . . . لا يصلح المال إلا ليا. . . . .
على ظهوركم و أكتافكم تحملون أحلامي . . . و رغباتي. . . و عندما تنامون متعبين عليكم أن تحلموا. . . وتتوسدوا تألقي و بريقي. . . أنا رغباتكم المنسية . . . و أمانيكم الضائعة. . .عليكم أن تكونوا سعداء. . . و لو عضكم الجوع. . . طالما أنني مشبع ميسور. . . مسرور. . . إن حدث أن أسأتم لي . . . أحزن . . . أتذمر . . . أرفع شعارات القيم و المبادئ . . . .
أصخ في وجوهكم بالحق و العدل و الإنساني و الضمير. . . و إن طالتكم مصلحتي و أنانيتي بالأذى . . . أبتسم . . . و أستخف بأمركم . . . و أهون عليكم الأمر . . . فالأمر بسيط تافه . . . لا يستأهل منكم الضجة و الضجيج . . . بل لا يستأهل أن تنفعلوا. . . فالانفعال يضر . . . يا أحبائي بصحتكم. . . و يورث الأمراض و البلايا . . و أطالبكم بالصمت و الهدوء لأن أعصابي المرهقة لا تحتمل صراخكم. . . .
و أنا حساس . . . حساس . . . قد أحزن . . . عليكم أحبائي أن تنسوا. . . فالنسيان نعمة . . . و المطالبة بالحق في مثل حالتكم رذيلة . . . لا فضيلة. . الفضيلة أختص بها أنا. . . عندما أطالب بحقي. . . .
أخذ نفساً عميقاً . . . استراح قليلاً . . . أحس أوداجه تنتفخ . . . .استلقى على ظهره القارب . . . أسند رأسه تطلع إلى السماء . . . بغيومها الداكنة و بعضٌ من النجوم بدأت تلوح من خلالها . . . .
آهٍ . . . لو يتسنى لي بلوغك أيتها النجوم البعيدة. . . أنا أشبهك في رفعتي و كبر نفسي و غموضها . . . ألمع مثلك على أنني الذهب الصافي . . . أجذب الحيارى و السذج ببريقي . . . و لكنني أفوقك دهاءً . . . حنكة. . . . جرأة. . . فأنا قريب من الناس . . . يكادون يصطدمون بي. . . و مع ذلك فأن بريقي يعميهم. . . و لايستطيعون تبين لمعاني الزائف . . . بينما أنت أيتها النجوم فإن ما يحميك. . . و يسبغ عليك . . . هذا البر يق البديع. . . هو بعدك الشاسع عنهم . . .فإذا ما قدر لهم أن يقتربوا منك. . . فإن هذا البريق سيختفي و سيدركون أنك مجرد حجارة. . . .
و ما أن ذكر الحجارة. . . حتى تنبه أنها أثبت من الماء . . . و أن عليه العودة إلى اليابسة سريعاً. . . . .
أدار المحرك باتجاه الميناء عائداً من ساعة صدقٍ و قحة قد تكون الأولى في حياته. . . وصل إلى الرصيف . . . قفز من القارب . . . ابتسم للرجل . . . الذي ينتظر الأجرة . . . قال له : أهلاً بك . . . أنا فلان . . . واضح أنك نسيتني. . . لأتذكر يوم جئتني بطلب التوظيف. . . لا عليك. . . نلتقي لاحقاً . . . شكاً بخصوص القارب . . . و مد يداً خاليةً من النقود . . . سلم على الرجل . . . و انطلق يصعد الدرجات المؤدية . . . إلى النفاق الكبير. . . وسط تلويحات الصياد الذي أحس أنه صافح نجماً سينمائياً . . .
في منتصف السلم الحجري تلامس كتفاهما . . . الصاعد من عري الصراحة والهابط من دنيا النفاق . . . بلغ الصاعد قمة السلم تطلعيا بتفاؤل !! إلى الشارع . . . حيث الناس. . . اختلط بالمارة . . .



