بعد كل هذه السنين اكتشفت أن ما مكن علاقتنا من الاستمرار هو غرابة أطوارها و شخصيتها متقلبة الأهواء ، و أنا رجل يعاني من ضجر مزمن لا يستطيع أن يقرأ رواية كاملة إلا نادراً أو الجلوس على مقعد لمدة ساعتين لمحاضرة تؤكد لنا أن الوحدة العربية مسألة ضرورية ..
و أيضاً لم أعد مقتنعاً بأهمية التراث و الاستماع لأغنية مدتها سنة لأم كلثوم لقناعة جديدة توصلت إليها أن التراث هو مجرد تراث مكانه المتاحف و الأرشيف و أن لا داعٍ لبعثه من جديد فلم يعد لدينا وقت لكل هذه الثرثرات الطويلة ..
" أناندا " القلقة كانت تختفي عني لأشهر ثم تعود إلي بأفكار جديدة مدهشة ، و كنت أحتاجها في هذه الحالات لتبديد الملل المزمن الذي يفتك بيّ ، فمرة تقول أنها قررت اعتناق البوذية
و تحضر لي كتباً عن بوذا و اليوغا و تقول أنها وجدت نفسها في معتقدها الجديد و ترتدي لأجل ذلك ملابس برتقالية تلفها حول جسدها النحيل كهندية ينقصها خلخال فضي تثقب به أنفها ، بالمناسبة فإن اسم " أناندا " إختارته هي لنفسها و قالت لي بعد شرح طويل لم ألق له بالاً أنه اسم يتعلق بالفلسفة البوذية ، و أنا بدوري أعجبت بالاسم و صرت أناديها به و لأنني لا أستطيع بأي حال أن أذكر اسمها الحقيقي في هذا السياق !
" أناندا " لا تلبث أن تشعر بالملل و تقرر احتراف التمثيل لأنها ترى أنها تمتلك وجهاً معبراً و قامة جميلة تصلح للسينما ، وافقتها على هذه الفكرة ولكنني شرحت لها أن ليس لدينا صناعة سينمائية تليق بها و تستوعب موهبتها فقالت أنها ستذهب إلى أمريكا لتجرب حظها هناك .. أعرف أنها جميلة و مضحكة و لكنها بحاجة لأكثر من سنة لإتقان الإنجليزية ، و أثناء ذلك ستشعر بالضجر مجدداً و تغيّر رأيها و قد تفكر باعتزال الدنيا و التفرغ للعبادة و الاستماع إلى أشرطة عمر خالد ..
لم أتمكن يوماً من توقع شكل مزاجها القادم ، و كانت كلما أتت إلى زيارتي بعد طول غياب تسألني : ألا زلت تشتاق إلي ؟ و ماذا تغير فيك خلال هذه المدة ؟
فتجدني و قد غيرت رأيي في أفكار كنت شرحتها لها مطولاً في آخر لقاء و أُفاجئها بقولي أنني بعد تمعن و تحليل عميقين لم أعد أُومن بالمقاومة المسلحة و صرت أحبذ عليها فكرة العصيان المدني و أن لا جدوى من مقاومة أمريكا بمزيد من الشهداء ! لأن أمريكا ستفرض شروطها على العالم لا محالة !!
فتشتمني .. يا متخاذل و ماذا أتوقع من فنان انهزاميّ مثلك ؟ أنت مجرد شخص انطوائي و منعزل .. كما أنك لا منتمٍ و متعالٍ و ..
كانت " أناندا " في هذه المرحلة دخلت في موجة يسارية جديدة عليها و بدأت تقرأ تاريخ
" غيفارا " و ارتدت ( تي شيرت ) أحمر عليه صورة " غيفارا " اشترته من محل في العاصمة تخصص ببيع أزياء أنيقة كلها تدور حول شخصية و صور الثائر العظيم ولكنها أزياء باهظة الثمن لا يتوفر عليها الفقراء الذين قاتل غيفارا لأجلهم ! و لم أجرؤ أن أعلق على ما قالته لي ، كنتُ مُتعباً وليس لدي القدرة على افتعال حوار معها ، اكتفيت بتأملها بإعجاب ، أحب فيها هذه الطاقة المتدفقة و سحنتها المتوقدة دائماً .. بشرة سمراء محمرة
و عينان عسليتان لامعتان وشعر أسود مسدل وقامة فارعة تشبه راقصات السامبا البرازيليات .. و كنت أتسائل دائماً لماذا لا أتزوجها و أنتهي من هذه العلاقة الغريبة ؟
و المدهش أننا طوال علاقتنا لم يقل أحدنا للآخر أحبك .. فكيف سنقفز فجأة إلى فكرة الزواج ؟ ! " أناندا " الصاخبة المجنونة كانت جريئة و كثيراً ما حدثتني عن أصدقائها الكثر الذين كنت أرفض دائماً أن تعرفهم عليّ وكيف أنها كانت تبدلهم باستمرار ، و كنت أحس أنها تغتاظ من تهذيبي العالي إذ لم أسألها يوماً عن أية تفاصيل في علاقاتها هذه .. أحياناً كانت تتعمد إطالة الحديث عنهم و تكشف أشياء جريئة بينما تحدق بعيني توقعاً لردة فعل غاضبة تدفعني لإظهار بعض الغيرة أو ترضي شيئاً من غرورها فأحاول أثناء تصويب نظراتها المرهق نحوي أن أظل أتحدث بهدوء بارد و قاتل بحيث يصبح وجهي كقطعة من الجليد و كنت تدربت طويلاً على هذا الإسلوب حتى أتقنته – كما أعتقد – و كنت أشعر كم تتخابث هي بالإدعاء و المبالغة و تحاول أن تستدرجني إلى ردة فعل من النوع الذي نشاهده في الأفلام الرومانسية بأن أصرخ في وجهها : كفى .. كفى إنك تقتلينني ، أو أن أقلب صينية القهوة أو أخبط يدي في الزجاج و ينزل دمي فتقوم هي و تمسح أصابعي المدماة بمنديل وردي إعتادت إن تحملة - هكذا أتخيل - و تحتضني بقوة قائلة :
سامحني يا حبيبي لم أكن أعرف أنك تحبني إلى هذا الحد فنبكي معاً و في المشهد التالي نتزوج ! و إذا رغبنا بمزيد من الثرثرة و ادعاء الطاقة الإنتاجية للمحبين فهناك أولاد و بنات يفترض أننا أنجبناهم في غفلة من كاميرا المُخرِج أو كاتب النصّ ...
و لكنها لم تحظى مني بشيء من هذا ربما لكسل فطري في شخصيتي أو لأن شخصية نارية مثلها لا تحدها حدود و لا يمكن أن تحتويها أية جدران و بالذات لشخصيتين مصابتان بذات الداء .. الضجر المزمن
كانت تبدي دهشتها أنها كلما ابتعدت لتعود فتجدني إبتدعت إسلوباً جديداً في الرسم لا ينسجم مع اسلوبي السابق قبل أشهر فتقول لي : يا رجل تريث قليلاً أنت لم تخرج بعد من التجربة السابقة .. هذه اللوحات الجديدة و كأنها لفنان آخر غيرك .. و أنا لم أعد أستطيع أن أتابعك أو أفهمك .. فأقول لها : و أنا أيضاً !
كنتُ تعرفت عليها في أحد معارضي عندما كانت تتجول بين اللوحات و تتأملها بنظرة مستهترة و سمعتها تسأل أين الفنان ؟ تقدمت نحوها و كنت أرتدي بدلةً زرقاء داكنة و قلت لها : أنا الفنان . مسحتني من رأسي إلى قدميّ بنظرة طويلة متعالية و قالت بإستهجان :
عن جد !! إنت الفنان .. مظهرك لا يبدو كذلك .
سألتها : و لماذا ؟ ، قالت : يبدو شكلك كمدير شركة ..
أجبتها : نعم أنا مدير شركة .. و لكن هل كنت تتوقعين أن آتي إلى المعرض و الألوان على ملابسي و يداي و وجهي ؟
لم تعجبها إجابتي و مضت تتأمل اللوحات تقترب و تبتعد عنها و أحياناً تلمس سطحها ، أحست أنها استفزتني و أنني أراقبها .. بدأ لي أنها نوع من النساء اللواتي لديهن صورة تقليدية عن الفنان الذي لا بد أن يظهر دائما بشكلٍ مزرٍ ، شعر طويل و هيئة بوهيمية هي نوع من إفتعال المشهدية التي صارت مستهلكة في السينما و الحياة ..
قبل خروجها من المعرض طلبت أن تزورني في مرسمي و فرحت عندما شاهدتني في المرسم بملابس مخضبة بالألوان ، ضحكَتْ و قالت شكلك هكذا مريح و أفضل من تلك الهيئة التي رأيتك عليها في المعرض ، وجدت أمامي زجاجة فودكا فسألتني : هل أنت معتاد أن تشرب أثناء الرسم ؟ قلت : في البداية .. أثناء مواجهة اللوحة لأول مرة لأنني أحتاج لأن أكسر حاجز الخوف .
أحضرت لها كأساً و لاحظت أنها شربته بسرعة و ملأته بنفسها على الفور ، وسألتني وهي تتأمل الجدران و دون أن تنظر نحوي : ألاحظ أن المرأة غير موجودة في كل لوحاتك هل تخاف من المرأة أيضاً ؟
قلت : لا .. عندما أرسم لا أخاف إلا من الرسم .. و بالأحرى أخشى الفشل فكل لوحة هي امتحان جديد بالنسبة لي ..
استمر حوارنا على هذه الشاكلة وكنت أحس أنني أُعيد كلاما قلته لغيرها أكثر من مرة و أن الناس يحبون توجيه مثل هذه الأسئلة للفنانين اعتقاداً منهم أنهم سيكتشفون عوالم غامضة في مثل هذه الكائنات والتي تأتي إجاباتهم أغلب الوقت مفبركة و تصطنع إثارة الدهشة ..
لا أذكر تفاصيل الحوار لأنني كنت مرتبكاً من جمالها الغريب و طريقتها المستعجلة في الشرب إلى أن بدأتْ تثمل بسرعة ثم على حين غرة و لسبب لم أعرفه حتى الآن انهمرتْ بالبكاء .. بقيت مكاني بلا حراك و قد أخذتني المفاجأة و لم أعرف ماذا أفعل .. إقتربتْ مني و طلبت مني أن أحتضنها ، ففعلت ولكن بطريقة حانية تخلو من أية غريزة ، ظللت أربت على ظهرها و أمسح على شعرها حتى هدأت ، رفعت وجهها نحوي بامتنان فقبلتها من جبينها و ابتعدت عنها ، قالت لي أنها تعتذر عما حدث و أنها تشكرني لأنني لم أستغلها ..
كيف أستغلها ؟ و هي تبدو امرأة قوية الشخصية و أنا لست من النوع الذي يقتنص مثل هذه اللحظات من الضعف البشري أو بتفسير آخر أنني لست من النوع الذي يمكن إستغلاله بعد موجة غير مفهومة من البكاء !
و منذ ذلك الحين ابتدأت علاقتنا المضطربة ..
و الآن بعد عشرة سنين على هذه البداية آن لهذه القصة الغريبة أن تنتهي .. " أناندا " أبتعدت هذه المرة أطول مما اعتدنا ، و في آخر زيارة قالت أنه تزوجت من رجل ثري يعمل في التجارة و العقار ، كانت هادئة وشاحبة أكثر مما ينبغي لامرأة مثلها و ترتدي ملابس كلاسيكية محتشمة و أنا توقفت عن الرسم و شركتي الصغيرة أفلست و صرت رجلاً بليداً بلا طموح و لا آمال و أعاني من أمراض مزمنة منها آلام أسفل الظهر القاسية التي أقعدتني عن الحركة .. ذهلت " أناندا " لمظهري هذا و قالت بنبرة حزينة :
واو .. كم كبرتَ يا صديقي .. ماذا جرى لهذا العالم ؟
و أطفأت سيجارتها في فنجان القهوة وخرجت وهي تمسح دمعة حاولت أن تمنعها .. و لم أشاهدها منذ ذلك الحين ..
أستمع الآن لأم كلثوم :
( سنين ومرت زي الثواني في حبك انت
وإن كنت أقدر أحب تاني .. أحبك إنت )



