كان بالنسبة لها يوما حزينا طويلا حاشدا،اشتد برده حتى ان الثلج غطى كل لون حول البيت خلى بياضه ، يوما كثر زواره الذين توافدت جموعهم الى البيت الصغير الذي تسكنه حتى سد بمئات الوجوه التي كان اكثرها عليها غريبا. وسط هذا الزحام كانت مدفوعة غيرمأبوه بها، حتى ممن ساكنوها البيت والفتهم والفوها، احبتهم واحبوها.
لم تدر ما الامر ولعلها لم تكترث بكل الذي يجري من حولها. كان همها ان ترى الشيخ الحبيب من كان لها متعهدا بعطفه وحنانه ، وطفقت تدور بعينها وجسمها في البيت ولا تقع على مفتقدها الشيخ الحبيب.لطالما كانت تراه يلاطفها على ضعفها ويلاعبها دون غيرها ، يتفقد مأكلها ومشربها بيديه المحسنة التي كثيرا ما مرت على راسها بحنو ورحمة . وفي مثل هذه الايام القارصات البرد كان يجعل لها من عباءته نصيبا يدفع عنها بها شديد البرد. لما تزل تذكر كم جلست بين يديه وهو قائم بالليل وحيدا يطيل الوقوف مرة و ملقيا براسه على الارض مستغرقا تارة ، لم تفهم ببسيط ادراكها ما كان يفعل الا انها كانت تشعر بالسكينة والطمأنينه بقربه وبين يديه.
ومرعليها الوقت ذاك اليوم ثقيلا طويلا ، لا هي رأت الشيخ الحبيب ولا هو هتف باسمها مناديا كعادته عند دخول البيت. واختفت الوجوه الغريبة من البيت بعد طول مكث، وعاد مقصورا على قليل ساكنيه. لكن خطبا ما الم باهل البيت ، ان احدا منهم لم يلتفت اليها حتى بعد غياب الزحام ، الكل مطرق مشغول بنفسه، وما هذا عهدها برحمة ساكني البيت واحسانهم.
جالت على المواضع التي كانت مخصوصة لانيسها المسامرالشفيق الراحم شيخها الحبيب تشتم ريحه فيها: سريره مقعده مصلاه كوب مائه بقية اثوابه ، هذه المواضع والاشياء لم يكن احد من اهل البيت يحدث نفسه بالاقتراب منها تأدبا مع الشيخ الحبيب واجلالا ، وكانت من دونهم تصل الى كل شيء يخصه غير مدفوعة ولا ممنوعة.
لقد اعتادت ان يكون مأكلها من يديه الطاهرتين وهي لم تنل نصيبها من الطعام سائر يومها ذاك . وحين انتبهت بنت الشيخ الكبرى لها وتذكرت ان اهل البيت بانشغالهم لم يتعهدوها بطعام ولا شراب ذهبت مسرعة وعادت لها بطعام لتأكله ، غير انها تفاجأت حين اعرضت عنه ورفضت ان تأكل منه شيئا ولا حتى من يدها ! مرت بيدها تمسح على راسها وتحدثها كانما تعتذر اليها عن انشغالهم عنها ، لكن هذا لم يرضها ولم يدفعها لتأكل. عافت الطعام وبقيت ممسكة عنه بانتظارعودة شيخها الحبيب الذي ما فارقها طوال السنين التي ساكنته فيها. وانقضت سبع ليال لا الشيخ الحبيب فيها حضر ولا هي طعمت الزاد شوقا وفقدا وحزنا ، حتى اسلمها طويل امتناعها هذا الى الجوع ينهش من جسمها والى القلق يفترس من بقايا صحتها ، حتى اتاها الموت الذي كانت كانما بفعالها اياه تطلب مذ فارقها الشيخ الحبيب، ولعلها كانت تحدث نفسها ان كلاهما عليها تأخر.
تملك شديد الحزن والتعجب لموتها بنت الشيخ الكبرى وراحت تعد لدفنها ، واعلنت انها ستدفنها بقرب فقيدها الشيخ الحبيب. فأستهجن كل من في البيت الامر واستنكروه، وكذا فعل كل من تسامع من الناس بالامر . وجاء رد بنت الشيخ الحازم القاطع : ( نعم سأدفنها الى جوار ابي ، لقد بكيت ابي الحبيب وبكيتموه دموعا ، اما هذه فبكته حياة وروحا. لقد كانت اوفانا للشيخ الحبيب واصدقنا حبا له ، فحق لها ان ترقد الى جواره طويلا ). و صار الامر حديث الناس بنت الشيخ الحبيب فقدت عقلها ! دفنت الى جوار ابيها الشيخ ( جلال الدين بن الرومي ) واحد زمانه ... دفنت الى جواره قطة نعم قطة !
حسين الصحصاح



