دفع الجسد البض بعيدا وانتفض واقفا، إن الوقت تأخر و ما يزال نائما. لقد عول على الزوجة في ايقاظه ولكن على العكس قامت بتنويمه.
هو متعلق بموعد هام موعد مع الذات الأخرى. يقف أمام المرآة و يتأمل جمال ملامحه و تناثر شعرات و جهه، تلك عادة قبيحة لم يستطع قط التخلص منها. أمام المرآة في ذلك اليوم وقف، ولكنه لم يكن هو، لا بل هو ولكن فيه شيء يختلف.
لم يستطع أن يتبين ما المختلف في مظهره اليوم، إنه مختلف و حسب هذا ما يشعر به.
وبعد تأمل دام مدة ليست باليسيرة إكتشف شيئا مرعبا ، يا لهول ما اكتشف ، وبمجرد احساسه بالإكتشاف تراجع في ذعر، ولسوء حظه ولأن تراجعه كان قويا اصطدمت قدماه بسطل كان في الحمام في المكان غير المناسب وسقط ثم فقد الوعي.
في التاسعة استعاد وعيه، تلاشى كل ألم يشعر به، لم يعد يحس إلا بوخز خفيف خلف رأسه، نظر ناحية المرآة ليتأكد مما قد رآه من قبل. انتفض من شدة الذعر لأن المشهد حقيقي لا غبار عليه. إنه يرى شخصا واقفا من دون رأس فوق كتفيه. إنه هو من دون رأس. يرى و يسمع و يفكر من دون رأس، يشعر بوخز خلف رأس غير موجودة، كيف يمكن لمثل هذا أن يحدث؟
عدى بكل ما أوتي من قوة ناحية غرفة نومه ليوقظ الزوجة. صرخ بأعلى صوته باسمها يناديها و يدعوها للنهوض، حركها بشدة فاستفاقت مذعورة ترتجف.
-مالذي حدث؟
-أنظري إلي جيدا هل ينقصني شيء؟
-ما ما...
قاطعها صارخا:
-أجيبي فحسب.
-لا ينقصك شيء.
-مستحيل، لقد رأيت نفسي في المرآة من دون رأس قبل قليل.
-ماذا، هل جننت!!
لمسته فوق شعره وجذبت خصلات فصرخ ألما.
-أرأيت؟ اذهب و اغسل وجهك، تناول فطورك و استرح فأنت تعب.
لم يستطع أن يفهم أي شيء، لقد شعر بألم حقيقي عندما جذبت شعره ولكن لماذا لم ير هو رأسه في المرآة؟
اتجه ثانية نحو الحمام، لم يستطع أن يدخل إلا بمجهود شاق. أغلق عينيه محاولا التركيز:
-هذه هلوسة، استفق، رأسك في مكانها...
هكذا حدث نفسه بصوت عال في محاولة لجلب الهدوء إلى قلبه، أفلح جزئيا في ذلك، فتح عينيه دفعة واحدة ليبحلق في الصورة التي تعكسها المرآة. و من جديد تراجع مرتعبا، تحسس رأسه الذي لا تظهر في المرآة، صرخ في هستيرية أو في جنون.
أتت زوجته إليه و هي تعدو تسأله مالذي أصابه فجأة في هذا الصباح المشئوم ؟
أشار إلى المرآة بيد ترتجف وكأنها ريشة في مهب الريح، استفهمته بإشارة من رأسها ماذا في المرآة سبب له كل هذا الذعر؟
دقات الجيران على باب الشقة لا تتوقف، صياحهم يبلغ مسامع سي "علال" المفصول عن الحاضر في تلك اللحظة فبدا و كأنه يعيش كابوسا لا يكتمل. الزوجة وحدها استجابت للطرق العنيف على الباب فلبت النداء و فتحت للجيران الذين تدفقوا و كأنهم حمولة واد حبسها عائق عن التقدم. طفقوا يسألون عما جرى و عن الصراخ
الذي انبعث من الشقة و عن صاحب البيت.
أشارت الزوجة إلى الحمام فاتجهوا إليه في زحام لا ضرورة له، دخلوا فوجدوا الرجل مسمرا و كأنه تمثال قد من صخر. حركوه، تكلموا معه، سألوه عما أصابه، لا إجابة و لا حركة.
-لا حول و لا قوة إلا بالله، لقد أصيب سي علال بمس صباحي.
حرك عينيه متجاوزا إياهم، نظر إلى المرآة بعينين خاويتين ثم ما لبث أن أطلق ضحكة اهتزت لها أركان المنزل و أشفقت لها قلوب من حضر من الجيران: -لقد جن سي علال، لقد جن.
الزوجة وقفت موقف المتفرج لا تتدخل بأي شيء و كأن سي علال غريب لا تعرفه، غريب أتى من عالم آخر لا يمت للعالم الذي تعرفه بصلة. تطوع الحاج المكي بتفريق الجمع و ذهب كل منهم إلى حال سبيله، وبقي الحاج لعل سي علال يحتاجه.
سي علال بقي في مكانه أمام المرآة لا يغادره، يحدق في المرآة و كأنه إنسان بدائي أمام تلفاز، أتى الحاج من خلفه يريد جره إلى فراشه، فصاح فجأة وكأنه استيقظ لتوه:
-أنتم جميعا بلا رؤوس، الفرق بيني و بينكم أنني أرى الحقيقة وأنتم لا ترون إلا الزيف.
ثم هوى على مرآة الحمام بيدين لم تعودا ترتجفان، كسرت المرآة و انتثرت قطرات الدم القاني فوق أرضية الحمام البيضاء.
سكان العمارة تعجبوا مما حدث فالرجل كان مثالا للنزاهة، مثقف لا تنقصه الثقافة، متدين لا يفوت صلواته، فماذا حدث فجأة كدر صفو كل ذلك؟
طيلة الأسبوع التالي للحدث سمعوا صراخا و صوت تكسر زجاج، ثم ما لبث سي علال المثقف المتدين أن هام على وجهه بحثا عن رأس و في يده مرآة يستوقف المارة في الشوارع لينظر إلى صورهم التي تعكسها المرآة، و ما زال حتى اللحظة الراهنة يبحث عن رأس و عن شخص برأس.
ابراهيم البوزنداكي
أولاد التايمة في: 05/04/2010
المغرب



