كان ينقل رجليه على الدرج بتثاقل شديد .. كأنه يشد على منكبية حملا ثقيلا يتوق التخلص منه .. قوة خفية جاذبة تحاول شده من دبره ، تكاد تقلبه على قفاه .. يتسمر امام الباب و رغبة جامحة لدية للرجوع . يقرع الجرس ، و بعد انتظار طويل تهرع الطفلة الصغيرة ابنة الخمس سنوات بمداعبة المزلاج الثقيل باصابعها الطرية ، ثم تؤوب الى غرفتها مسرعة ، حزينة ، كسيرة الخاطر و قطرات من دموع تتساقط من حدقات عيناها الواسعتين .. لقد تحولت و منذ وقت قريب ، الى طفلة عنيدة ، متبرمة ، منطوية على نفسها ، تعطلت بذاتها شقاوة الطفولة المحببة ، و لم تعد تستقبل ابيها كما اعتادت ..،
بالامس كانت ترتمي باحضانه ، تلاطفه و تناغيه بصوتها الطفولي الناعم ، تقفز فوق كتفيه و تقبله من راسه و رقبته كعصفور يرفرف فرحا على جذع شجرة وارفة بالحب و الحنان و لكن سرعان ما انقلبت صور الاحساس الجميل لديها ، ثم راحت تنظر اليه على انه ارتكب ذنبا قبيحا تحول بعده الى شيطان مرعب ..
.. كان يتملكه اليأس و القنوط و اطياف الحزن تتبدل الوانها على وجهه فتزيده سمرة و شحوبا .. و حين مر من امامها حدجته بنظرة باردة ، خاطفة ، لم تعره ايما اهتمام ، و كانه طيفا تلاشى على وجه السرعة .. و استمرت بمزيد من الثرثرة مع صديقات لها اخذن يتصفحن عددا من المجلات المتخصصة باخر صرعات الموضه و المكياج و العطور و ملابس النوم الشفيفة .. يتلهفن على تتبع اخبار الفن و الفنانين و يسردن قصص الزواج و الطلاق و الخيانة
.. سحبا كثيرة من لفافات السجائر المشتعلة تتصاعد ، ثم تتلاشى . بصمات شفاة مطبوعة بالاحمر على حواف فناجيل القهوة الفارغة ، و المقلوبة لقراءة الطالع .. نسوة توزعن على المقاعد الوثيرة لففن ساقا على ساق فانحسرت التنانير عن سيقان سمينة ، رفيعة ، سمراء ، بيضاء ، ملساء و قمصان خفيفة تفضح تكورات النهود بذبالتها النافرة .. كانت عيونهن محشوة بالكحل و شعورهن بدت قصيرة و مصبوغة بالاصفر الفاقع .. نكات ماجنة تخدش الذوق و تفض بكارة الحياء ، ضحكات و تعليقات وقحة و صاخبة ..
.. دلف الى غرفته مهرولا كمحارب رجع توا من معركته ، يجرجر وراءه اذيال الخيبة .. تمدد على السرير ، عقص كفيه خلف راسه ، ثم راحت هوام كثيرة من الافكار تطن في راسه المثقل ، صور غريبة و هواجس سوداء تسبح بداخله ، كانها اسماك مفترسة في بحر تلاطم فيه الموج ..
هنا افكار لزجة تتكاثر على اعمدة اليقظة ، فتحجب عنها صحو الخاطر المطمئن .. تتقهقر ثم تعود مسرعة ، يتحايل عليها ، يحاول طردها ، و لكنها سرعان ما تتحوصل لتعود من جديد تنخر بثنايا عقله حتى تبعث بارجاء جسمه قشعريرة المرض ..
لقد تبدلت احواله و انقلبت حياته الى كابوس دائم , بدت و كانها كلاب سود متوحشة تدور حوله ناشبة اظفارها ، مكشرة عن انيابها ، تكاد تنهشه من كل جانب .. و يحاول فزعا الهروب، فينهض مذعورا ملجما بالعرق ..
كم كان الفراق صعبا – قالها في ذاته – بالامس ، كم كان يتوق الرجوع الى البيت ليطالع وجهها المستدير بنوره الطافح .. و كانه شعاع شمس دافئة يطلع مع بزوغ فجر رطيب .. وجة كانه مصباح معلق في عتمة مساء رمادي .. يلقي عليها التحية بصوته الدافيء الوقور ، و الفرح يغمر وجدانه العامر ، فترفع عيناها اليه ، مكحولة ببشاشة يملئها الحنو و الرضى .!
اة .. كم كانت ابتسامتها الخافته التي تفتر عن قسمات وجهها الطيب في غاية الروعة ..!
- الله يعطيك العافيه ..!
- الله يرضى عليك ، رضى قلبي و رضى ربي !
- الله يحنن عليك القلوب القاسية و العبيد العاصية !
- الله يجعلك في عين كل من رآك شمعة مضوية و سكره فضية ..!
تم تستدير اليه بعدما تطوي مصحفا ما فتأت ترتل اياته طيلة النهار .. ثم تنهض تغمرها مشاعل الفرح و الاطمئنان كي تسعى لتحضير الطعام و تسخين رغيف الخبز .. ثم تلتقط عن كتفه معطفه المبلل و تنشره على الاريكة ، وتقرب اليه مدفأة الكاز ..
- اجلس دفي ايديك ، فالجو بارد و المطر في الخارج غزير ..
و لم يزل لسانها يلهج بالدعاء و تكاد تجلسه في حضنها و تطعمه بيدها كما كان تفعل ذلك حين كان صغيرا و نظرات الحب الخالص تتصاعد اليه و تلفه حيثما قام او قعد ..
و حين تغشاة امنة النعاس تسند راسه بمخمدة طريه ، و ترمي عليه غطاءا دافئا ، فتأخذه غفوة سريعة ، يشتم رائحة عرق محببة ، ثم يتسائل : اة كم هي معتقة و مميزة تلكم الرائحة التي تفوح من ثياب الامهات ، انها رطيبة بانفاس غريبة لا سبيل الى نسيانها على مر الايام و تبدل الخواطر ، كم هو ناعم و طري باطن هذه الكف التي تمسح على خديه و تمسد شعره ثم مزيدا من الدفيء يتغلغل باوصاله و هي تسحب غطاء الفرو لتدثره ، و تشد جوانبه على جسده المنهك المبترد ..
همهمات ، و شوشات تسبح في اذنيه كانها غيوم حائرة تدور في الافق ، نعم انها انفاس دافئة و رطيبة تلفح وجهه .. تتمتم بقراءة بعضا من ايات القران و تحبس انفاسها بكفيها ثم تنفخها على صدره و تمسح بها على راسه ، كم كان يشعر براحة غامرة تتبدد معها مخاوفه و اوهامه و تزول احزانه و تنقشع كالدخان و هي تحتضنه ..
ثم تجيش في عقله الخواطر و تزمجر فيه رياح ذكريات عاتية ..
اة .. كم كانت هذه الام مؤنسة و عطاءها و بركاتها تنضح من معين لا ينضب .. طيفها الان يدور في كل مكان ، و لم تزل حكاياها الشيقة مسكونة في ذات الطفله و تحاول مبتهجة ترديدها على مسامع اترابها من حين لاخر .. في كل ليلة حدوته جميلة تقصها عليها باسلوبها الشيق البسيط .. كما كانت تحب حفيدتها و تمشط لها شعرها و هي تغني لها بصوتها الدافيء و هي تعقص باصابعها جديلتيها الجميلتين ، و تشبك فيهما الدبابيس كانها نجوم لامعة ، و في الصباح ترفع عنها حقيبتها و تشيعها الى المدرسة بالتحايا و الدعاء ، في الوقت الذي تغط امها فيه بنوم عميق حتى الظهيرة ..!
.. كانت الدموع تبلل وجهه و الافكار تتلاحق و الصور لم تزل تعصف براسه حين هرع راكضا الى الحجرة الصغيرة التي كانت تبيت فيها امه العجوز .. كان سريرها فارغا ، منكوشا و الملاءات مبعثرة .. التقط الوسادة الطرية راح يشتمها بشوق غريب ، يلثمها بقبلات حرى و يشهق بدموع الاسى و الضمير الخائب .. فتح دولاب الملابس ،
.. هنا اشياء كثيرة مبعثرة ، و كانها بقايا لانسان هجرها منذ زمن : سبحة طويلة لاذكار الصباح والمساء ، عددا من صور الطفولة ، شال لم يزل يحتفظ برائحتها المعهودة ، بعضا من ابر الخياطة ، لفائف خيوط ملونة ، علبة تمتليء بازرار غير متشابهة .. قوارير ادوية فارغة .. نظارة قديمة تهشمت عدساتها و بقايا كسرات خبز متعفنة .. ثم تسمر في مكانه و ارتعدت فرائصه حين طالع نظرات عتاب قاس لصورة ابيه الملصقة على احدى درف الدولاب، بدت تصرخ في وجهه و كانها تبصق عليه و تشده من ياقته بكل اسى ثم ترميه ارضا و كان صوته يجيء زاعقا ، غاضبا ، ساخطا :
- انت ولدا جهولا ، لقد فرطت بالامانة ..!؟ فلن تنجو من غضب الله .. و لن يرحمك !؟
اة .. كم كان يوما قاسيا و عسيرا و مشهودا حين طاوعته نفسه و نزل عند ارادتها ، تلكم الزوجة الخبيثة الحاقدة وهو يحمل امه العجوز الى " دار المسنين " .! انه يستذكر ذاك اليوم الذي راح يجمع لها اغراضها ، و يحزم لها حقيبتها .. ثم تأبطها ، و هي تجر قدميها و تميل على جنبيها و عيناها تلوجان بنظرة الوداع .. الى سفر غير معلوم ، الى مقرها الاخير ، و دموع الحسرة تبلل وجهها الوضيء فتلتقطهما بمنديلها الحزين و كان عيناها قد تحولتا الى ينبوعان يفوران بماء مالح ، يومها حضنت الطفلة و قبلتها و قد تشبثت بذيل معطفها ، باكية ، مولولة ، متوسلة تارة الى ابيها و تارة الى امها ، فتشدها بعنف و حنق ثم تسرع بصفق الباب من خلفهما بلا مبالاة او تردد او شفقة ..
لقد تحولت الذكريات بذاته الى سهام نارية غاضبة تخترق قلاع عقله المتوهج ..
نهض من مكانه يجر ذيول الندامة ، شادا على يد طفلته التي غمرتها الفرحة و بيدها ياقة من ورود جمعتها لجدتها و بعضا من اقراص النعناع التي كانت تحب .. و انطلقا سوية الى " دار المسنين "
نهضت مشرفة الدار عن كرسيها وهي تفرك باصابعها و تذرع ارض الغرفة بخطوات مترددة و قد بدت على محياها نظرات الاسى و الحزن قائلة :
- لقد تأخرت كثيرا يا سيد .. ؟!
- لن يتسنى لك استرجاع والدتك او حتى رؤيتها على اقل تقدير ..!؟
ثقل لسانه و انزلقت الكلمات من فمه مبعثرة ، مبحوحة ، و كادت نبرات صوته تختفي و يغشاه خوف شديد مرددا :
لـ لـ لـ لماذا .. لماذا – خيرا انشاء الله !!!
- هل حصل مكروة لها ..!؟
اجابت السيدة : لقد تأخرت كثيرا يا ... ! حاولت الاتصال بكم مرارا لاطلعكم على حالتها الصحية ، للاسف كانت زوجك في كل مرة تغلق سماعة الهاتف قبل ان تسمع منا النداء .
لقد تدهورت صحتها في الايام الاخيرة و انقطعت شهيتها عن الطعام ، و هي لا تنفك عن البكاء في جوف الليل ، و كان صوتها مثخنا بالدموع وهي ترتل القران بخشوع و تتضرع الى الله ، لقد ذرفت دموعا غزيرة مشوبة باللوعة ، ثم غابت عن الوعي ...
.... الوالده الان اصبحت في ذمة الله ..!!!!!!!
و حين رفع بصره الى السماء كانت هناك سحابات سود تتأهب للنزول ..!



