انقضى يوم آخر من هذه الأيام المتشابهة و الرتيبة بين أكوام الرمل و الطوب و الاسمنت و رائحة العرق المتضوعة من جلود العمال… منهكين تحت هذه السماء الرءوم التي تأبى إلا أن تظلل جميع البشر دون تحيز أو تفضيل ...مسكينهم و موسرهم...شقيهم و سعيدهم . بعيدا عن تلك الحسابات الضيقة التي يأبى الإنسان إلا أن يحشر نفسه فيها عادلا حينا و جائرا أحيانا.
جمع سليمان أدوات البناء استعدادا للمغادرة ،و خاطب صاحب البيت – ما رأيك يا سيدي في هذه الدار و قد
استوت و اكتمل بنيانها -
قال الرجل مبديا إعجابه بجودة البناء و معبرا عن امتنانه و عرفانه لهذا البناء الحاذق – انك رجل مجيد لمهنتك يا سليمان و أنا سعيد لاكتمال بناء الدار على يديك ، بجودة فائقة و في ظرف قصير-
تهللت سحنة البناء فرحا بهذا الثناء و أردف قائلا و قد دس يده في جيبه- و ها هي مفاتيح الدار يا سيدي ، أتمنى أن تبتهج زوجك و يحتفي أولادك بذلك المسكن الجديد –
هم سليمان بالانصراف ..لكن صاحب البيت يستوقفه .. أخرج حزمة من المال دسها في يد البناء و هو يقول - مشكور على جهودك المخلصة يا صديقي-
انطلق سليمان في طريق العودة إلى بيته و ذويه و السعادة تغمر قلبه . في جيبه المنتفخ يرقد مبلغ محترم من المال قد قارب الألفي دينار... انه طيلة السنين الثلاثون التي أنفقها في هذه الحرفة المضنية ، لا يذكر قط أنه ظفر بمثل هذا المال دفعة واحدة... هنا لمعت في ذهنه فكرة سرعان ما استحالت إلى قرار ،لقد عقد العزم على أن يكف عن البناء فصحته لم تعد تسعفه على تجشم الصعاب و بذل الجهود التي ينفر منها ذووا البأس من الشباب ،ثم إن من حقه أن ينال قسطا من الراحة والاستجمام بين زوجه و بنيه.
خاطب سليمان زوجه بعد أن فرغا من تناول الشاي – سأفرغ لك و للأولاد و لشيء من الاستجمام ،و سأودع تلك الحرفة المضنية إلى الأبد –
قالت المرأة في شيء من الارتياح – لطالما نصحتك أن تهتم بصحتك و تلتمس عملا آخر أقل مشقة ،و ها أنت تصغي إلي أخيرا –
رنا سليمان إلى كؤوس الشاي التي كانت مترعة للتو ثم استطرد قائلا – لقد فكرت مليا أن أستثمر ما اجتمع لدي من مال في الاتجار بالقمح و الشعير و الذرة –
ضحكت الزوجة بصوت عال فاجأ الرجل ،و قالت مستفسرة – ومنذ متى كنت تفقه في شؤون التجارة و القمح و الشعير يا مشيد الدور و الصروح و القصور ؟-
تغافل الزوج عن سؤال المرأة و قد استحوذت عليه تلك الفكرة و بدا كأنه ماضي العزم في تحقيقها ... قال بعد شيء من الريث – ستخرج القافلة صبيحة الغد إلى بعض البلاد لجلب القمح و الشعير و الحنطة و الذرة-
أطرق الكهل هنيهة و تابع و هو يرمق خلسة ما يرتسم على طلعة زوجته من انفعالات- لقد أودعت كل مالي عند أحد الأصدقاء و أوصيته ألا يرجع إلا و بحوزته تلك الحبوب و البقول-
و في نبرة حازمة قالت المرأة – و كم تعتقد عدد الأكياس التي سيبتاعها صديقك بمبلغ ألفي دينار؟؟-
قاطعها البناء في لهجة اعتراف – بلى أوافقك الرأي أن عدد الأكياس لن يزيد عن عدد أصابع اليد لكنها البداية يا عزيزتي ،و لاحقا ستنمو تجارتي و تمسي تلك الأكياس بعد فترة تعد بالمئات -
انطلقت تلك القافلة في مسيرها تشيعها عيون سكان القرية و دعواتهم لها بالظفر و العود الأحمد...و كان صديق سليمان و يدعى شريف حريصا كل الحرص على مال صديقه فهو يتعهده بالحراسة أكثر من أمواله ... تصل العير بعد لأي إلى تلك البلاد البعيدة ...لكن شريف يفشل في العثور على ضالته فقد ألمت المجاعة و الجدب بتلك البلاد ،و عز القمح و الشعير و افتقدا من الأسواق ...احتار الصديق فيما يصنع و تذكر كلام سليمان الذي لا يزال يرن في أذنيه – إياك يا شريف أن ترجع بالمال و ليس بالبضاعة – و استشعر شريف ثقل هذه الوصاة ،فلا قمح سيبتاعه و لا شعير و لا حنطة ...و سأل نفسه هذا السؤال الذي ألح عليه كثيرا – ماذا سأشتري بهذا المال إذن؟؟-
أخذ شريف يتمشى في الأسواق و قد طاش عقله حقا...و بينما هو سائر و قد بدأت الشمس تميل إلى مغربها ،إذا منظر يستأثر بالأبصار و يسلب الألباب ...شيخ كبير قد اضطجع على بطنه ...ميو..ميو... أقبل هر قوي البنية و اعتلى ظهر الشيخ و راح يتمشى فوقه برفق و أناة... و في مواضع مختلفة و بقوائمه الرفيعة أخذ الهر يدلك و يدعك ظهر الشيخ ببراعة و مهارة تعجز عنهما أيادي ألمع المدلكين و أشهرهم صيتا .يحدث كل ذلك وسط دهشة رهط من الناس كانوا قد تحلقوا حول الشيخ .
حين انصرف القوم مأخوذين بهذا الهر الفنان ..تقدم شريف من الشيخ الذي اعتدل في جلوسه. خاطبه – حياك الله ،كيف تجدك يا عماه الآن –
أجاب الشيخ – في أتم الصحة ،إنني كلما شكوت وجعا في ظهري عمد هري الظريف هذا إلى تدليكه ،و ما هي إلا سويعة حتى أنقلب إلى أهلي معافى و موفور النشاط كأنما استعدت شبابي مجددا-
بهت شريف بهذه الرواية المحيرة حقا ... قال و هو يخفي انبهاره و يصطنع عدم التأثر – أريد أن أبتاع منك هذا الهر فكم تطلب مقابل ذلك؟-
كان قرار الشراء هذا مفاجئا لشريف قبل الشيخ . فقد حدث نفسه عندما سمع قصة ذلك الهر العبقري – ما دمت لم أستطع شراء ما أوصاني به سليمان فسأشتري له هذا القط ... قد يرمونني بالمس و الجنون لكن سأشتري هذا الهر لسليمان مهما كان الثمن –
و فوجئ الشيخ بعرض شريف و بخبث راح يتلكأ في الجواب كي يغتنم هذه الفرصة الذهبية ما وسعه ذلك...و قال أخيرا- لا أظنني سأبيع هري العزيز أو أفرط فيه،فبين قوائمه الحانية أجد الشفاء دائما –
قال شريف متبرما من خبث الشيخ – سأعرض عليك مبلغا لن أزيد عليه درهما واحدا-
ثم أردف في لهجة حاسمة – ألفي دينار لقاء ذلك الهر-
جحظت عينا الشيخ فجأة و انتصب واقفا – هل أنت جاد في عرضك يا هذا ؟ أم هو مجرد لغو مجالس ؟- بخفة أخرج شريف المال من بين أثوابه و دفعه إلى الشيخ ...و ما هي إلا لحظات حتى كان الهر الثمين يضطرب في كيس يحمله شريف و هو يحث الخطو في شوارع البلدة لكي يدرك قافلته التي ستنطلق عائدة مغرب ذلك اليوم.
سار الركب يوما أو بعض يوم ،و إذا برئيس القافلة و رفاقه ينزلون ضيوفا على دار ثري بينه و بين الرئيس مودة قديمة...و يحتفي الثري بالركب و يكرم و فادتهم و ينزلهم قاعة كبيرة لم ير القوم مثيلا لها قط . يأمر بالطعام و الشراب.. و بينما المسافرون في أكل و شرب و انبساط ، إذا بفأر يجري هنا و هناك و إذا فأر ثان و ثالث يثبون في أرجاء القاعة...و يبدو الضيق و السأم على و جوه الضيوف .لكن الرجل الثري يتدخل مكرها و هو يصطنع ابتسامة مقتضبة – و الله يا إخوان قد هزمتني تلك الفئران اللعينة ،فهي منتشرة في الدار كما الجراد.. و الذي يؤلمني كثيرا أنها بارعة في ثقب و خرم و إتلاف أكياس القمح و الشعير و ما شابه ذلك ،و ما و جدت لها رادعا قط -
في تلك الأثناء كان كيس شريف يضطرب بعنف أحرج الرجل و أخجله . و اذا بالهر يثب من الكيس فجأة و ينقض على تلك الفئران فيمسكها ثم يعمد إلى خنقها بمخالبه واحدا واحدا حتى قضى عليها جميعا، وسط ذهول الحاضرين و صمتهم المطبق...و لعل أشد الناس إمعانا في الذهول و الدهشة هو ذلك الرجل الثري. نطق الثري أخيرا و هو يصفق ابتهاجا و الغبطة توشك أن تثب من عينيه- لمن هذا الفارس المغوار يا قوم؟ -
نطق شريف بعد لأي و قد استحوذ عليه خجل شديد – انه هري يا سيدي و إني نيابة عنه أعتذر على صنيعه –
لكن الرجل الثري قاطعه ضاحكا – تعتذر عن ماذا يا أخي؟ بل أنا أشكرك ممتنا ، فقد خلصني هرك ذاك من الكابوس اللعين الذي أقض مضجعي سنوات طوال –
ابتسم شريف و قال – نحن الذين نشكرك على رعايتنا و حسن ضيافتنا –
قال الثري – بكم تبيعني هذا الفارس ،أقصد ذلك الهر،اسأل ما تشاء من الأموال –
صمت شريف مليا و قد أحس أن الواجب يحتم عليه أن يذعن لإلحاح هذا الرجل الذي أكرم و فادتهم و قال عابثا – و الله يا سيدي لم يسبق لي التجارة بالهررة من قبل-
وانفجر الحضور ضاحكين ... قاطعهم الثري قائلا – اسمع يا هذا سأعرض عليك عرضا لا أظن أحدا سيعرضه عليك بعدي-
و أردف و هو يفتل شاربه الرفيع – عشرون بعير محملة بالقمح و الشعير و الذرة لقاء هذا الهر-
فغرت أفواه الحضور لهذه الصفقة السخية ...و لم يجد شريف بدا من قبول تلك الصفقة و الفرحة تكاد أن تحلق به في السماء.
و في المساء انطلقت القافلة عائدة إلى بلادها.. و في أثرها يسيرعشرون بعيرا محملة بالخير الكثير، يقودها شريف و هو يحدث نفسه – يا لك من رجل محظوظ يا سليمان -



