صدقة يا محسنين. صدقة يا مؤمنين " مد ذراعه المتخشبة من أثر لفح الشمس و لسع البرد...جعل يلهج بتلك الكلمات كأنما يمارس طقسا مقدسا من طقوس العبادة. ذراعه لا زالت ممدودة في الهواء في إصرار لا يعرف الكلل أو الملل...توشك ذراعه العنيدة تلك أن تلامس وجوه المارة و ثيابهم عن غير قصد حينا و عن قصد أحيانا. لسان صاحبنا لا يكف عن الطلب و الإلحاح فيه .تتقاطر منه كل المفردات الناعمة و المتوددة التي تسعى للظفر بقلوب هؤلاء البشر...و حدها تلك المفردات كفيلة بأن تبث الرقة والرأفة لحال هذا البائس الملتصق أبدا بالجدار. ثيابه الرثة إن صح أن تدعى ثيابا تثير الشفقة حقا...عباءة أحالتها الرقع إلى تضاريس تدعو إلى الضجر.
و نعل تفشت فيه الثقوب كما تتكالب الكواسر على فريستها...أما العمامة فهي أقرب إلى القمامة الكريهة منها إلى غطاء يلف فيه رأسه. ذلك الرأس الأشيب الذي يعد وليمة دائمة لكل ألوان القمل و الحشرات . " حسنة يا محسنييييييييييييييين" جهر المتسول بصوت أجش مجتهدا أن يستثير جيوب المارة عسى أن يقذفوا في منديله ما جادت به أنفسهم...كان يقف على الرصيف المهتريء الذي أنهكته الرطوبة و أجهده الغبار. هواء الصباح كان يصنع ملامحه رائحة العرق و أدخنة العربات الغاضبة و روث البهائم و عطر أنثوي محتشم.
(سررررررررررن) عبثت أصابعي في كمشة من النقود الراقدة في جوف جيبي...نقدت ذلك المتسول البائس بعضا منها. كنت أطمع أن أشيع في قلبه شيئا من الفرح في هذه الصبيحة التي تئن تحت كتل جبارة من الغيوم القاتمة...تلقفت أصابع صاحبنا تلك النقود و أفرج من بين أسنانه البيضاء عن بسمة راضية. كنت أحسد في قارة نفسي هذا المتسول...لقد منحه القدر صفين من الأسنان الناصعة البياض كما اللؤلؤ . كنت لا أستسيغ ذلك المشهد المترع بالتناقض و أحدث نفسي قائلا – كيف يجتمع في جسد واحد تلك الأسنان الآسرة و هذا القدر الكبير من القذارة- و سرعان ما أمضي إلى مكتبي المتواري هناك وسط كوكبة من المكاتب الفقيرة والتي يضج بها مقر مصلحة الموظفين... و حين تأذن الشمس بالمغيب أقفل عائدا إلى بيتي مكدودا ليصدمني مجددا صوت صاحبنا "صدقة يا كرااااااااااااااااااام " تكاد أحرفه أن تخترق طبلة أذني المتعبة...لقد كان المتسول في قمة النشاط و العزم. منتصبا في إصرار وسط ذلك الرصيف المتخم بالمارة.
مضى شهر و شهر...ألمت بالبلاد نكسة مالية أجبرت السلطات على أن تستبدل الأوراق النقدية القديمة بأخرى جديدة و أمهلت المواطنين شهرا واحدا فقط لكي يغيروا ما لديهم من الأوراق النقدية...و تقاطر الناس فرادى و زرافات على المصارف و البنوك للظفر بتلك الأوراق النقدية و التخلص من الأوراق النقدية القديمة...بعضهم كان يحمل كيسا و البعض الآخر أكياسا من الأوراق. و أما الأغلبية الساحقة مثلي فكان بحوزتهم حفنة ضئيلة من الأوراق...حملت في ذلك الصباح كل مالي و يممت شطر المصرف كي أظفر بالأوراق النقدية الجديدة....مــــــــــــــــــــاذا؟ أفرجت شفتاي عن آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه طويلة أطول من نخيل العراق. صرخت دون أن أشعر و جف الريق في حلقي من هول ما رأيت. لقد صدمني المشهد و لم أصدق...فركت عيني طويلا كي أستبين المشهد بجلاء...صاحبنا المتسول هناك في أقصى المصرف و في كامل أناقته. بدلة ايطالية فاخرة تزين جسده الناحل .و سيجار لا يدخنه إلا المترفون يضطرب بين أصابعه ...كان المتسول يفتح في أناة حافظة نقود ضخمة جدا. كانت مترعة بشتى أنواع الأوراق النقدية. لقد جاء مثل الآخرين ليستبدلها بأوراق جديدة...



