في يوم من أيام الأحد السعيدة التي أخلع فيها رداء الفتاة العاملة ( و الذي امقته احيانا و أمقت معه قاسم أمين بالمرة), و أرتدي مريول مطبخي الاخضر الجميل, إذ لا أحب إلى قلبي من التفنن في خلط البهارات و التي غالبا ما أخطئ في مقدارها مسترشدة في دقة يابانية بوصفة كتاب " شوميشة" ضاربة عرض الحائط اول نصائح امي في فن الطبخ: " عينك ميزانك"... و غالبا ما تخفق تعليمات شوميشة و تنتصر عليها قاعدة أمي و التي تتوارثها نساء هذا البلد حفيدة عن أم عن جدة, لكن لا بأس بذلك فإذا كان هناك شخص سيلعن طبخي فهو أنا
قررت أن أطبخ في هذا الأحد الذي بدا سعيدا في أوله
" طاجين بصل"... كم أجده شاعريا...نعم البصل! كيف لا و أنا أذرف على شرفه من الدموع ما لم اذرف حتى بعد مشاهدتي للتيتانيك
عند أول ورقة خلعتها عن معطفه السميك نزلت أول دمعة, و معها سمعت نقرا على باب ذاكرة أوجاعي التي تنتظر منذ زمن حصتها من الدموع... أيقظها "البصل"... فانهمرت بسخاء كتلك الشتاء التي أغرقت ذات صباح رمضاني عاصمة بلادي (لهشاشة بنياتها) لتحيلها الى فينيسيا المغرب العربي رغما عن أنفها , لم ينقص من شاعرية المنظر إلا غياب الغناديل (les gondoles)
و تسائلت إن كان البصل قد وجد أيضا دروب قلبي هشة بتلك الدرجة ليقتحمها بتلك القوة و يعبث بها ذاك العبث... بكيت بصدق و حرقة...و تبرأ "البصل" من دمعي, و همس لي في خبث: " ليس ذنبي إن كنتن انتم النساء
"تصنع الواحدة منكن دموعا تكفي رجال العالم باسره
و تهادى أمام عيوني شريط لكل تلك الاحداث التي تستحق أن نطهرها بالدموع ثم نكفنها بالورق ,عل شبحها يكف عن قض مضاجعنا كل مساء
بكيت الشباب الذي يموت على سواحل العار, تاركا وراءه أما باعت مصاغ زفافها لتشتري به قبلة صادقة على المعصم الذي خلع السوار, فإذا بها تزف فلذة كبدها قربانا للبحر...و إخوة ودعوه بعيون صغيرة امتلئت
دموعا و أملا أن يعود يوما و قد حمل صندوق سيارته بملابس جميلة تكسو عراء أيامهم, فإذا به يعود إليهم ذات مساء محملا في صندوق كئيب يحمل ما تبقى من جسد التهمه البؤس قبل ان يغدو وليمة لاعشاب البحر
بكيت تلك الطفلة "ملاك" ذات الثمانية سنوات التي حرمت التعليم لأن الدراهم التي ستشتري بها كراسة يتيمة كيتم ابتسامتها الخجولة المترددة اولى أن تشتري بها رغيفا يسكت صراخ جوعها.
بكيت ذاك الشيخ الوقور الذي اراقبه كل مساء من شرفتي, واقفا في اشارة الضوء الاحمر يبيع مناديل ورقية و لا يغادرإلا بعد أن ينضب الشارع من السيارات الفارهة و التي تساوي كلفة طلاء بعضها رقم معاملاته للستة أشهر القادمة
بكيت ذلك التلميذ النجيب الذي خولت له علاماته الممتازة الدخول لإحدى مدارس القمة... ولكن لعجزه عن تغطية تكاليف احدى هذه المدارس اختار (أو أجبر) على أن يرمي طموحه في نهر الخيبة الراكد و يدفن رفات أحلامه خلف قامة جبل سحيق يصل اليه بعد أن يستقل جميع أنواع المواصلات ( تعرفون اللازمة) ليدرس أطفالا لا يفهم لغتهم ولا يفهمون لغته ولا يصل عيونهم الخائفة المندهشة إلا صدى صوته الغاضب, الناقم على سادية الايام التي اغتالت بوحشية أجمل أحلامه
بكيت شبابا في عمر الورود يحرق زهرة أيامه في التنقل بين الفضائيات (أو إن شئتم الفوضاويات) وتتبع أخبار فساتين تلك النجمة أو قصة شعر ذلك النجم, و أقصى ما يتمناه ( بعد ربح المليون, و إن كان لا يجرؤ على الحلم بذلك لتواضع معلوماته ) هو أن يختاروه في ستار أكاديمي (على بشاعة صوته) ليزيد رأسا في طابور "الضياع أكاديمي" و " الحسرة أكاديمي
بكيت و بكيت و بكيت... ثم كففت دموعي...ليس لأني لم أجد شيئا اخر ابكي عليه... فليس أكثر من "بصل" الاحزان في وطني... لكني سكنت و ابتسمت لأني تذكرت مقولة جميلة تهمس أنه: خيرلك أن تشعل شمعة من أن تلعن الظلام, و لكن سرعان ما انطفئت ابتسامتي عندما فكرت أن مخزون العالم باسره من الشمع لن يكفي لإضائة بؤس قدر سكان حي صفيح واحد في مدينتي
احسست براحة غريبة بعد نوبة البكاء "النسائية" تلك, و فكرت أن أنصح كل رجل يقرأ مقالي في أن يسأل زوجته أو أمه أن تمنحه شرف تحضير طاجين البصل, سيمنحه ذلك عذرا رائعا للبكاء على كل تلك الاشياء التي "تستحق البكاء, دون أن تلاحقه عيون "انثاه المفضلة" المستغربة و المستنكرة التي شبت هي الاخرى على نفس العبارة البلهاء " أتبكي الرجال؟" متناسية أن بعض النوائب تبكي حتى "الحجر"
شهية طيبة



