أنوار باهتة انتشرت بعد انتظار طويل أوشك أن يكون مستحيلا.. أزاحت ذلك الوشاح الرمادي الذي كان يلف المكان لساعات طويلة تخللتها زخات المطر الباردة.و النسائم الهادئة و نعيب الغربان. في هذه البؤرة التي يتقزز منها جل الناس .. و طائفة من الناس قد ضجروا من هذه الحياة ، يعتبرون هذا الموقع مأوى ترتاح فيه أجسادهم و عقولهم من عناء الدنيا و شقاءها في نومة أبدية و سرمدية...و قد يستخف منها بعض الطائشين و
يزدرونها بقولهم – مزبلة البشر- .
انتبه منصور من إغفاءته الطويلة على صياح حفار القبور و هو يزمجر قائلا – أما آن لك يا ولدي أن تبيت في فراشك ،و تدع حفرة القبر هذه لصاحبها الذي سيدفن هذه الظهيرة...إن القبور جعلت للأموات و ليس للأحياء-
و أجاب الفتى و هو يتمطى و ينفض التراب العالق فوق شعره – لا تبتئس يا عماه ،فإنني لا أجد لذة النوم إلا في ارتياد هذه الحفر و المبيت فيها ،بعيدا عن ضوضاء الناس و أذاهم -.
رد حفار القبور و قد ارتسم الاهتمام على ملامحه – أنا متحير في أمرك ،شاب مثلك قد قارب الثلاثين تنقطع عن مباهج الدنيا و زخرفها ، و إذا جن الليل تقبل على قبر قد حفرته للتو فتتخذه فراشا تبيت فيه إلى انفلاق الفجر-.
قال الفتى و هو يتأمل القبور المتناثرة أمامه بعين فاحصة – لا تكترث لأمري يا عم ،فقد أمضيت حولا كاملا على هذه الحال ،و أشعر صادقا أن وجودي بين هؤلاء الأموات أفضل لي من بقائي بين الأحياء –
و قاطعه الرجل العجوز في نبرة استجداء – ألا تخبرني بما يدور في خلدك يا بني ،فأنا لا أعلم أن أحدا من الأحياء في هذا العالم الفسيح يستسيغ أن يترك ذويه و فراشه الدافئ لينزل في قبر من هذه القبور التي أعدت للموتى ،و يكابد برد الصقيع ،و يتحمل لسع الهوام و يطمئن إلى هذا المكان الموحش المخيف –
رد منصور كأنما يريد تغيير مجرى الحديث – أتعلم يا عماه أني أغبطك على محياك بين هذه القبور الوادعة المطمئنة ...فلا أحد من الموتى يقدح كرامتك بقول بذيء أو يخدشك بمساءة ،و لا أحد من الموتى يلتوي عليك بدين أو ينكر لك جميلا –
وابتسم العجوز و قد استهواه ذلك المدح و التقريظ و قال – إنها لقمة العيش هي التي ألزمتني أن أحيا في هذا المكان الجدب و المقفر...اسمع يا فتى ،عام كامل و أنا أحاول عبثا استطلاع دخيلة نفسك فما أفلحت –
و غادر الشاب المكان قائلا بصوت متهدج و دونما التفاتة – اعتن بتلك القبور يا عم و خلصها من تلك الحشائش ،فأن تلك القبور لو تحدثت إليك لأنبأتك بالعجب الذي يذهب بالألباب –
و الحق أن حفار القبور قد اعتاد كل صباح أن يصادف الفتى ممددا في إحدى الحفر المعدة للدفن و هو يغط في نوم عميق،و الحق أيضا أن العجوز كان يدهش لهذه المفاجأة غير السارة فيقف حائرا أمام هذا اللغز المستعصي عن الإجابة..
و ليس حفار القبور وحده من كان يقف ذاهلا أمام هذا المشهد المقزز فقد كانت أسرة منصور تقاسم الرجل العجوز ارتياعه و ذهوله...بل إن والدة الفتى كانت يغشى عليها فرقا و كمدا إذا بلغ أسماعها أن ولدها قد غادر سريره للمبيت في حفرة من تلك الحفر الموحشة وسط تلك المقبرة الموغلة في البعد خارج القرية.
لقد كان منصور قبل أعوام مضرب المثل في الجامعة ،انه الطالب اللامع و النابغة في قسم الهندسة...و تخرج الفتى بتفوق و امتياز ،و لكن مخالب البطالة تفترسه و تمعن في إيلامه .فقد أعيته الحيلة في التماس الشغل و طرق جميع الأبواب المؤدية إليه ،و يتبرم الفتى من هذه الحال المنكرة و يضيق ذرعا بالدنانير التي يلقيها إليه أبوه وجه كل نهار...و تتصل أيام القعود و الفراغ فتبلغ أربعة أعوام خانقة كأنها الدهر.
و يقبل يوما بعض الصحب على منصور فيجلسون و يطيلون الجلوس ،و يتسامرون و يتمادون في السمر ،و إذا تقدم بهم الليل يكون الفتية قد بيتوا أمرا جللا ...لقد عقدوا العزم على السفر. إلى أين ؟.
– إن صاحب الزورق مستعد أن يؤجره لنا بعد أسبوعين و بمبلغ أربعون ألف دينار للراكب الواحد ،و سيكون الإبحار نحو ايطاليا بعد منتصف الليل – قال أكبرهم سنا سعيد منهيا ذلك اللقاء الطويل.
و اتفق القوم على الاجتماع مرة أخرى حينما تجمع الأموال لدفعها إلى صاحب الزورق...و قد شق المبلغ على منصور و رفاقه و استعظموه ، فلجأ إلى الاستدانة من ذويه ،و قد باعت والدته شيئا من مصاغها و قد كتم عنها حقيقة سفره ،و أخبرها أنه في حاجة لهذا المال للانطلاق في مشروع مع رفاقه.
و جمعت الأموال بعد لأي و عناء فجل الصحب من الطبقة الكادحة...و أزفت ساعة السفر،و تسلل الرفاق كاللصوص ليلا إلى موضع الانطلاق الموعود ،و فوجئ الجميع بزورق خشبي مهتريء ،فأوجسوا منه خيفة في بادئ الأمر و لكنهم أذعنوا لقرار الرحيل في نهاية المطاف.
تحلق الفتية وسط الزورق و قد احتملوا كفايتهم من المئونة و الوقود و الماء ،و كان البحر رائقا يغري بالمسير و السماء صافية الأديم و قد ازينت بالأنجم الوضيئة ،و أبحر الزورق يشق الماء في رفق و تؤدة ...و احتفى الصحب بالإقلاع و تبادلوا التهاني ثم أسلموا أنفسهم لسمر وادع و أمل في أن يترجلوا على أرض ايطاليا الساحرة ،و هناك تبدأ معركة جديدة مع النجاح و التفوق و المستقبل اللامع.. .لكن أصابع الغيب كانت تحيك لهم من الرزء و البلاء ما لا يعلمون...
و لم يمض جزء يسير من الليل حتى أخذت الريح تعصف و بدأ الرعد يقصف.. فجأة زمجر البحر و علا الموج من كل مكان ،و تهادى الزورق على الماء برفق حينا و بعنف أحيانا...لكن البحر يأبى إلا أن يمعن في ثورته و غضبه و يرتاع الرفاق لهول الخطر المحدق بهم و تبلغ القلوب الحناجر،و بحركة خاطفة تتقدم موجة صاخبة فتقصم ذلك الزورق إلى قطع متفرقة من الألواح ...و بين ثنايا هذا الموج المتلاطم يتبدد شمل الرفاق بين غريق يصارع سطوة الماء و بين عالق بتلك الألواح يتشبث بأمل باهت في الحياة .
و هلك الفتية جميعهم ما عدا منصور و رفيقين عثر عليهم غير بعيد عن ساحل الوطن متشبثون بخشبة وهم فاقدون للوعي تماما...و بعد أيام عصيبة عاد منصور إلى الحياة أو عادت الحياة إلى منصور،و لكن مع كثير من الشرود و الذهول ألما بالفتى...فقد زهد منصور في الحياة و آثر الانطواء على نفسه و اعتزال البشر كأنما به شيء من المس ثم قرر في الأخير أن يهجر فراشه و منزله و يأوي إلى تلك المقبرة الموحشة فيتخذ من حفرها و لحودها موئلا.
استفاق حفار القبور باكرا هذا الصباح فأمامه شغل كبير هذا اليوم...إن عليه أن يجتث كل الحشائش العالقة بين أحجار القبور،و تنقل العجوز في أناة و هو يقتلع أكوام الحشائش و أشعة الشمس اللافحة تفترس الأخاذيذ الغائرة في جبينه العريض..أووووووووووووه....توقف مشدوها أمام حفرة قبر و ألقى الحشائش من يديه و قال في صوت خفيض – ماذا ...منصور ثانية؟ ألا تريد يا بني أن تقلع عن النوم وسط الحفر؟- ثم مد يديه ليوقظ الفتى كما تعود أن يصنع من قبل ...لكن ؟؟؟؟ إن يدي منصور باردتين كأنهما قدتا من قطع الثلج ،و سحنته صفراء كقشرة الليمون... حاول عبثا أن يوقظ الفتى ،لكن منصورا كان مسجى و ممددا في تلك الحفرة إلى الأبد...فقد كان الشاب جثة هامدة و قد ضم بين ذراعيه قطعة من خشب ذلك الزورق المشئوم .



