نواصل دق الجدران
د.عبدالرحمن أقرع
لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
بهذه العبارة انهى الأديب الفلسطيني المبدع غسان كنفاني -رحمه الله- روايته المعروفة (رجال في الشمس) التي جسد فيها صورة أخرى لمعاناة الفلسطيني المشرد من وطنه بعد النكبة الأولى في أرجاء البسيطة بحثا عن أبسط مقومات العيش ، وتدور قصتها بإيجاز حول ثلاثة فلسطينيين يتم تهريبهم داخل خزان ماءٍ إلى الكويت ، ليلاقوا حتفهم اختناقاً داخل الخزان أثناء وقوفه على نقطة تفتيش حدودية بين العراق والكويت.
اليوم: ونحن نحاول أن نرتقي إلى مستوى فهمٍ رصينٍ للدرس تمتد ايدينا في الوطن المثخن بجراح ٍ مختلفة من خناجر مختلفة ..نمد أيدينا في لحظات الإحتضار لنقرع الجدران مراتٍ عديدة عسى أن يصل صدى القرع صناع القرار المتنازعين بينهم على حبٍ تلقيه أكف الصائدين إيقاعاً بهم ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
من أبرز الأيدي الفلسطينية التي تقرع الجدران هذه الأيام: جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني الذي يخرج علينا بينَ الحين والحين بأرقامٍ مرعبة حول التزايد المضطرد في هجرة الكفاءات الفلسطينية الشابة هربا من واقعٍ تمنوا لو لم تكتب لهم أسفار القدر عيشا ليروه عيانا.
ولسنا هنا لمناقشة الأرقام أو تحليلها ، فهذا شأن المختصين ..ولكن يكفينا أن نعلم أن عشرات آلاف الشباب الفلسطينيين قد تقدموا بطلبات للهجرة ، والأكثر رعبا هو نتائج استطلاعات الرأي التي تشير إلى رغبة نصف الشريحة الشبابية الفلسطينية بالهجرة، الأمر الذي دفع رابطة علماء فلسطين العام الماضي إلى إصدار فتوى بتحريم الهجرة من فلسطين ، واعتبار ذلك توليا يوم الزحف.كما ودفعت أحد رجال الدين النصارى إلى قرع الجدار محذراً أن نسبة النصارى في فلسطين تتقلص بشكل دراماتيكي ، وتكاد تتقهقر إلى 1% من التعداد السكاني العام نتيجةً لهجرة الشباب المسيحي الفلسطيني بشكل مضطرد.
هذا القرع المتواصل على جدران السجن الفلسطيني الكبير ..هل سيصل آذانا أصمتها الكراهية والبغضاء ، وإنكار الآخر الفلسطيني؟
هل ستجد لها صدى في الأثير وسط جلبة الإتهامات المتبادلة بين من يفترض أنهم قادة للمرحلة؟
أم أن إحصائيات جديدة يجب أن تندمغ بطبيعة المرحلة ، وتصدر بياناتٍ منفصلة تخص حماسستان وفتح لاند كلا على حدة.
لا أخال صوتنا النخبوي يجد صداه ، فالضجيج اعلى من أن تجد أصواتنا مكانا لها في فضاءاته، ويختلف عن صمت الصحراء المطبق الذي أحاط بالخزان وقتذاك:
(- لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقولوا؟ لماذا وفجأة بدأت الصحراء كلها تردد الصدى:
- لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ )
ليرحم الله غسان...وليرحمنا من لعنة الأجيال التي ستصدر حكمها العادل على المرحلة وصناع قرارها..أما نحن ، فيكفينا عذراً أام اللهِ أننا قرعنا الجدرانَ قبل أن نختنق.