إنَّ مِن الشعر لحِكمة إذا كنت ترضى أنْ تعيشَ بذلة فلا تستعدنَّ الحسامَ اليمانيا و لا تستطيلنَّ الرماحَ لغارة و لا تستجيدنَّ العِتاقَ المذاكيا البيتان السابقان لسيد شعراء العربية أبي الطيب المتنبي، وردا في قصيدة مشهورة خاطب بها كافور الإخشيدي، و مطلعها: كفى بك داء أنْ ترى الموتَ شافيا و حسْبُ المنايا أنْ يكنَّ أمانيا و اختلف النقاد في تأويل معانيها الظاهرة و الضمنية، فكثير منهم اعتبروا المديح الوارد فيها لكافور ذمًّا مُبطنا له، و كان مِن عادة المتنبي أنْ يُطلق القصائد و يترك الناس يختلفون في تفسيرها، طِبقا لقوله: أنامُ مِلءَ جفوني عن شواردها و يسهرُ الناس جرَّاها و يختصموا فالمتنبي بما يُعرف عنه مِن أنفة و عزة عربية يَرى أنّ شراء السلاح و اقتناءه يليق بالأباة من الناس، و لا يليق بالأذلاء منهم، و هو يعيبُ على مَن يسعى لاقتناء السيوف اليمانية و الرماح الخطية و الخيول الأصيلة مع انتفاء إرادة القتال لديه، و ارتضائه حياة الذل و المهانة، ويقول لذلك النوع من الناس، أرِحْ نفسك و وفر أموالك. و إذا أخذنا بالاعتبار عُمق ثقافة المتنبي و حكمته و خبرته بالنفس البشرية فإنّ أبياته تصْدقُ في نوع من الناس موجود في كل العصور و الأزمان، فكثير مِن هؤلاء يدّعي ما ليس فيه، و ينسب لنفسه ضروبا من الحكمة و صنوفا من البطولة الزائفة التي لا تنطلي على أحد. فمهما يكن عند امرئ مِن خليقة و إنْ خالها تخفى على الناس تُعلمِ وفي هذه الأيام نرى كثيرا مِن الأمم الضعيفة التي لا تمتلك زمام أمرها تبدِّدُ ثرواتها في شراء أسلحة تفوق قدرتها على استيعابها، بذريعة حماية أوطانها أو تحرير المسلوب منها، ثم لا تلبث تلك الأسلحة أنْ تصدأ في مخازنها، و تصبح بحاجة إلى تجديدٍ بأموال إضافية، يستفيد منها منتجو الأسلحة في إدارة عجلات مصانعهم، و تشغيل عمالهم. فهل يَصْدُقُ قولُ أبي الطيب المتنبي في هذه الأمم ايضا!!؟ د. محمد الجاغوب
إنَّ مِن الشعر لحِكمة
- التفاصيل
- كتب بواسطة: د. محمد الجاغوب
- الزيارات: 40