نزلت آيات المواريث بكسورٍ محدَّدة — النصف والربع والثلث والسدس والثمن والثلثان — لكنّ تنزيلها على وقائع الناس فتح باباً واسعاً للاجتهاد، لم يُغلَق لا داخل المدرسة السنّية نفسها، ولا بينها وبين المدرسة الجعفريّة.
تمهيد: أين يقع الخلاف؟
يُقال كثيراً إنّ أحكام المواريث «قطعيّة» لأنها جاءت بأرقام. والأرقام في سورة النساء قطعيّة بالفعل: نصفٌ ونصف، وربعٌ وثمن، وسدسٌ وثلث وثلثان. لكنّ النصّ الذي يذكر مقدار السهم لا يذكر بالضرورة ترتيب المستحقّين عند التزاحم، ولا مصير الفائض إذا فضل، ولا العلاج إذا ضاقت التركة عن مجموع الفروض، ولا حدّ لفظٍ مثل «الولد» و«الإخوة» و«الكلالة». وفي هذه الفجوات — لا في الأرقام — وقع الخلاف.
وأصدق شاهدٍ على ذلك اعترافُ أكبر المجتهدين من الصحابة أنفسهم. صحّ عن عمر بن الخطاب قوله:
«وَدِدْتُ لو أنّي سألتُ رسولَ الله ﷺ عن ثلاث: عن الجَدّ، والكلالة، وأبوابٍ من أبواب الرِّبا.»
أخرجه أحمد وابن ماجه. وفي صحيح مسلم عنه: «ما راجعتُ رسولَ الله ﷺ في شيءٍ ما راجعتُه في الكلالة… فقال: يكفيك آيةُ الصيف التي في آخر سورة النساء».
والمسألتان اللتان تمنّى عمر لو سأل عنهما — الجَدّ والكلالة — هما بعينهما المسألتان اللتان انشقّ عليهما الصحابة من بعده، وبُنيت عليهما فروقٌ مذهبيّة كبرى ما تزال قائمة.
القسم الأول: الخلاف داخل البيت السنّي — عشر مسائل شقّت صفّ الصحابة
لم يكن الاختلاف في الفرائض هامشيّاً ولا متأخّراً. وقع في حياة الخلفاء الراشدين أنفسهم، وفي أمّهات المسائل، وانتقل من مجلس الخليفة إلى متون المذاهب الأربعة كما هو.
1 — فرضٌ ليس في القرآن: ميراث الجدّة
قبل أيّ خلافٍ في التأويل، تواجهنا مسألةٌ أكثر جذريّة: وارثٌ يأخذ فرضاً مقدّراً لا ذكر له في آيات المواريث أصلاً. جاءت الجدّة إلى أبي بكر تسأله ميراثها، فقال لها — كما في موطأ مالك عن قَبيصة بن ذُؤَيب:
«ما لكِ في كتاب الله شيء، وما علمتُ لكِ في سنّة رسول الله ﷺ شيئاً، فارجعي حتى أسألَ الناس.»
ثم شهد المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أنّ النبيَّ ﷺ أعطاها السدس، فأنفذه أبو بكر. أخرجه مالك وأبو داود والترمذي.
فالسدس المقرَّر للجدّة في كلّ كتب الفرائض — عند المذاهب الأربعة — مستنَدُه خبرُ اثنين من الصحابة، لا نصُّ الآية. وهذا وحده يهدم دعوى أنّ نظام الفرائض المعمول به هو النصّ القرآني بلا زيادة. ولاحقاً جاءت جدّةٌ أخرى إلى عمر، فأشرك بينهما في السدس نفسه ولم يزد الفريضة شيئاً.
2 — العَوْل: حين تضيق التركة عن الفروض
العَوْل هو أن يزيد مجموع الفروض المقدَّرة على أصل التركة، فيُدخَل النقص على الجميع بنسبة سهامهم. أوّل ما وقعت الحالة في عهد عمر، استشار الصحابة فأشير عليه بالعَوْل، فأخذ به، وعليه استقرّت المذاهب الأربعة كلّها.
| الوارث | الفرض في الآية | قسمة الجمهور (بالعَوْل) | قسمة ابن عبّاس |
|---|---|---|---|
| الزوج | 1/2 | 3 من 7 | 1/2 كاملاً |
| الأختان الشقيقتان | 2/3 | 4 من 7 | الباقي (1/2) |
| المجموع | 7/6 | النقص على الجميع | النقص على الأختين وحدهما |
«أتَحسَبون أنّ الذي أحصى رملَ عالِجٍ عدداً جعل في مالٍ نصفاً ونصفاً وثُلثاً؟! إنما قدَّمَ مَن قدَّمَ اللهُ، وأخَّرَ مَن أخَّرَ الله.»
ابن عبّاس — أخرجه الحاكم والبيهقي، وفيه أنه دعا مَن شاء إلى المباهلة عليه.
وقاعدته: مَن «قدَّمه الله» هو مَن ينتقل من فرضٍ إلى فرضٍ ولا يسقط بحال — الزوج والزوجة والأم — فلا يدخل عليه نقص؛ ومَن «أخَّره الله» هو مَن قد يرث بالفرض وقد يرث بغيره — كالبنات والأخوات — فعليهنّ يقع العجز. وقد رُوي أنّ ابن عبّاس أمسك عن إظهار الخلاف في حياة عمر هيبةً له، ثم أظهره بعده.
مفارقة تستحقّ التسجيل
المشهور عند أهل السنّة أنّ عليّ بن أبي طالب أخذ بالعَوْل، وأنّ المسألة المعروفة بـ«المِنْبَريّة» — زوجة وبنتان وأبوان — سُئل عنها وهو على المنبر فقال في الحال: «صار ثُمنُها تُسعاً»، وهو نصٌّ في إعمال العَوْل (أصلها 24 وتعول إلى 27، فيصير سهم الزوجة 3 من 27). بينما تنسب المصادر الإماميّة إلى عليٍّ إبطالَ العَوْل وتقول إنّ ابن عبّاس أخذه عنه. وهذا تعارضٌ في النسبة لا يُحسم بترجيحٍ سريع، والأمانة تقتضي عرضه لا طيّه.
3 — المسألتان العُمَريّتان: «ثلث الباقي» الذي ليس في الكتاب
قال تعالى في الأبوين عند عدم الولد: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. فإذا اجتمع مع الأبوين زوجٌ أو زوجة، قضى عمر بأن تأخذ الأمّ ثلث الباقي بعد نصيب الزوجيّة، لا ثلث أصل التركة، حتى لا يفضُل نصيبُها على نصيب الأب فيما هما فيه سواء. وأخذ ابن عبّاس بظاهر اللفظ: الثلثُ ثلثُ المال كلّه، ولو أدّى ذلك إلى أن ترث الأمّ أكثر من الأب.
| القول | زوج + أم + أب | زوجة + أم + أب |
|---|---|---|
| عمر وزيد وعثمان، والمذاهب الأربعة | الزوج 1/2 — الأم 1/6 — الأب 2/6 | الزوجة 3/12 — الأم 3/12 — الأب 6/12 |
| ابن عبّاس (وتوافقه الجعفريّة في النتيجة) | الزوج 1/2 — الأم 1/3 — الأب 1/6 | الزوجة 3/12 — الأم 4/12 — الأب 5/12 |
ويُروى في المحاورة الشهيرة أنّ ابن عبّاس سأل زيد بن ثابت: أتجد «ثلث ما بقي» في كتاب الله؟ فأجابه زيد بأنّه إنما يقول برأيه ويقول ابن عبّاس برأيه. وهذا — على فرض ثبوت اللفظ — تصريحٌ من أحد أعلم الصحابة بالفرائض أنّ القاعدة اجتهاديّة لا نصّيّة.
4 — هل الأخوان «إخوة»؟ ابن عبّاس يناظر عثمان
قال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. فهل يتحقّق «الإخوة» باثنين، أم لا بدّ من ثلاثة؟ ذهب الجمهور إلى أنّ اثنين يكفيان، وخالف ابن عبّاس متمسّكاً بأنّ أقلّ الجمع في لسان العرب ثلاثة. ونصّ المحاورة كما في المغني:
قال ابن عبّاس لعثمان: «ليس الأخوان إخوةً في لسان قومك، فلمَ تحجُبُ بهما الأمّ؟» فقال عثمان: «لا أستطيع أن أردّ شيئاً كان قبلي، ومضى في البلدان، وتوارث الناسُ به.»
ابن قدامة، المغني، كتاب الفرائض.
هذا الجواب من أنفس ما يُروى في تاريخ التشريع: الخليفة لا ينفي حجّة ابن عبّاس اللغويّة، بل يعتذر بأنّ العمل استقرّ. وهو يكشف الآليّة التي يتحوّل بها الاجتهادُ إلى ما يُظنّ لاحقاً إجماعاً.
5 — الأخت مع البنت: أهي عصبة أم لا ترث؟
سُئل أبو موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة عن بنتٍ وبنت ابنٍ وأخت، فقالا: للبنت النصف وللأخت النصف، ولا شيء لبنت الابن. فأُتي ابن مسعود فقال: «لقد ضللتُ إذاً وما أنا من المهتدين»، وقضى بقضاء النبي ﷺ:
«للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملةَ الثلثين، وما بقي فللأخت.»
أخرجه البخاري. فلمّا بلغ أبا موسى قال: «لا تسألوني ما دام هذا الحَبْرُ فيكم».
وعلى هذا استقرّت المذاهب الأربعة: الأخوات مع البنات عصبة. لكنّ ابن عبّاس خالف، فكان لا يورّث الأخت مع البنت أصلاً، محتجّاً بشرط الآية: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ — والبنت ولد، فالشرط منتفٍ. ونُقل عنه في ردّه على مخالفيه: «أنتم أعلمُ أم الله؟». وأجاب الجمهور بأنّ ما تأخذه الأخت هنا ليس الفرض المذكور في الآية بل الباقي بالتعصيب. وهذا الموقف بعينه هو ما يقرّره الفقه الجعفريّ لاحقاً، لكن ببنيةٍ مختلفة كما سيأتي.
6 — الجَدّ مع الإخوة: أعوص ما في الباب
| الجدّ أبٌ فيحجب الإخوة | الجدّ يقاسم الإخوة |
|---|---|
| أبو بكر الصدّيق، ووافقه ابن عبّاس وابن الزبير وعائشة ومعاذ وأُبيّ بن كعب. | عمر وعليّ وابن مسعود وزيد بن ثابت — على تفاصيل مختلفة بينهم في مقدار ما يُحفظ للجدّ. |
| ونُقل عن أبي بكر: «أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأً فمنّي ومن الشيطان: الجدُّ أب». | وحجّة زيد تمثيليّة: الجدّ والإخوة كغصنين خرجا من غصنٍ واحد، فأحدهما أقرب إلى صاحبه منه إلى الجذع. |
| ذهب إليه أبو حنيفة. | ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد. |
وشدّة المسألة على الصحابة محفوظة في آثارٍ متعدّدة، منها ما رُوي عن عمر وعن عليٍّ بمعنى: «من سرّه أن يتقحّم جراثيم جهنّم فليَقُلْ في الجدّ برأيه». والمقصود أنّها من مواضع الاجتهاد المحض التي لا نصّ فيها.
7 — المسألة المشتركة (الحِماريّة): خليفةٌ يرجع عن قضائه
صورتها: امرأةٌ ماتت عن زوجٍ وأمّ وإخوةٍ لأمّ وإخوةٍ أشقّاء. قضى عمر في العام الأول بإعطاء الزوج النصف والأمّ السدس والإخوة لأمّ الثلث، فاستُغرقت التركة ولم يبقَ للأشقّاء شيء لأنهم عصبة. ثم وقعت المسألة في عامٍ تالٍ فقال له الأشقّاء:
«يا أمير المؤمنين، هَبْ أنّ أبانا كان حِماراً — أو حجراً أُلقي في اليَمّ — أليست أمُّنا واحدة؟»
فشرَّك بينهم في الثلث. فلمّا قيل له: إنك لم تقضِ بهذا عام أوّل، قال: «تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي».
- لم يُشرِّكوا: عليّ بن أبي طالب، وأُبيّ بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وابن عبّاس — وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد.
- شرَّكوا: عمر في قضائه الأخير، وعثمان، وزيد بن ثابت — وإليه ذهب مالك، وهو المعتمد عند الشافعيّة، وللشافعي في المسألة نقلٌ آخر.
فالمسألة نفسها تُقسَم بطريقتين متضادّتين في مذاهب أهل السنّة، ومردُّ ذلك حرفيّاً إلى قضاءين متعاقبين لخليفةٍ واحد.
8 — الرَّدّ: لمن يعود الفائض؟
إذا فضلت من التركة بقيّةٌ بعد الفروض ولم يوجد عاصب، فماذا يُصنع بها؟ ذهب زيد بن ثابت إلى أنّها لبيت المال ولا تُردّ على أصحاب الفروض، وذهب عليّ وابن مسعود — ورُوي عن عمر وابن عبّاس — إلى ردّها عليهم بنسبة سهامهم. وأخذ الحنفيّة والحنابلة بالردّ، وأخذ المالكيّة والشافعيّة بقول زيد. وقد استقرّ العمل عند متأخّري الشافعيّة والمالكيّة على الردّ إذا لم يكن بيت المال منتظماً — وهو تعديلٌ عمليّ صريح.
9 — ذوو الأرحام: الخال وبنت البنت
ذوو الأرحام هم القرابة الذين ليسوا أصحاب فروضٍ ولا عصبات: الخال والخالة والعمّة وبنت البنت وابن البنت وأولاد الأخوات. وخلاف الصحابة فيهم امتدادٌ لخلافهم في الردّ: عمر وعليّ وابن مسعود ومعاذ وأبو عبيدة يورّثونهم، وزيد بن ثابت لا يورّثهم ويجعل المال لبيت المال.
تصحيح لخطأٍ شائع
يشيع في بعض العروض أنّ توريث ذوي الأرحام هو «قول الجمهور». والصواب أنّه مذهب الحنفيّة والحنابلة فقط — ويختلفان في طريقته: الحنفيّة على ترتيب القرابة، والحنابلة على «التنزيل» بإنزال كلّ واحدٍ منزلة من أدلى به — بينما المالكيّة والشافعيّة لا يورّثونهم أصلاً على أصل المذهب، تبعاً لزيد بن ثابت.
10 — الكلالة نفسها
«الكلالة» هي مدار آيتين من ثلاث في المواريث، ومع ذلك بقي حدُّها محلّ نظر. رُوي عن عمر أنه كان يرى أنّ الكلالة مَن لا ولد له، ثم انتهى إلى أنّها مَن لا ولد له ولا والد، وقال: «إني لأستحيي أن أخالف فيها أبا بكر». فإذا كان المصطلح المحوريّ نفسه موضعَ تردّدٍ عند عمر، فما بالك بالفروع المبنيّة عليه.
القسم الثاني: الفجوة مع الفقه الجعفريّ — اختلافٌ في البنية لا في الفروع
الخطأ الشائع أن يُعرض الخلاف السنّي–الشيعيّ في المواريث بوصفه قائمةً من الجزئيّات. هو في الحقيقة نظامان مختلفان في هندسة التركة، تتفرّع عنهما الجزئيّات كلّها.
| البنية السنّية: فروضٌ ثم تعصيب | البنية الجعفريّة: طبقاتٌ متعاقبة |
|---|---|
| المرحلة الأولى: أصحاب الفروض يأخذون سهامهم المقدَّرة في القرآن. | الطبقة الأولى: الأبوان والأولاد وإن نزلوا. |
| المرحلة الثانية: الباقي للعصبة — «فما بقي فهو لأَوْلى رجلٍ ذكر»، ولو كان عمّاً بعيداً. | الطبقة الثانية: الأجداد والجدّات والإخوة والأخوات وأولادهم. |
| عند التزاحم: العَوْل — النقص يُوزَّع على الجميع بنسبة السهام. | الطبقة الثالثة: الأعمام والأخوال وأولادهم. |
| التركة تخرج من الأسرة النواة عند وجود الفائض. | الأقرب يمنع الأبعد، فالتركة محصورة في الأقرب. |
الزوجان خارج هذا الترتيب: يرثان مع كلّ طبقة. أمّا القاعدة الحاكمة داخل الطبقات فهي أنّ الأقرب يمنع الأبعد، ومستندها عند الإماميّة عمومُ قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (الأنفال 75، والأحزاب 6)، مع رواياتهم عن أئمة أهل البيت. ومن هذين الأصلين — إبطال التعصيب وإبطال العَوْل — تتولّد بقيّة الفروق.
ما الذي يترتّب على إبطال التعصيب
في مسألة (ماتت عن بنتٍ وعمّ):
- سنّياً: البنت النصف فرضاً، والعمّ النصف الباقي تعصيباً.
- جعفريّاً: البنت تأخذ المال كلّه — نصفه فرضاً ونصفه ردّاً — ولا شيء للعمّ مطلقاً، لأنه من الطبقة الثالثة وهي من الأولى.
وهذه أشدّ صور الفرق أثراً في الواقع العمليّ: إخراج التركة من البيت أو حصرها فيه.
ما الذي يترتّب على إبطال العَوْل
عند الإماميّة لا يُدخَل النقص على الجميع، بل يُوجَّه إلى جهةٍ بعينها، وهي — كما في منهاج الصالحين — البنتُ أو البنات في الطبقة الأولى، والمتقرِّب بالأبوين (كالأخت الشقيقة) في الطبقة الثانية؛ ولا ينقص نصيب الزوجين ولا مَن يتقرّب بالأمّ. وهي نفسها قاعدة ابن عبّاس، وإن اختلف الطريق إليها.
خمسة فروقٍ يغفلها كثيرٌ من العروض
1. المسألة المشتركة لا تقع أصلاً
لأنّ الأمّ في الطبقة الأولى والإخوة في الثانية، فوجود الأمّ يحجب الإخوة جميعاً — أشقّاء كانوا أم لأمّ. فمسألة الحِماريّة التي شغلت عمر وشقّت المذاهب الأربعة تسقط عند الجعفريّة من أساسها: يأخذ الزوج النصف، وتأخذ الأمّ الثلث ثم يُردّ عليها الباقي فتستكمل النصف.
2. شروط حجب الأمّ بالإخوة أضيق بكثير
عند أهل السنّة يكفي وجود أخوين فأكثر لخفض الأمّ من الثلث إلى السدس. وعند الإماميّة يُشترَط — إضافةً إلى العدد (أخوان، أو أخٌ وأختان، أو أربع أخوات) — أن يكونوا لأبٍ أو لأبوين، وأن يكونوا مسلمين أحراراً منفصلين أحياء، وأن يكون الأب حيّاً. فإن كان الأب ميتاً لم يحجبوا الأمّ أصلاً — وهذا شرطٌ لا نظير له في المذاهب الأربعة.
3. ميراث الزوجة من الأرض
عند أهل السنّة ترث الزوجة الربع أو الثمن من كلّ ما ترك الزوج بلا استثناء. والمشهور عند فقهاء الإماميّة أنّ الزوجة لا ترث من عين الأرض — زراعيّةً كانت أو أرضَ بناء — وإنما ترث من قيمة الأبنية والأشجار والآلات لا من أعيانها. وذهب جماعةٌ منهم إلى التفصيل بين ذات الولد من الميّت وغيرها، فلا تُحرَم الأولى. والحكم مختصٌّ بالزوجة دون الزوج، ومستنده رواياتٌ عن الأئمة لا عمومُ آية.
4. الحَبْوة
يختصّ الولد الذكر الأكبر عند الإماميّة بأعيانٍ من تركة أبيه يأخذها مجّاناً قبل القسمة: مصحف الميّت وخاتمه وسيفه وثيابه. ولا نظير لها في المذاهب الأربعة.
5. توريث المسلم من الكافر
الجمهور من المذاهب الأربعة على المنع من الجهتين، لحديث: «لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ» (متّفق عليه). والإماميّة يورّثون المسلم من قريبه الكافر ويَحجُب به الورثةَ الكفّار، ولا عكس. والمهمّ هنا أنّ هذا القول ليس شيعيّاً خالصاً: فقد رُوي عن معاذ بن جبل ومعاوية، وقال به مسروق وسعيد بن المسيّب وإبراهيم النخعي وإسحاق، مستندين إلى: «الإسلامُ يزيد ولا ينقص» (أخرجه أبو داود والحاكم)، واختاره ابن تيميّة.
وأمرٌ سادس في الطبقة الثالثة
الخال عند أهل السنّة من ذوي الأرحام، لا يرث عند المالكيّة والشافعيّة، ويرث بعد العصبات عند الحنفيّة والحنابلة. وعند الإماميّة الأعمام والأخوال في طبقةٍ واحدة، فإذا اجتمعوا كان للأخوال الثلث وللأعمام الثلثان — أي أنّ قرابة الأمّ جهةٌ وارثةٌ أصيلة لا تابعة.
القسم الثالث: خريطة الخلاف في جدول
| المسألة | أهل السنّة | الجعفريّة | أصل الخلاف عند الصحابة |
|---|---|---|---|
| البنت مع العمّ | البنت النصف فرضاً، والباقي للعمّ تعصيباً | البنت تحجب العمّ وتأخذ المال كلّه فرضاً وردّاً | حجّيّة حديث «ألحقوا الفرائض» مقابل عموم آية أولي الأرحام |
| العَوْل | معمولٌ به عند المذاهب الأربعة | باطل، والنقص على البنات أو المتقرِّب بالأبوين | عمر وجمهور الصحابة، في مقابل إنكار ابن عبّاس |
| العُمَريّتان | الأمّ ثلثُ الباقي بعد نصيب الزوجيّة | الأمّ ثلثُ أصل التركة، والنقص على الأب | عمر وزيد وعثمان، في مقابل ابن عبّاس متمسّكاً بظاهر اللفظ |
| الأخت مع البنت | الأخت عصبةٌ مع البنت فتأخذ الباقي | الأخت من الطبقة الثانية فلا ترث مع البنت | حديث ابن مسعود (البخاري)، في مقابل ابن عبّاس بشرط «ليس له ولد» |
| الجدّ مع الإخوة | حجبٌ عند أبي حنيفة، ومقاسمةٌ عند الجمهور | الجدّ والإخوة في طبقةٍ واحدة يتقاسمون | أبو بكر وابن عبّاس، في مقابل عمر وعليّ وابن مسعود وزيد |
| المسألة المشتركة | تشريكٌ عند مالك والشافعيّة، ومنعٌ عند أبي حنيفة وأحمد | لا تقع: الأمّ تحجب الإخوة جميعاً | قضاءا عمر المتعاقبان؛ عليّ وأُبيّ لم يشرّكا، وعثمان وزيد شرّكا |
| الردّ | ردٌّ عند الحنفيّة والحنابلة، وبيتُ المال عند مالك والشافعي | ردٌّ على أهل الطبقة؛ ولا يُردّ على الزوجة، ويُردّ على الزوج عند انفراده | زيد بن ثابت، في مقابل عليّ وابن مسعود وابن عبّاس |
| ذوو الأرحام | يرثون عند الحنفيّة والحنابلة فقط، لا عند مالك والشافعي | لا وجود للتصنيف: القرابة كلّها داخلة في الطبقات | عمر وعليّ وابن مسعود ومعاذ، في مقابل زيد بن ثابت |
| حجب الأمّ بالإخوة | يكفي أخوان مطلقاً | شروطٌ ستّة، منها أن يكونوا لأبٍ وأن يكون الأب حيّاً | مناظرة ابن عبّاس لعثمان في دلالة لفظ «إخوة» |
| ميراث الزوجة من الأرض | ترث من كلّ التركة عيناً | لا ترث من عين الأرض، وترث من قيمة البناء والشجر | رواياتٌ خاصّة عند الإماميّة، لا أصل قرآنيّ مشترك |
| الحَبْوة | لا وجود لها | للولد الأكبر: المصحف والخاتم والسيف والثياب | رواياتٌ عن الأئمة |
| المسلم يرث الكافر | لا يرث عند المذاهب الأربعة | يرث المسلمُ الكافرَ ويحجب ورثتَه الكفّار | حديث «لا يرث المسلم الكافر»، في مقابل معاذ ومعاوية: «الإسلام يزيد ولا ينقص» |
القسم الرابع: أين يقع الخلاف حقيقةً؟
إذا رُفعت الجزئيّات إلى أصولها، انتهى الخلاف كلّه إلى ثلاثة محاور، ليس فيها محورٌ واحد يتعلّق بالأرقام القرآنيّة نفسها:
- خبرُ الواحد والنصّ. التعصيبُ كلّه، وسدسُ الجدّة، وتعصيبُ الأخت مع البنت — كلّها مبنيّة على أخبارٍ آحاد. فمن قبِلها مخصِّصةً لعموم القرآن بنى عليها نظاماً، ومن لم يقبل أسانيدها رجع إلى العموم القرآنيّ وحده.
- دلالة «أولو الأرحام». هل الآية بيانُ نسخٍ لميراث الحِلْف والتبنّي فحسب — كما يقرأها كثيرٌ من المفسّرين السنّة — أم قاعدةٌ ترتيبيّة عامّة تقدّم الأقرب على الأبعد مطلقاً، كما يقرأها الإماميّة؟
- بنية القرابة. نظامٌ عصبيّ يصعد بالفائض إلى فرع الأب ولو بَعُد، في مقابل نظامٍ يحصر التركة في الأسرة الأقرب ثم ينتقل. هذا خلافٌ في تصوّر الأسرة قبل أن يكون خلافاً في الأدلّة.
ابن عبّاس: الجسر — مع تحفّظ لازم
اللافت أنّ ابن عبّاس يقف في أربعٍ من كبريات المسائل حيث يقف الفقه الجعفريّ لاحقاً: إبطال العَوْل، وإعطاء الأمّ ثلثَ الأصل في العُمَريّتين، وعدم توريث الأخت مع البنت، وتضييق دلالة «إخوة». وهذا يعني أنّ هذه المواقف — مهما بدت غريبة — لها سلفٌ في كبار الصحابة، ولا يصحّ ردّها بأنها ابتداعٌ متأخّر.
لكن — والتحفّظ جوهريّ
ابن عبّاس ليس «جعفريّاً مبكّراً». فهو نفسه راوي حديث التعصيب «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأَوْلى رجلٍ ذكر» في صحيحَي البخاري ومسلم، وهو الأصل الذي يرفضه الإماميّة. فتوافقُه معهم في نتائج بعض المسائل توافقٌ في الفروع لا في الأصل الذي بُني عليه النظام.
ما معنى «الإجماع» هنا
ينبغي التمييز بين ثلاث مراتب لا تُخلط:
- الأولى: ما لا خلاف فيه ألبتّة — وهو أصلُ الفروض الستّة وأصحابُها كما نصّت عليهم الآيات.
- الثانية: ما اتّفقت عليه المذاهب الأربعة بعد خلافٍ صحابيٍّ ثابت، كالعَوْل وثلث الباقي وتعصيب الأخت مع البنت — وهذه لا يصحّ فيها إطلاق «الإجماع» بمعناه الحاجّ، لأنّ المخالف من الصحابة معروفٌ بعينه.
- الثالثة: ما اختلفت فيه المذاهب الأربعة ذاتها، كالمسألة المشتركة وذوي الأرحام والردّ والجدّ مع الإخوة.
وجوابُ عثمان لابن عبّاس — «لا أستطيع أن أردّ شيئاً كان قبلي، ومضى في البلدان» — يوضّح كيف تنتقل مسألةٌ من المرتبة الثانية إلى ما يُظنّ أنه المرتبة الأولى: بالعمل والاستقرار، لا بانقطاع الخلاف.
ويؤيّد هذا أنّ حركة الاجتهاد لم تتوقّف: فقوانين الأحوال الشخصيّة في مصر وغيرها أدخلت الوصيّة الواجبة لفرع مَن مات في حياة أصله — وهو أمرٌ لا تقرّه المذاهب الأربعة على أصولها — لمعالجة مشكلةٍ اجتماعيّة حقيقيّة. فالباب الذي فتحه عمر بقوله «تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي» لم يُغلَق بعد.
ملحق: مرتبة التوثيق
ليست كلّ الآثار المذكورة أعلاه في درجةٍ واحدة من الثبوت. وتمييز ذلك جزءٌ من الأمانة العلميّة، لا حاشيةٌ عليها.
أولاً: ثابتٌ مخرَّج في المصادر المعتمدة
- حديث «ألحقوا الفرائض بأهلها…» — البخاري ومسلم، من حديث ابن عبّاس.
- قضاء ابن مسعود في البنت وبنت الابن والأخت — البخاري، مع رجوع أبي موسى الأشعري.
- قصّة الجدّة مع أبي بكر — الموطأ لمالك عن قبيصة بن ذؤيب، وأخرجه أبو داود والترمذي.
- قول عمر «يكفيك آية الصيف» — صحيح مسلم.
- محاورة ابن عبّاس وعثمان في الأخوين — أوردها ابن قدامة في المغني، وهي في سنن البيهقي.
- مخالفة ابن عبّاس في الأخوات مع البنات وحجّته — المغني، كتاب الفرائض.
- حديث «لا يرث المسلم الكافر» — متّفق عليه؛ و«الإسلام يزيد ولا ينقص» — أبو داود والحاكم.
ثانياً: مشهورٌ عند الفرضيّين، مختلَفٌ في بعض ألفاظه أو نسبته
- مَن أشار على عمر بالعَوْل — رُوي أنه العبّاس بن عبد المطّلب، ورُوي أنه زيد بن ثابت. وليس في تعيينه إسنادٌ قاطع، فالأولى ألّا يُجزَم به.
- موقف عليّ من العَوْل — تنسب إليه المصادر السنّية «المِنْبَريّة» وفيها إعمال العَوْل، وتنسب إليه المصادر الإماميّة إبطالَه. والتعارض قائم ولم يُرجَّح فيه هنا.
- عبارة أبي بكر «الجدّ أب» وعبارة «جراثيم جهنّم» — مرويّة بألفاظٍ متقاربة في كتب الفرائض والآثار، وتُنقل عن أكثر من صحابيّ.
- «هَبْ أنّ أبانا كان حماراً» — مشهورة جدّاً وعليها بُني اسم المسألة، وتُروى بألفاظٍ بديلة («حجراً أُلقي في اليمّ»).
- مناظرة ابن عبّاس وزيد في «ثلث ما بقي» — أُوردت بصيغة «يُروى» لتفاوت ألفاظها.
ثالثاً: ما اعتُمد فيه على المتون الفقهيّة المعاصرة
- تفاصيل الفقه الجعفريّ — بطلان العَوْل والتعصيب، وترتيب الطبقات، وشروط حجب الأمّ الستّة: من منهاج الصالحين للسيّد السيستاني، كتاب الميراث.
- حرمان الزوجة من عين الأرض — هو المشهور، وفيه تفصيلٌ بين ذات الولد وغيرها عند جماعةٍ من الفقهاء؛ فلا يصحّ عرضه بوصفه قولاً واحداً.
- نسبة الأقوال إلى المذاهب الأربعة — من المغني لابن قدامة، والمبسوط للسرخسي، والحاوي الكبير للماوردي، وبداية المجتهد لابن رشد.
خلاصة
الأرقام في آيات المواريث محكَمة. أمّا النظام الكامل الذي نسمّيه اليوم «علم الفرائض» — بعَوْله وتعصيبه وردّه وذوي أرحامه وثلث باقيه ومقاسمة جدّه — فهو بناءٌ اجتهاديّ مركَّب، شارك فيه أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وزيد وابن مسعود وابن عبّاس، واختلفوا في أكثر عُقَده، ثم اختلف بعدهم أئمّة المذاهب، ثم افترقت المدرستان السنّية والجعفريّة في أصل الهندسة لا في الأرقام.
وليس في تقرير هذا طعنٌ في أحد. بل هو ردٌّ للأمر إلى نصابه: أن يُعرَف المقطوع به فيُصان، وأن يُعرَف المجتهد فيه فيُبحَث. والخلط بين المرتبتين هو ما يجعل نقاشاً فقهيّاً مشروعاً يبدو وكأنه مساسٌ بالقطعيّات.
اعتمدت المقالة في نسبة الأقوال على: المغني لابن قدامة، والمبسوط للسرخسي، والحاوي الكبير للماوردي، وبداية المجتهد لابن رشد، والموطأ لمالك، وصحيحَي البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي، ومنهاج الصالحين للسيّد السيستاني. والمواضع التي لم يثبت فيها إسنادٌ قاطع مُيِّزت في ملحق التوثيق أعلاه.