كنت قرأت قديما كتابين لغاندي هما “قصة اللاعنف في جنوب أقريقيا” و “قصة تجاربي مع الحقيقة” وقرأتهما طبعا باهتمام ولكن ليس بدون امتعاض من بعض النقاط عند غاندي مثل اهتمامه الكامل بحركات فكرية “غير مهمة” حين يستعرض قراءاته ونقاشاته (وكلها تيارات دينية موجودة في إنكلترا التي مكث فيها بضع سنين لدراسة الحقوق ثم في الهند وجنوب أفريقيا) فالمثقف الذي كنته (ثم عافاني الله وبطلت ) كان لا يفهم كيف لا يشير غاندي لا إلى ماركس ولا إلى كانط ولا إلى فرويد لكي لا نذكر لينين وتروتسكي .
وحين أعدت قبل شهر قراءة كتابه الكبير الحجم “قصة تجاربي مع الحقيقة” بعد أن كبرت وعقلت
(أو بالأصح قل جهلي قليلا ) لفت انتباهي وفي اتجاه عاطفي معاكس (أي بإعجاب) أن غاندي لم يكن مثقفا بحال من الأحوال وأن قراءاته كانت محدودة حتى أثار هذا نقد أستاذ له في الحقوق ونصحه بالاطلاع على أحوال العالم!
ومن سيرته يبدو أنه لم يعمل بهذه النصيحة كثيراً فقد كان رجلا متدينا مهتما بالدين أساسا وحين كان يقرأ كان يقرأ عن الأديان. هذا من حيث “الثقافة” وأهدي هذه الملاحظة للمثقف العربي عموماً والمثقف السوري خصوصا!
غاندي منغرس في الهندوسية وهو هندوسي مؤمن. هذا ما نراه عمليا ويصرح به قوليا على طول الكتاب وعرضه، ولكنه لا يقبل كل ما يمارسه الهندوس بل له نظرته الخاصة التي تريد اجتثاث ما يراه لا أخلاقيا في الهندوسية أو في المجتمع الهندوسي (لمعرفة أي الخيارين صواب لا بد من قراءة عميقة في الهندوسية وفي المجتمع الهندي لعدم الوقوع في الالتباس وببساطة هذه المعرفة غير موجودة عندي وعند العرب الذين أعرفهم من المعجبين بغاندي فاقتضى التنويه!)
ومن أكثر الظواهر التي يدينها ظاهرة التعامل مع “المنبوذين” وهذا التعامل يصعب علينا فهمه في مجتمعنا فهو يبدو لي أقرب إلى الأمر الديني عندهم ويمكن على ما يبدو لي تشبيهه بتنجيس غالبية المسلمين للكلاب فقد كانوا يتعاملون مع “المنبوذين” من هذه الناحية تعاملنا مع الكلاب فقد كانوا يتجنبون الأوعية التي لامسها المنبوذ وبصورة وسواسية فحين كانوا يرون شخصا لا يعرفونه (النص في الكتاب: “لا يعرفون من أي “طبقة” هو ونظام الطبقات الهندوسي مختلف عن نظام الطبقات الغربي أو ما نفهمه نحن من كلمة “طبقات” علما أن اللغات الغربية تميز “طبقات” الهند بكلمة خاصة وفي ألمانيا اسمها Kasten بينما اسم الطبقات الاجتماعية الغربية Klassen و”الطبقات” الهندي هي شرائح اجتماعية ينتمي إليها الفرد بالوراثة ولا يمكن تغييرها والانتقال منها إلى طبقة أخرى) كانوا يبعدونه عن الآبار لأن من الممكن أن يكون منبوذا فينجس لهم الأوعية التي يستقون منها الماء! (راجع “قصة تجاربي عن الحقيقة” والصعوبات التي اكتنفت قراره الشجاع بل البطولي! بقبول السكن مع عايلة من المنبوذين).
وتحريم غاندي للحوم على نفسه، ثم لاحقا جميع المنتجات الحيوانية، ثم مآكل أخرى، له أصل أولا ديني ثم له أصل يصفه مثقفونا بالتقليدي (وهو تعهده لأمه أن لا يذوق لحم البقر في إنجلترا) ثم له أصل أخلاقي يتبدى حين حرم الحليب على نفسه تعاطفا مع معاناة البقر والحيوانات عند حلبها كما بلغته. وأخيرا لدينا تحريمه للعلاقات الجسدية مع زوجته وهي ممارسة تسمى عندهم “براهماتشاريا”.
ومع هذا الزهد الخارق الذي سمة الحياة فيه الصوم يدخل مبدأ مفعم بالتواضع لعله غير مفهوم في سياقنا الاجتماعي أو لا يكاد مفهوماً هو مبدأ الخدمة وهو لا يتضمن خدمة المجتمع فقط بل الخدمات الشخصية لمن هب ودب وفي أكثر أشكال الخدمة إزعاجاً مما لا يكاد يقوم به عندنا إلا الممرضون و”الزبالون” وبأجر طبعاً. لفت انتباهي في المعجبين بغاندي في سوريا إهمالهم التام تقريبا لبعد في غاية الأهمية عند غاندي هو بعد “الخدمة” فقد كان يمارس الخدمة بكل معانيها حتى للأشخاص وليست خدمة أرستقراطية مثل خدمة المحامي فقط بل الخدمة الشعبية مثل تنظيف المنازل والشوارع والعناية بالمرضى والتطوع في وقت الجوائح الخطيرة (كالطاعون مثلا).
هو لم يكن يقرف من مجتمعه وهذا فرق جوهري مع أحد أصحابنا الذي أعلن (وهو معجب بغاندي على ما فهمنا) أنه حين نال جنسية كندا وتنازل عن الجنسية السورية فقد سار من الأدنى إلى الأعلى!.
أعتقد أن غاندي على كل سلميته كان يمكن أن ينتف شعره إن قيل له إن هذا تلميذ له
أقل شيء كان سيفعله هو إعلان الصوم حتى يزول هذا الظلم .
ولو تركنا المزاح جانبا فسألاحظ أن الحالة المأساوية لعلاقة السياسة بالمجتمع عندنا قد جعلتنا مفرطين في التسيس معارضات وحكومات بحيث لا نفهم أي تغيير خارج إطار المواجهة مع السلطة ولأجلها سواء كانت المواجهة من النوع العنيف أو من النوع المسالم.
ومع هذه المحبة للإنسانية والمخلوقات كلها لعلنا لا نفاجأ بمبدأ الساتيا غراها فهو منسجم مع مجمل التكوين الديني الأخلاقي الشخصي لغاندي.
إن غاندي لا يكره أعداءه ولا يبرح يعيد مبدأ كره الشر لا كره صانعه! وهو يجتهد لفهم وجهات نظر الخصم (الساتياغراها ليست مقاومة لا عنفية فهو لم يعجبه هذا الاسم الغربي حين اقترح عليه لأن الأخير سلاح الضعيف حين لا يستطيع استعمال العنف ويتضمن كره الأعداء).
ما تقدم من قول محاولة أولية جدا لوضع غاندي في سياقه ومحاولة جاهدة في مراحلها الأولى لتجنب كل التباس حين الاستشهاد بتجربة غاندي.



