بات من المتداول بين الناس أن تربية الأولاد تزداد صعوبة يوماً بعد يوم, وصرنا نسمع كثيراً من شكاوى الأهل التي تتلخص بعدم قدرتهم على ضبط تصرفات أولادهم, وصرنا نلاحظ أن هناك انفلات للأطفال والمراهقين من كل سيطرة, فهم يتجولون في الطرقات حتى ساعات متأخرة من الليل, ويعيثون فساداً في كل مكان, فيخربون الأشجار ويكسرون لمبات الشوارع والبيوت, ويرمون القاذورات في كل مكان, ويكتبون على الحيطان, ويروعون المارة باستخدام المفرقعات, وإحداث الضجيج, وإلحاق الأذى بأنفسهم وبغيرهم من خلال ركوبهم للدراجات النارية و(تنطيطها) أي جعلها تسير على دولاب واحد وبسرعة عالية
(هذه الأيام خفت قليلاً حدة إزعاج الدراجات بعد أن شُنت حملة لجمعها من أجل ترسيمها!)
وفي أحد الأخبار التي قرأتها مؤخراً بلغ عدد لمبات الشوارع التي كسرها الأطفال في عيد الفطر الفائت سبعة آلاف لمبة في دمشق وحدها كانت هدفاً مميزاً لأسلحة الخرز المنتشرة في أيدي الأطفال.
وكنت أظن أن ظاهرة تكسير لمبات الشوارع هي ظاهرة خاصة ببلدتي وحدها, وجهد مميز لأطفالها حرسهم الله, ولكن هذا الخبر أكد لي بأن الظاهرة عامة, وهي في ازدياد مستمر.
الأمر ليس فقط أن هناك أطفال مشاكسون يعبثون ويمرحون, بل إنها مسألة لها أبعاد ودلالات كثيرة: منها غياب الحرص على المصلحة العامة, فكل هذا التخريب يُمارس دون أي تأنيب للضمير, أو شعور بالمسؤولية, فالطفل لا يُربى (لا في بيته ولا في مدرسته) على المحافظة على المرافق العامة, أو الحرص على المصلحة العامة, بل إن السائد أن هذه أملاك دولة (أي أنها أملاك داشرة لا قيّم عليها)
وكثيراً ما يشاهد الأهل أطفالهم وقد كسروا وخربوا ليس فقط أملاكاً عامة, ولكن نشاطهم يمتد ليشمل الممتلكات الخاصة دون أن يجدوا أي رادع, وكثيراً ما يقتصر نهي الأهل على عبارات بسيطة لا أثر لها.
صحيح أن هؤلاء الأهل يتبرؤون من فعل أطفالهم, ولكنهم يعتذرون بكونهم فقدوا القدرة على ضبطهم, وكأن هذا الاعتذار يريحهم من تحمل عناء مسؤولية أفعال أولادهم. فإذا تسبب أحد الأولاد بضرر ما, لا يخطر على بال أهله تعويض المتضرر, وحتى لو طالب المتضرر صراحة بالتعويض فإن التطنيش هو السائد, وكأنهم لم يسمعوا شيئاً. وفي مجتمعنا لم يتعود الناس على اللجوء للقانون, لأسباب كثيرة ليس الآن وقت الحديث عنها.
قديماً كان الأطفال مخربين أيضاً, ولكن الأهل كانوا يتحلون بخلق (المروءة) وخلق (تحمل المسؤولية برجولة) بحيث يأتي ولي الطفل المخرب للمتضرر ويعتذر له ويعرض عليه التعويض, الذي كان يرفضه غالباً كرد فعل طبيعي يعبر عن خلق (العفو والمسامحة).
إن انفلات الأطفال والمراهقين يدل على غياب رقابة الأهل, وتهاونهم في تربية أولادهم, ولهذا أسباب كثيرة, ليس بالتأكيد موضوع السعي وراء الرزق الذي يتعلل به الأهل كسبب لعدم وجود الوقت لتربية الأولاد والاهتمام بهم أهمها, ولكنني أدعي أن الأمر لا يعدو كونه مظهراً واضحاً لغياب تنظيم الوقت وتنظيم الأولويات, وللأسف فإن غرس القيم والأخلاق ليس من أولى الأولويات في قائمة كثير من الأسر التي لا تحس بالخطر الذي يسببه تهاونهم هذا على المجتمع ككل, هذا المجتمع الذي يمر بمرحلة حرجة جداً, فداء العولمة الكاسح يضرب فيه بحدة مهدداً وجوده كله, وإن لم نستنفر جميعاً فلن ينتظرنا الزمان.



