أن تسمع عن أم مضحية تعبت لتربية أبنائها وأعطتهم من جهدها ووقتها الشيء الكثير, فهذا أمر لا غرابة فيه, بل إن كثيرات من نسائنا وأمهاتنا يعملن على تربية أولادهن وخدمة أسرهن بصمت ودون أي تفاخر أو من, وصورة الأم المضحية العاملة التي تقدم كل ما تستطيع لخدمة أسرتها دون انتظار كلمة شكر, هي الصورة المترسخة في أذهاننا لأمهاتنا وربات بيوتنا.
ولسوء التقدير فإننا للأسف لا نقدر تعبهن ولا قيمة عملهن, فوفق التصنيف المادي فإن الأم التي لا تعمل خارج المنزل لا تعتبر منتجة لأن عملها في البيت لا يقاس بالمقياس المادي ولا يدخل في حسابات الدخل والناتج الاقتصادي للدول, على الرغم من أن كل ربة بيت عندنا تقوم بأعمال كثيرة لو أردنا أن نوظف
من يقوم بها لدفعنا أجرة لخادمة ولطباخ ولمدبرة منزل ومرات لسائق ولبستاني….إلخ , وهؤلاء كلهم يعتبرون عاملين لأنهم يحصلون على دخل مادي بينما الأم أو ربة المنزل تعمل دون أجر ودون كلمة شكر حتى, في أحيان كثيرة.
أن نسمع عن أمثال هؤلاء المضحيات من ربات البيوت هو أمر طبيعي كما قلنا, ولكن أن نسمع عن امرأة مربية تعمل في مدرسة وتقوم بدور الموجهة والمشرفة والمصلحة الاجتماعية دون أجر أو مقابل مادي أو معنوي فهذا أمر نادر بالفعل.
زهرة, معلمة في مدرستنا, تعرفت إليها منذ وقت قريب نسبياً, لفت انتباهي نشاطها وتفانيها في عملها, وحبها للطالبات, وقربها منهن, وتفهمها لمشكلاتهن وسعيها الدائم لعمل كل ما تستطيع لمصلحتهن.
فرحت بوجودها لأن أمثالها في مدارسنا بات قليلاً بالمقارنة بغيرها من المعلمات البعيدات كلياً عن الطالبات, المحتقارات لهن في أغلب الأحيان, الساعيات لأداء عملهن كيفما اتفق بغية الحصول على الراتب الشهري المعتاد.
وكم كانت دهشتي عظيمة عندما علمت صدفة أنها تعمل دون أي مقابل مادي, كونها أرادت أن تتبرع براتبها كله لصالح هذه المدرسة وطالباتها.
ما تقوم به زهرة ليس لغاية الشهرة أو نيل الثناء بل إنها تعمل انطلاقاً من إيمانها بأننا بحاجة لكل جهد, وعلى كل مستطيع تقديم أقصى ما يستطيع, كلٌ حسب إمكاناته, لذلك وباعتبارها تملك إمكانات تربوية ومادية تؤهلها لتقوم بدورها المطلوب فقد رأت أن من واجبها أن تتحمل مسؤوليتها وتقدم لمجتمعها ما تستطيع.
عندما أراها أتذكر البيت القائل:
كَم هِمَّةٍ دَفَعَت جيلاً ذُرا شَرَفٍ ……….. وَنَومَةٍ هَدَمَت بُنيانَ أَجيالِ
فهي ذات همة ونشاط قل نظريهما, والتزام وقدرة على تحمل المسؤولية نحن بأمس الحاجة إلى مثلها.
أحببت أن أعرّف القارئ الكريم عليها باختصار, فهي من أولئك الناس القدوة الذين يعملون لنهضة الأمة بإخلاص ومحبة دون كلل أو ملل, ودون انتظار لمدح أو شهرة, ولو علمت بما كتبت عنها فلن تكون من الفرحين لأنها تضع بين عينيها قوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة:105)



