حين يتحدث كثيرون عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تتصدر عناوين الأرض والحدود والمستوطنات والقدس المشهد الإعلامي المعتاد، بينما يبقى ملف أقل بروزاً لكنه لا يقل خطورة في تحديد مصير الحياة اليومية لملايين الفلسطينيين: ملف المياه. فالمياه في فلسطين التاريخية ليست مجرد مورد طبيعي يُدار بمعايير فنية محايدة، بل هي ساحة صراع سياسي وقانوني واقتصادي متشابك، تتحكم فيه اتفاقيات موروثة من مرحلة أوسلو، وبنية استعمارية استيطانية تتحكم في المصادر الجوفية والسطحية على حد سواء، وفجوة استهلاك صادمة بين الفلسطينيين ومستوطني الضفة الغربية المجاورين لهم على الأرض ذاتها. فهم هذا الملف ضروري لفهم أحد أعمق أبعاد الاحتلال، وهو البعد الذي لا يظهر غالباً في نشرات الأخبار العاجلة، لكنه يحدد فعلياً كم مرة يفتح فلسطيني الصنبور في بيته كل أسبوع، وكم يدفع ثمناً لكل لتر يستهلكه مقارنة بجاره المستوطن على الرابية المقابلة.

جذور السيطرة: من حرب 1967 إلى الأوامر العسكرية

بدأت قصة السيطرة الإسرائيلية على مصادر المياه الفلسطينية بُعيد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة سنة 1967 مباشرة، حين أصدر الحاكم العسكري سلسلة من الأوامر العسكرية أعادت تشكيل من يملك حق التصرف بالمياه على هذه الأرض. فقد نقل الأمر العسكري رقم 92 كل صلاحيات إدارة الموارد المائية في الضفة الغربية إلى سلطة عسكرية إسرائيلية مركزية، بينما جعل الأمر رقم 158 حفر أي بئر جديدة أو تعميق بئر قائمة مشروطاً بتصريح عسكري مسبق نادراً ما يُمنح للفلسطينيين، في مقابل تسهيلات واسعة منحت لاحقاً للمشاريع الاستيطانية الزراعية والمائية. هذه الأوامر، التي صدرت في ظروف حرب واستثناء عسكري، لم تُلغَ يوماً، بل تحولت مع مرور العقود إلى الإطار القانوني شبه الدائم الذي يحكم ملف المياه في الضفة الغربية حتى اللحظة الراهنة.

جبل حوض المياه الجوفي: ثروة تحت الأرض بيد طرف واحد

تعتمد فلسطين التاريخية بشكل أساسي على مصدرين مائيين رئيسيين: نهر الأردن وروافده، والأحواض الجوفية الممتدة تحت جبال الضفة الغربية، وأبرزها الحوض الجبلي الغربي والحوض الشرقي والحوض الشمالي الشرقي. وتكمن المفارقة الجوهرية في أن معظم مياه هذه الأحواض الجوفية تتجدد من هطول الأمطار فوق أراضي الضفة الغربية نفسها، أي أن المصدر المائي يقع جغرافياً تحت الأراضي الفلسطينية، لكن السيطرة الفعلية على استخراجه وتوزيعه تقع بيد إسرائيل، التي تستخرج النسبة الأكبر منه لاستخدامها داخل الخط الأخضر أو في المستوطنات، بينما تُخصص حصة أصغر بكثير للاستهلاك الفلسطيني، عبر شركة "ميكوروت" الإسرائيلية الحكومية التي تبيع جزءاً من المياه للسلطة الفلسطينية بأسعار تجارية، فيضطر الفلسطينيون أحياناً إلى شراء بعض مياههم الجوفية الخاصة بأسعار السوق من الجهة ذاتها التي تتحكم في استخراجها.

اتفاقية أوسلو الثانية: تجميد مؤقت تحوّل إلى واقع دائم

حاولت اتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995 تنظيم ملف المياه عبر ملحق خاص أنشأ ما يُعرف بلجنة المياه المشتركة الفلسطينية الإسرائيلية، التي يفترض أن توافق على أي مشروع مائي فلسطيني جديد، من حفر بئر إلى مد خط أنابيب. لكن ما صُمم كترتيب انتقالي مدته خمس سنوات، تحوّل مع انهيار مسار التسوية إلى واقع شبه دائم استمر لعقود، حيث ظلت اللجنة عملياً أداة تمنح الجانب الإسرائيلي حق النقض الفعلي على أي مبادرة مائية فلسطينية، بينما تحصل المشاريع المائية الإسرائيلية، سواء داخل الخط الأخضر أو في المستوطنات، على معاملة مختلفة تماماً لا تخضع للآلية ذاتها. ووفق تقديرات منظمات حقوقية دولية ومحلية عديدة، بينها منظمة العفو الدولية وبتسيلم الإسرائيلية، فإن حصة الفرد الفلسطيني اليومية من المياه تقل كثيراً عن الحد الأدنى الذي حددته منظمة الصحة العالمية للاستخدام الآمن، بينما يحصل المستوطن المقيم في الضفة الغربية على كمية تفوق ذلك بأضعاف مضاعفة، في تفاوت صارخ يعكس بنية غير متكافئة من السيطرة على مورد حيوي واحد يتقاسمه سكانا الأرض نفسها.

الآبار وخزانات الأمطار: حين يصبح تجميع المطر مخالفة

لا يقتصر التحكم على الآبار الجوفية العميقة، بل يمتد إلى أبسط أشكال الحصاد المائي التقليدي: خزانات جمع مياه الأمطار التي اعتاد الفلسطينيون بناءها فوق أسطح منازلهم أو في باحاتها منذ أجيال. ففي مناطق مصنفة "ج" من الضفة الغربية، والتي تخضع لسيطرة إسرائيلية إدارية وأمنية كاملة بموجب اتفاقيات أوسلو، وثقت منظمات حقوقية محلية ودولية عشرات حالات هدم خزانات مياه وبرك جمع أمطار وأنابيب ري بحجة عدم الترخيص، وهو ترخيص يصعب الحصول عليه أصلاً في هذه المناطق تحديداً، ما يترك القرى الفلسطينية الرعوية والزراعية معتمدة على شراء المياه بصهاريج بأسعار تفوق أضعافاً مضاعفة سعر المياه الواصلة عبر الشبكة العامة، فيتحول أفقر السكان إلى من يدفع أعلى الأثمان مقابل أبسط الحقوق.

غزة: أزمة مياه مضاعفة بفعل الحصار والملوحة

يعيش قطاع غزة أزمة مياه أشد حدة من نظيرتها في الضفة الغربية، إذ يعتمد سكان القطاع بشكل شبه كامل على طبقة المياه الجوفية الساحلية، وهي طبقة صغيرة نسبياً تعرضت لعقود من الاستنزاف المفرط نتيجة الكثافة السكانية العالية والاستخدام الزراعي والمنزلي المكثف، ما أدى إلى تسرب مياه البحر المالحة إليها وتلوثها بمياه الصرف الصحي غير المعالجة بسبب تكرار الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية للصرف خلال الجولات العسكرية المتكررة. وقد حذّرت تقارير الأمم المتحدة المتعاقبة من أن أكثر من تسعين بالمئة من مياه الطبقة الجوفية في غزة غير صالحة للشرب وفق المعايير الدولية دون معالجة مسبقة، ما يجبر السكان على الاعتماد على محطات تحلية صغيرة ومكلفة أو شراء المياه المعبأة، وهو عبء اقتصادي إضافي يثقل كاهل سكان من أفقر مناطق العالم أصلاً. وقد موّلت جهات دولية، من بينها الاتحاد الأوروبي ووكالات أممية، محطات تحلية مياه بحرية بطاقات محدودة في محاولة لتخفيف الأزمة، لكن هذه المحطات تحتاج بدورها إلى كهرباء منتظمة تكاد تكون معدومة في ظل أزمة الطاقة المزمنة التي يعيشها القطاع، فتظل الحلول التقنية رهينة لأزمة سياسية أعمق لا تحلها محطة تحلية مهما كبرت طاقتها الإنتاجية.

المستوطنات والزراعة: من يروي بساتينه ومن يعاني الجفاف

يتجلى التفاوت المائي بوضوح أكبر في قطاع الزراعة، حيث تحصل المستوطنات الزراعية في غور الأردن وأجزاء أخرى من الضفة الغربية على كميات مياه مدعومة بأسعار تفضيلية تمكّنها من زراعة محاصيل كثيفة الاستهلاك المائي كالموز والحمضيات والزهور المعدة للتصدير، بينما يجد المزارعون الفلسطينيون في القرى المجاورة أنفسهم مضطرين إلى التخلي عن محاصيل تقليدية مروية والتحول إلى زراعة بعلية أقل إنتاجية تعتمد على الأمطار فحسب، أو حتى ترك أراضيهم بوراً كلياً بسبب استحالة الوصول إلى مصدر مياه اقتصادي. وقد وثقت منظمات حقوقية دولية عديدة حالات لآبار فلسطينية جُففت أو تضررت بعد حفر آبار إسرائيلية أعمق وأقرب منها جغرافياً تسحب من الخزان الجوفي نفسه، في نمط تكرر في مناطق مختلفة من الضفة الغربية على مدى عقود، ما يحوّل المياه من مورد طبيعي محايد إلى أداة تعمّق الفجوة الاقتصادية بين مجتمعين يعيشان على الجغرافيا ذاتها بشروط مختلفة تماماً.

القدس الشرقية: الضم الصامت عبر خطوط المياه

في القدس الشرقية، التي ضمتها إسرائيل رسمياً بعد احتلالها سنة 1967 في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي، يعاني كثير من الأحياء الفلسطينية، خاصة تلك الواقعة خلف جدار الفصل أو في مناطق التماس، من ضعف مزمن في شبكات المياه والصرف الصحي مقارنة بالأحياء اليهودية المجاورة التي تحظى ببنية تحتية أحدث وأكثر انتظاماً. وقد ربط باحثون عديدون هذا التفاوت في جودة الخدمات بسياسة أوسع تهدف، بحسب تحليلهم، إلى دفع السكان الفلسطينيين تدريجياً إلى مغادرة المدينة بفعل تردي ظروف المعيشة، وهي سياسة يصفها ناشطون حقوقيون بـ"الضم الصامت"، حيث لا يحتاج الأمر إلى قرار طرد مباشر حين يكفي حرمان حي بأكمله من ترخيص شبكة مياه صالحة لدفع سكانه إلى الرحيل التدريجي بحثاً عن حياة أكثر استقراراً في مكان آخر.

القانون الدولي والمياه: حق منصوص عليه ومنتهك في آن

يعترف القانون الدولي الإنساني، وتحديداً اتفاقية جنيف الرابعة، بأن على القوة المحتلة واجب الحفاظ على الحياة العامة وسلامة السكان تحت الاحتلال، بما يشمل ضمان وصولهم إلى المياه الصالحة للاستخدام الآدمي، كما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2010 قراراً يعترف صراحة بالحق في المياه النظيفة والصرف الصحي بوصفه حقاً إنسانياً أساسياً منفصلاً. ومع ذلك، تستمر الفجوة بين النص القانوني والممارسة الفعلية على الأرض، إذ تشير تقارير أممية متكررة، من بينها تقارير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى أن نظام السيطرة المائية القائم يشكل انتهاكاً مستمراً لهذه الالتزامات، دون أن يترجم هذا التوصيف القانوني إلى تغيير ملموس في موازين القوى الفعلية التي تحكم من يملك حق فتح الصنبور، ومتى، وبأي كمية.

مبادرات محلية: الصمود عبر البئر والصهريج

في مواجهة هذا الواقع البنيوي المعقد، طوّر الفلسطينيون على مستوى القرى والبلديات شبكة من الحلول التكيفية للتعامل مع شح المياه المزمن، من صهاريج المياه المنزلية التي تعلو أسطح المنازل كعلامة مميزة للمشهد العمراني الفلسطيني، إلى جمعيات محلية تدير مشاريع صغيرة لحصاد مياه الأمطار وتحلية جزئية بدعم من منظمات غير حكومية دولية. كما لجأت بلديات فلسطينية عديدة إلى تقنين توزيع المياه عبر جداول أسبوعية صارمة تحدد لكل حي يوماً أو يومين فقط لملء الخزانات المنزلية، في نظام إدارة أزمة تحوّل مع الوقت إلى جزء من الروتين اليومي المعتاد لملايين السكان، رغم أنه يظل حلاً مسكّناً لا يعالج جذر المشكلة القائم في بنية السيطرة السياسية على المصدر نفسه لا في ندرته الطبيعية المطلقة.

أرقام تختصر المشهد

تكشف الأرقام المقارنة حجم الفجوة أكثر من أي وصف إنشائي: بينما توصي منظمة الصحة العالمية بحد أدنى يومي لا يقل عن مئة لتر للفرد لتغطية احتياجاته الأساسية بأمان، تشير تقديرات مؤسسات حقوقية متعددة إلى أن كثيراً من التجمعات الفلسطينية في مناطق "ج" وبعض أحياء القدس الشرقية لا تتجاوز حصتها الفعلية في بعض المواسم جزءاً يسيراً من هذا الحد الأدنى، خصوصاً في أشهر الصيف حين ينقطع الإمداد عن بعض القرى لأسابيع متصلة بينما تبقى المسابح ومزارع المستوطنات المجاورة مروية بانتظام، في تباين يراه كثير من الباحثين أبلغ تجسيد رمزي ومادي في آن واحد لمعنى العيش تحت احتلال طويل الأمد.

خاتمة: المياه كمرآة لصراع أعمق

يكشف ملف المياه في فلسطين المحتلة أن الاحتلال لا يُقاس فقط بخطوط الحدود على الخريطة، بل يتغلغل في أدق تفاصيل الحياة اليومية: كمية المياه التي تصل إلى خزان منزل فلسطيني في قرية بالضفة الغربية، وموعد وصولها، وثمنها مقارنة بدخل الأسرة. وبينما تتصدر قضايا أخرى كالمستوطنات والقدس والحدود عناوين الأخبار، يظل ملف المياه، بصمته النسبي وتعقيده الفني، واحداً من أكثر الأبعاد كشفاً للطبيعة البنيوية غير المتكافئة للسيطرة على الأرض والموارد، وأحد الملفات التي ستظل حاضرة بإلحاح في أي حل مستقبلي عادل ومستدام للقضية الفلسطينية، إذ لا معنى لسيادة سياسية منقوصة لا تملك صاحبتها حتى الحق الكامل في مياه أرضها.