قلنا في المقال السابق أن ما تفعله الولايات المتحدة على الصعيد الخارجي ما هو إلا (بيروسترويكا) لن تزيدها إلا خسارة، وقلنا أن انهيار الولايات المتحدة سيكون من الداخل، وتحديدا من اقتصادها، ولن اكرر ما قلته سابقا ولكني سأضع بين أيديكم – أعزائي القراء – دلائل أخرى على انهيار الاقتصاد الأمريكي، بدأت تتضح أمام كل المراقبين.
الاقتصاد الأمريكي كان اكبر مقرض في العالم قبل عقد من الزمن، لكنه أصبح الآن اكبر مدين في العالم.. وهذا يعني أن المواطن الأمريكي يعيش الآن على أعلى من دخله، معتمدا على الاستدانة، وبسبب انخداعه بما يسمى "بالأسواق الوهمية" أي أسواق الأسهم والسندات، فأكثر من 50% من الشعب الأمريكي يملكون أسهما في البورصة الأمريكية!!؟ وما حدث بعد أحداث 11 أيلول أن المستثمر الأمريكي فقد ثقته بالإجراءات التي تقوم بها الدولة لتوفير الأمان لهذه الاستثمارات، وبالتالي هروب رؤوس الأموال إلى دول الاتحاد الأوروبي.
نشرت جريدة الأسواق الأردنية في 4/8/2002 مقالا قالت فيه "تشهد منطقة اليورو عودة متنامية لرؤوس الأموال التي كان المستثمرون يفضلون توظيفها في الولايات المتحدة ويتوقع أن يسهم ذلك في اكتساح الدولار، حيث سيسير الاقتصاد الأمريكي نحو أزمته الخانقة".
وحتى نخرج من العموميات إلى ما أريد الوصول إليه سأبدأ بشرح كيفية حصول الخسارات في الشركات الكبرى في الولايات المتحدة والذي يؤدي إلى انهيار اقتصادها كليا؟؟!!
هناك نوعان من الأسواق: الأول: ما يسمى بالأسواق الوهمية "أي أسواق البورصات والسندات، والتي يلجا إليها المستثمرون أصحاب رؤوس الأموال المتوسطة طلبا للربح السريع".
النوع الثاني: هو الأسواق الحقيقية: أي أسواق السلع والخدمات، وهذه يملكها كبار المستثمرين، وتطرح أسهمها في البورصات الأمريكية والعالمية، وتعتمد قيمة أسهمها على الإنتاجية من جهة وعلى مدى أمان رأس المال والاستقرار السياسي من جهة أخرى.
المواطن الأمريكي قبل أن يستثمر ماله الصغير "تحويشة العمر" ويشتري أسهمها يعتمد في قراره على أمرين:
الأول يتجه إلى شركات تدقيق الحسابات.والثاني اعتماده الأساسي على الإجراءات التي تتخذها الدولة لدعم الاقتصاد والقوانين التي تحمي المستثمرين في حالة حدوث أي خسائر للشركات.
فمتى تقع الكارثة، تقع الكارثة عندما يختلس المتنفذون ذوو المهارة والشطارة الأموال والموجودات كلها فتنكشف هذه الأسواق وتنهار البورصات، ويبدأ الإعلان عن إفلاس هذه الشركات العملاقة – بلجوئها إلى محاكم تحميها من المطالبة بالمليارات, التي يتوهم أنها أرباح وإذا بها ديون باهظة يستحيل سدادها، فيغنى من يغني ويفقر من يفقر، وهكذا دواليك.
وهذا أصبح أمرا واقعا في الولايات المتحدة وينتهي عادة عند البنوك "قطاع تمويل الاستثمار" التي تقدم قروضا كبيرة للشركات العملاقة بناء على دراسات جدوى لواقع السوق الحقيقي والمعتمد في حقيقته على السوق الوهمي، فتعجز الشركات عن السداد وبين ليلة وضحاها تنهار أسهمها.
وتبدأ الخسارة من المواطن العادي الذي يفقد رأسماله الصغير ثم الشركات التي تكون قد أعلنت عن إفلاسها، وتسريح آلاف العمال فيها، وبعد ذلك البنوك "قطاع تمويل الاستثمار" وهكذا تبدأ المنظومة الاقتصادية بالانهيار كأحجار الدومينو، وهذا الواقع بدأنا نلتمس ظواهره في الولايات المتحدة بشكل جلي!
واليك – عزيزي القارئ – أسماء بعض الشركات العملاقة وقيمة خسائرها لتعرفوا عظيم البلوى التي أصيب بها الاقتصاد الأمريكي:
1- شركة وولدكوم للاتصالات 41 مليار دولار.
2- شركة انرون للطاقة 25 مليار دولار.
3- ميريل انديكو للادوية 12 مليار دولار.
4- هاركن للطاقة 4.2 مليار دولار.
5- الفياكو ميوننكشير للتلفزة 3 مليار دولار.
وتلاحظون أن اقل شركة بلغت خسارتها ضعف ميزانية المملكة الاردنية الهاشمية.
قرأت تعليقا في المجلة الاقتصادية الشهيرة "فورشن" تقول فيه "هناك عفن مرعب في النظام الاقتصادي الأمريكي، بدأت رائحته تفوح"!!
الاقتصاد الأمريكي الآن يعيش بإمكانات اكبر من الإمكانات الذاتية للدولة.. وذلك من اجل الحفاظ على الهيمنة العسكرية والسياسية على العالم؟؟!!
وهل تعلمون أن 50 مليون مواطن أمريكي يعيشون الآن تحت خط الفقر، وان 55% من الثروة الأمريكية يملكها 2% من الشعب الأمريكي فقط.فاعتبروا يا أولي الأبصار.



