يخطىء من يعتقد أن علينا عدم دراسة الصراع القائم بين كبرىالشركات العالمية في مجال التكنولوجيا ميكروسوفت وجوجل، ويخطىء من يعتقد أن هذهالشركات اتفقت مع بعضها لتمثل دور العدو وتجني المليارات، جاء هذا البحث القصير بعدماقرأت مقالا في مجلة اقتصادية عالمية تحدث عن قرب تدمير جوجل لشركة ميكروسوفت،عنوان جعلني أشعر بالخوف لا على ميكروسوفت لكن على شركاتنا فماذا بعد الويندوز؟تكاليف برامج وتعليم جديدة؟.. أخطاء عمل أكثر حتى الاعتياد على البرامج الجديدة، كل هذا يجعلنا نضطر لدراسة صراع الاخرين ما دمنا مستهلكين.
وعندما نذكر الانترنت أو نذكر الصراع في بيزنس التكنولوجيا فإننا نجد عملاقين ضاق كلمنهما ذرعا بالآخر، العملاق الاول ميكروسوفت بقيمة سهم 19 دولار حسب ناسداك وقدوصل يوما قيمة سهمها 30 دولارا قبل الازمة الاقتصادية العالمية ولها الآن رأس مالبمقدار 175 مليار دولار. والعملاق الثاني جوجل صاحب أشهر محرك بحث على الانترنتبقيمة سهم 356 دولار تقريبا (وصل يوما ما لـ 700 دولار) وراس مال مقداره 117 ملياردولار.
أولا : معلومات عن الشركتين.
ميكروسوفت: شركة برمجة منتجهاالرئيسي أنظمة التشغيل المشهورة باسم ويندوز، لديها عقود كبيرة للتعاون مع كبرىمصنعي أجهزة الكومبيوتر مما ساعدها على جعل نظام ويندوز نظام التشغيل الرئيسي لـ90% من أجهزة الحاسوب في العالم. وقد تأسست هذه الشركة عام 1975 على يد بيل جيتسوبول الين.
جوجل: شركة شابة تأسست عام 1998 معانتشار الانترنت على يد لاري بيج وسيرجي برين، وأشهر منتجاتها على الاطلاق محرك البحثالمسمى جوجل والذي نجح بشكل كبير حتى جعل من كلمة جوجل كلمة لغوية يستعملها الناسوتعني بحث، جوجل مؤخرا بدأ بالخروج من صندوق محرك البحث ليقدم خدمات جديدة مثلانظمة العمل المكتبي وخدمة الخرائط ايضا.
ثانيا : تأثر الشركتين في الأزمة العالمية.
مع انهيار منظومة الاقتصاد العالمي في اواخر عام 2008 تأثرتكل الشركات الكبرى في العالم، وبالتالي فانه ليس مستغربا ان نجد جوجل وميكروسوفتمتأثرتين بهذه الأزمة، فكلتا الشركتان أعلنتا للمرة الاولى في تاريخهما تقليص عددالموظفين فاستغنت ميكروسوفت عن 5000 الاف موظف، بينما تخلت ميكروسوفت عن كافةوكلاء التوظيف وسرحت مئة موظف ايضا يعملون في قسم ادارة الموارد البشرية.
لكن مع هذه الأزمة تبقى ميكروسوفت وجوجل بمنأى عن الكوارثالمالية، وتبقى ايضا اقوى شركات العالم في مجال التكنولوجيا.
ثالثا : قصة الصراع.
قد يقول قائل ليس هناك وجه للصراع بين ميكروسوفت وجوجل، فميكروسوفتتركز اكثر على نظام التشغيل وهو مصدر دخلها الرئيسي، بينما جوجل تركز على محركالبحث وهو نقطة قوتها الكبرى ودخلها يأتي من خلال الدعايات المرتبطة في هذا المحرك...فكيفيمكن القول بوجود صراع بينهما؟.
لكن العمل في قطاع التكنولوجيا مع عصر الانترنت لا بد له انيخلق نقاط تقاطع يتصارع عندها العمالقة خاصة في النقاط لا تقبل القسمة على اثنين،ميكروسوفت لديها محرك بحث اسمه لايف سيرش (Live search) بينما محركبحث جوجل يحتل اكثر من 60% من عمليات البحث على الانترنت حول العالم حسب احصائيات2008 من قبل شركات تدقيق موثوقة مثل ComScore و Hitwise.بينما فشل محرك بحث ميكروسوفت في وصل حد ال 10% حسب احصائيات ويب.كوم.
نقطة الصراع الاولى واضحة،ميكروسوفت شركة عملاقة تشعربالاهانة عند التحدث عن محركات البحث وحصتها القليلة جدا، فيجب علينا ان نتوقعتحركا لها في هذه النقطة ليس لهزيمة محرك بحث جوجل لكن من اجل تقليص هذا الفارقالعظيم بينهما. وجوجل كشركة استراتيجية محترفة ستقوم بالتاكيد بالتركيز على نقطةقوتها وزيادة حصد النتائج عبره.
الصراع الثاني يظهر عندمانتحدث عن برمجيات الانتاج (productivity software) حيث ينتج كل منهما مجموعات لخدمة الشركاتوالافراد، ويأتي منتج مايكرسوفت (ميكروسوفت اوفيس) في مقدمة هذه البرمجيات حيثيشمل نظام معالجة الكلمات (ميكروسوفت وورد) وادارة قواعد البيانات (اكسس) ومعالجةالجداول والارقام (اكسل) اضافة الى العديد من برامج الانتاج المميزة مثل الفيزيووادارة المشاريع والبابلشر (الناشر). تطبيق ميكروسوفت يحتوي على العديد منالتفاصيل والخدمات التي قد لا تلزم المستخدم العادي لكن عندما نتحدث عن الشخصالمتخصص والمهني فان اعتماده يكون كبيرا على ميكروسوفت وبرامجها الانتاجية.
جوجل ردت على ميكروسوفت هنا باستخدام جوجل دوكس(GoogleDocs)،لكن برمجية جوجل هذه ليست مستعملة عبر سطح المكتب وانما من خلال الانترنت بما يسمىWeb-based، وهذا يعني انك تستخدم البرنامج عبر متصفحللانترنت... ورغم ان هذا النظام غير متقدم ومعقد مثل انظمة ميكروسوفت الا ان جوجلتؤكد ان العديدين لا يريدون الا مهام بسيطة من انظمة الانتاج وهذا ما يقدموه هم.ما يميز نظام جوجل هنا وجود امكانية استعماله من اي جهاز كان ما دام خط الانترنتمتوفر.
ميكروسوفت ردت على رد جوجلهنا بتطبيق اطلقت عليه اوفيس لايف وورك سبيس Office Live Workspace (OLW)، وهو مشابه لالية عمل جوجل دوكس (حيث انهيعمل من خلال الانترنت) وهذه النسخة هي نسخة مبسطة من ميكروسوفت اوفيس وانظمةميكروسوفت الاخرى ويسمح لك بادارة معلوماتك ومشاريعك من اي جهاز كان ما دامالانترنت متوفرا.
قصة الصراع تتواصل وتبدو انهاغير منتهية فلدينا الجي ميل (خدمة ايميل من جوجل ) وتواجهها ميكروسوفت بخدمتها هوتميل، وهنا نعلم ان الهوتميل له افضلية نظام الماسنجر القوي والمرتبط ايضا بماسنجرعملاق اخر على الانترنت هو الياهو، والجي ميل له افضلية سرعة الخدمة وبساطة المنتجوكذلك دعم العديد من المتخصصين له.
الوجه البعيد عنا من الصراعنجده في الموبايل، فالصراع الان بين ميكروسوفت وجوجل قائم على انظمة تشغيل اجهزةالموبايل مثل (سمارت فونز)، الفرق في هذا الصراع قائم على الية العمل حيث تقدمميكرسوفت نظام تشغيل مغلق، بينما ما تقدمه جوجل هو نظام جوجل اندرويد ذي المصدرالمفتوح حيث تستطيع كمبرمج بناء تطبيقات جديدة عليه.
رابعا : ميزان الأفضلية.
من أجل توقع نتيجة كل صراع لا بد لنا من معرفة نقاط قوة طرفيالصراع ونقاط ضعفهما، ، فما هي نقاط قوة وضعف كل من ميكروسوفت وجوجل :
جوجل= ابداع وابتكار :
استطاعت جوجل عبر سياستها واستراتيجتها ان تزرع في عقولالناس انها شركة ترتكز وتعتمد على الابتكار والابداع، فمثلا نعرف جميعا ان جوجلاشترت العديد من الخدمات والشركات لكن لا احد ينتقدها لذلك والكل يذكر أجواء شركةجوجل المميزة من حيث وجود مراكز الترفيه والسماح للموظفين بصرف 20% من وقتهم علىمشاريع خاصة قد تتحول يوما ما لمشاريع لجوجل نفسه.
ميكروسوفتمبتكرة لكن الغضب عليها:
الكل يعترف ان ميكروسوفت تقدم خدمات غريبة وعجيبة ويكفيهافخرا نظام التشغيل ويندوز، هذا النظام ذاته كان السحر الذي انقلب على الساحر بعدويندوز فستا والذي عانى من قلة جودته مما ادى الى السخط على ميكروسوفت وقرارالكثيرين هجر هذا النظام الحديث (فستا) وانتظار ويندوز 7 بدلا من محاولة تنصيبملفات الاصلاح لنسخ فستا.
من هوالشيطان؟
عندما نذكر جوجل ورغم اعتمادها الكبير على الاعلانات وشراءشركات اخرى وخدمات خارجية عبر الية الطرف الثالث (مثلما يحدث في محرك البحث حيثتزوده شركة اخرى بالمواقع المشبوهة والخطيرة)، فان الكل يرى جوجل ناجحا دون اساليبملتوية، وللعلم هذه النقطة مذكورة في دستور جوجل (يمكنك النجاح دون ان تكونشيطانا). لكن ميكروسوفت معروف عنها حصرية خدماتها وملاحقاتها القانونية لمن ينتهكملكيتها، ومحاولتها الاحتكار دوما مما يجعلها في نظر الكثيرين شيطانا.
جوجل يتسيد الانترنت:
كل منا عندما يفتح الانترنت يكون له زيارة اجبارية لجوجل،فمن منا لا يبحث عبر محرك بحثه او لا يزور اليو تيوب (المملوك له) وكم منا لايستقبل ايميلا من الجي ميل يوما او يستخدمه كايميله الشخصي، ان لم نكن من اؤلئكفنحن نزور بلوغر (مدونة جوجل) او نستخدم جوجل ايرث. اهذا يكفي لنعرف سيادة جوجلللانترنت؟
ان كان لا يكفي اقدم لك بعض الأرقام؛ جوجل يحصد اكثر من 75%من اجمالي الاعلانات عبر محركات البحث في العالم عبر ما يعرف بخدمة جوجل اد (دراسةمن شركة التحليلات ايفشنت فرونتير)، كما ان معدل نمو الجي ميل هو 43 % خلالعام 2008. وحسب تصنيف الكسا العالميللمواقع فان : جوجل. كوم يحتل المركز الاول عالميا بعد ان اضاف موسوعة وحدةالمعرفة اليه (Knol)، بينمايحتل يوتيوب المركز الثالث وبلوغر المركز التاسع عالميا. في حين ان ميكروسوفت تملكمواقع (msn, live) واللذانيحتلان المراكز الرابع والخامس على التوالي.
ميكرسوفت افضل من ناحية تطبيقات سطح المكتب desktopapplication :
ميكرسوفت تلجا لخبرتها في مجال تطبيقات سطح المكتب حيث لهانظام التشغيل ويندوز وكذلك ميكرسوفت اوفيس، ولا ننسى أكثر متصفح انترنت استعمالافي العالم انترنت اكسبلورر، نقطة القوة هذه تجعل ميكروسوفت قادرة على المجابهة رغمتفوق جوجل من حيث دعم الشارع له وتخصصه وخبرته في الانترنت عصب هذه الحياة.
ميكروسوفت منتجة للالعاب واجهزة اللعب:
في هذا المقال وجدت ذكر الاكس بوكس جهاز لعب ميكرسوفت ضرورياجدا اضافة الى انتاج ميكروسوفت للعديد من العاب الكومبيوتر والفيديو المنوعة ، هذاالجزء يعتبر نقطة قوة مميزة جدا لشركة بيل جيتس حيث ان جوجل لم تصل اليه بعد.
جوجل عالق في بيتا ويعتمد على مصدر دخل واحد:
كلمة بيتا في البرمجيات تعني منتج غير منتهي العمل عليه بعدويمكن للمستخدم ان يواجه فيه مشاكل اثناء الاستعمال، جوجل الى الان وبعد اكثر مناربع سنوات على الجي ميل لم تستطع ان تقول انه انتهى من مرحلة البيتا. نقطة اخرى غير جيدة بالنسبة لجوجل وهي ان 97% من دخل هذه الشركة قائم فقط على بيع اعلاناتمحرك البحث (Googleads) مما يعنيبكل بساطة ان منافس جديد لجوجل على هذه الخدمة ان ظهر بقوة قد يؤدي بنا لنرىانهيارا لن ننساه لهذه الشركة العملاقة.
خامسا : من يدير الصراع؟.
هذا الصراع القائم بين شركتين برأس مال مجموعه 300 ملياردولار يحسمه المستهلك الذي قد لا يدفع اكثر من بضع مئات من الدولارات، فهذاالمستهلك ان توجه نحو اجهزة الحاسوب الرخيصة محدودة القدرات فان جوجل ستنتصر وقدتدمر ميكروسوفت لانها تزود غالبية تطبيقاتها على شكل خدمات الويب، بل انها تجهزتلهذا الخيار بطرحها متصفح كروم كخطوة اولى نحو نظام تشغيل قائم على الويب.
لكن المستهلك لو قرر دفع بعض المئات من الدولارات الاضافيةفي جهاز كومبيوتر متطور فان ميكروسوفت ستبدا بحصد نقاط التقدم على جوجل ،فتطبيقاتميكروسوفت بغالبيتها تعتمد على قوة الجهاز المستعمل من حيث المعالج والذاكرةالمؤقتة (الرام) المتوفرة.
وتبقى وجهة النظر في هذا الصراع مربوطة في التطور التكنولوجيالقائم، حيث اضحى الانترنت عصب الحياة للاعمال والافراد وهنا تفرح جوجل بتقدمهاوخبرتها في هذا المجال، تطور تكنولوجي قد يجعل ميكروسوفت مهددة فعلا يوما مابالرحيل من سوق التكنولوجيا لكن هذا لن يحدث بالتاكيد في الزمن القريب، وملياراتميكروسوفت لن تبقى مصفوفة في البنوك دون استثمار وبحث للرد على جوجل.



