بدءة ذي بدء أؤكد أن هذا المقال وما قبله إنما هو نتاج تفاعل حقيقي مع بعض القراء. أكرر : "بعض القراء" لأنه مع الأسف إن كان كثيرون من الكتاب غير مجيدين للكتابة ، فأكثر القراء غير مجيد للقراءة والنقد. كيف؟
النوايا والمعتقدات الشخصية ليست محلا للنقد ، لأنها مادة لا تقبل إجراء المنطق عليها ، يعني مثلا أنا أتفاؤل باللون الأخضر ، ولا آكل الأرز ، وأحب الخبز عوضا عنه...أنا حر! ببساطة ، ولو قضينا الوقت نناقش العلة والمعلول فسندخل حتما في دائرة الخبل والمخبول!
هناك منطق زائف (False Logic) يعتمد على القفز من مقدمة تبدو منطقية إلى نتيجة غير منطقية بالمرة مثل هذا
المثال:
القطة لها أربعة أرجل ، والكلب له أربعة أرجل إذن: كل قطة كلب!
الكاتب يحكي بضمير المتكلم عن واقعة مشينة ، إذن هو بطل القصة؟! وقد حدث هذا مع زميلة فاضلة كتبت تحذر البنات من الوقوع في فخ الزواج عبر الإنترنت ما لم تستوثق منه فكان رد بعض القراء عليها: لماذا يا أختي ترخصين نفسك وتعرضين نفسك على الناس في الإنترنت لتتزوجي..سبحان الله! أنت عندنا غالية فلا ترخصي نفسك!!!!!
كتبت عن خبرات شخصية ويشهد الله أني تمتعت بقراءة "الأيام" للدكتور طه حسين كما لم أتمتع بقراءة عمل أدبي إلا فيما ندر ، و"الأيام" كلها تاريخ شخصي بحت لطه حسين ، وطبيعي أن الكاتب لا ينفصل عن ذاته وبيئته واعتقاده وإن كان يستطيع المراوغة والخداع أحياناً.
من حقي أن أثور وأكثر من ضمير المتكلم؟ قطعاً من حقي ، وإلا فلن أصير عالما وباحثا عظيما يوما ما. فالباحث يجب أن يرمي نفسه في محيط العلم والمعرفة، ويسبح بقوة وعنف ويخطيء ويضعف ثم يقوى ثم يتعلم من خطئه ثم يتجرأ ويقوي قلبه وسيجد نفسه إن شاء الله على بر الأمان ، وينبغي ألا يعبأ بإرجاف البعض ، لأنه ببساطة كما يقول المثل الشعبي عندنا في مصر: اللي ع الشط عوام.
طيب هل أنا في خندق الدفاع؟ كلا ، بل ومن الغباء أن يضع أحد نفسه في هذا الخندق. وعندما يدعي أحد أن الإسلام قد انتشر بالسيف فإني لا أعدد له أخلاق التجار المسلمين الذين تأثر بهم أهل البلاد الأصليين فدخلوا في الإسلام أفواجا ، ولا أن المسيحية قد عاشت أزهى عصورها في ظل الإسلام بعد تذبيح إخوانهم الرومان لهم لكني أدلف مباشرة بقولي: أنا لست متهما ، والإسلام لا ولم ولن يكون متهما أو في خندق الدفاع ، وانظروا إلى ما فعله الرومان والفرس وإنجلترا وفرنسا التي وصل بها الجرم إلى تسميم آبار الجزائر عند خروجها منها ، وأمريكا التي بنت مجدها على جبال من الأشلاء والدمار ناهيك عن الدولة اللقيطة إسرائيل.
بل على الكاتب أن يكتب ثم يقرأ التعقيبات بعناية شديدة تاركا الحرية لكل الناس في قول ما يشاؤون مثلما أفعل عندما أتعرض للشتائم مثلا ، ثم يسير في طريقه قدما ، لكن كلامي هذا إنما هو رغبة حقيقية في التفاعل والتواصل وإيمان عميق بأن العلم والتعليم عملية تبادلية مشتركة ليست فيها خرافة النجم الأوحد.
ومثال بعض القضايا التي تأخذ الجهد والوقت بلا تحقيق لفائدة مرجوة الحديث عن الأقلية المسيحية في مصر ، والحقيقة أني من هنا أوجه الكلام لكل مسيحي مصري فأقول: لو قلت عن نفسك أنك أقلية فأنت غبي! لأنك بهذا تطمع فيك المتطرفين من المسلمين الذين يشبهون المتطرفين المسيحيين ، ولو أحسنت لقلت إنك مصري ، وهذا وطنك مثلك مثل المسلم ، وليس الأمر بالأكثرية ، ودليلي على هذا هو أن سيراليون الواقعة في أقصى غرب أفريقيا وطبقاً للإحصاءات الرسمية فإن عدد السكان نحو 7 مليون نسمة، وهم موزعون كالتالي : 70% مسلمين، 20% نصرانيين، 10% وثنيين، ومع هذا فإن الأقلية المسيحية هي التي تحكم ، والتنصير هناك على أشده مستغلا فقر وجوع سيراليون التي يشبهها في حالتها النيجر وتشاد وليبيريا وغينيا.
وفي تعليق أخينا الكريم الأستاذ محمد السلوادي يستنكر أن شعوبنا متخلفة ، ويرمي بالمسئولية على الحكام وحدهم ، والحقيقة أنه أبعد النجعة ، وقال ساخرا: ربما بنجلاديش هي السبب في تخلفنا ، وأنا أهديه هذا الاسم: بنك الفقراء الذي أنشأه في بنجلاديش دكتور محمد يونس ، وأرجوه أن يكتبه في جوجل ، ويعرف ما فعله هذا الفرد الذي لم ينتظر حكومته لتحل مشكلات شعبه فتحرك وكان إيجابيا عكس شعوبنا.
على العموم في قصتي إجابتي، والأهم أنها ستغنيني بواقع حدث عن تنظير طويل قد يمله القاريء ، فهاكم الحكاية:
في المرحلة الجامعية لم يكن ثمة منهج ولا ساعات دراسية ولا نظام بل وحتى الأساتذة لم يكونوا يحضرون. باختصار كانت هناك فوضى مثلما هو الحال في كل بلادنا من المحيط إلى الخليج.
كنت متبرما بهذا لأني أحزن على عمري...صحيح أني كنت أذهب إلى مكتبة المجلس الثقافي البريطاني في العجوزة أتزود منها بالعلم والثقافة ، وقد أغلقها مدير المركز السيد بول سميث الذي تأسف على كون المصريين لا يقرأون بينما أكد أنه حتى الشعب الهندي شعب قاريء!!!
الخلاصة والشاهد أن كل الطلاب قد انطفأت فيهم شعلة الحماس وبدلا من الصبر والتحصيل والدرس والذهاب إلى المكتبات معي ومع غيري من الأصدقاء ركن هؤلاء إلى وريقات بسيطة فيها أخطاء إملائية بشعة كانوا يحفظونها حتى يتقيؤوها في ورقة الإجابة في آخر العام. ظل هذا حالنا إلى أن أكرمنا الله تعالى بأستاذ حاصل على الدكتوراه من شيكاغو ، وعاش في أمريكا ما يقرب من ثلاثين عاما زار فيها أغلب دول العالم. كان هذا الأستاذ يتمتع بقدرات عجيبة والله: ثقافة رفيعة ولسان طلق ولغات أجنبية عديدة وإجادة لتخصصات مختلفة وروح شاب وثابة وأمل لا يكل ولا يمل. ظل الأستاذ يرجو الطلاب (ركز: فالطلاب من الشعب لا من الحكومة) أن يتبعوا خطواته ويتعلموا منه خطوات البحث العلمي الجاد مع نبذ للدونية في النفوس التي تشعر دوما أن الغرب هو الأقوى إلى الأبد. وفي المقابل ظل الطلاب يتهكمون عليه وراء ظهره ويهربون منه ويضيقون به ويثبطونه فوصل الحال بالرجل أن أنفق من ماله الخاص علينا يشتري لنا الكتب والأوراق وما يلزمنا للبحث العلمي ويصبر على تعليمنا الإنجليزية وغيرها من اللغات وغير هذا من أبواب المعرفة والعلم بلا فائدة. لقد كان يقول كلمة عميقة المعنى والله:" لو كانت عيوني زرقاء وشعري أصفر لكان استقبالكم لي حافلاً!"
الشاهد أن الشعب قد تعود الكسل واستراح لتعليق الأخطاء على شماعة الحكومة ، ولو علمت يا سيدي لعرفت أن المجالس المحلية في مصر من أكثر الأجهزة فسادا وسرقة ، وليس هذا بكلامي ، فقد قالها الدكتور زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية بأعلى صوته في مجلس الشعب: "الفساد في المحليات وصل للركب" ، تعرف أخي الحبيب أن العاملين بالمحليات هذه من الشعب ، بل هم موظفون عاديون يسكنون إلى جوارك ويعانون من نفس الأزمات الاقتصادية التي تعانيها ومع ذلك يسرقونك؟! طيب: المصري في مصر فوضوي ومستهتر والدليل الأكيد هو شوارعنا التي ما إن تسير فيها حتى تشعر أنك في سوق صاخب يضج بالفوضى ، وسوء الأخلاق. طيب ما الذي يجعل هذا المصري في دولة الإمارات (ولن أقول الدول الغربية) يلتزم بإشارات المرور ويتوخى النظام ويكون مسئولا عن سلوكه؟ لماذا؟ لأن الشعب من داخله مع الأسف لم يخلق بعد التزاما خلقيا من الداخل ، ولم يقم بتربية ضميره ، والكارثة أنه ينتظر دائما العقاب حتى ينصلح حاله. أخيرا كل حبي وتقديري وتحياتي لكل القراء الكرام.
بسم الله الرحمن الرحيم:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ."



