من الوهلة الأولى التي خطرت لي فيها فكرة المقال تأكد لي أنه سيكون أجزاءً لأن الموضوع جد مهم وخطير ، وهو كيف نجعل الدين في أوطاننا المنكوبة عامل بناء لا معول هدم.
يقول الإمام محمد أبو زهرة في كتابه: ابن حنبل: حياته وعصره ، وآراؤه الفقهية في صفحة 139 طبعة دار الفكر العربي:" لم يكن أحمد بن حنبل من الرجال الذين عكفوا على دراسة الملل والنحل والفرق المختلفة ومجادلتهم ، ولم يكن ممن يستجيزون العكوف المطلق على الدراسات العقلية ، غير مستندة
إلى أصل من كتاب أو سنة ، ولم يكن يستبيح لنفسه الجدل في أي صورة من صوره ، لأن الحقائق لا تطمس إلا بمثارات الجدل ، ولا تذوب إلا في حومة الخصومة البيانية ، ولأنه فهم العلم طلبا للحقائق ، ودراسة للمأثور ، وليس غلابا ولا نزالا ، ولا اعتراكا بالأقوال ، كاعتراك الجند بالسيوف ، ولأن من جعل طلب هذا العلم الديني بالجدل ، فقد جعل دينه هدفا للخصومات ، وغرضا لسهام الطعن ، وليس هذا مما يتدلى إليه إمام السنة أحمد رضي الله عنه."
كلام أبي زهرة يستحق أن يكتب بماء الذهب ، وقد ذكرته هنا لسببين: 1- لأن أبا زهرة مكروه عند بعض الإخوة السلفيين بينما أنه يكبر ابن حنبل ويجله إجلالا عظيما 2- لأني أعرف أن زمان الإنترنت له أيضا معايبه فقد عود القاريء الكسل ، وحب المستخلصات لا المطولات ، واليسير لا العسير من الألفاظ والتراكيب ، وهذا حقه أيضاً.
كلمة أبي زهرة لم يكن فيها تجن على ابن حنبل فقد قرأت قبل ذلك تأكيدا لهذا الكلام مما قاله أبو حامد الغزالي من أن اهتمام ابن حنبل بالدراسات العقلية وإعمال العقل كان محدوداً ، ثم إن أحمد قد فعل هذا من باب الورع لا من باب الضعف.
غير أني عندما أقارن ابن حنبل بابن تيمية ، والمقارنة أمر صعب شديد الصعوبة خاصة وأني لا أملك أدواتها الآن ، وسأقصر المقارنة على الجانب العقلي فأخرج مدهوشاً لأن ابن تيمية قد انتصر للعقل وأجله بصورة كبيرة جدا ، ودليلي الأكيد على هذا هو كتابه: درء التعارض بين العقل والنقل.
يقول عبد الرحمن الشرقاوي في كتابه: ابن تيمية الفقيه المعذب ، والذي طبعته دار الشروق:
"عاش حياة منتقضة متوترة من المعارك المتصلة...حارب فيها بالقلم ، وباللسان ، وحتى بالسيف نفسه!
كانت معاركه تهدأ في بعض الأحايين ، ولكنها لم تنقطع عنه قط!
وهي حتى إذا توقفت ، أثارها هو بنفسه من خلال رأي يخالف به ما ألفه الناس ، أو حدة يصدم بها أحد مجادليه ، أو حملة يشنها على ما يراه بدعة أو مخالفا للسنة..."
مرة أخرى ما أريد أن أستخلصه هنا هو حاجتنا للفقيه الثائر المجدد الجريء الذي يعيش واقع الناس ويشاركهم آلامهم ، ويكون عونا لهم على مصاعب الحياة ، وعامل بناء لا معول هدم في يد السلطان.
وقد اخترت ابن حنبل وابن تيمية لأنهما محل احتفاء شديد من الإخوة السلفيين حتى أقول لهم إنهما كانا فقيهين جريئين. أحدهما يمتاز بدماثة خلق لا نظير لها بين أقرانه وورع شديد ، والآخر ثائر وقف ضد التتار وظلم الأمراء وعاش حياته كلها تقريبا في السجن فأين شيوخكم من ابن تيمية الرباني المجاهد؟!!!!!
بل لعلكم تعجبون إذا نقلت لكم ما قاله التلميذ الأثير لابن تيمية وهو ابن قيم الجوزية في كتابه أعلام الموقعين عن رب العالمين حيث يقول في الجزء الثالث منه تحت عنوان:" في تغير الفتوى، واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد:
"هذا فصل عظيم النفع جداً، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ وصف الشريعة.
فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح؛ فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم...."
وقد أحصيت كلمة "مصالح العباد" فوجدتها تكررت في أعلام الموقعين ثلاثين مرة بواقع: 8 و 13 و 6 و 3 على الترتيب من الأجزاء الأربعة للكتاب ، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد لا لتنفيرهم وتكديرهم.
يقول المولى تبارك وتعالى:" وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم..." وكما نعلم فإن النكرة في سياق النفي تعم ، والمعنى أنه ليس ثمة حرج أو مشقة على الإطلاق في الإسلام. وقد أعجبني ما قاله سيد قطب عند تفسيره لهذه الآية الكريمة أنقله لكم اليوم وأختم به حتى أستعد في الجزء الثاني لشرح وجهة نظري بالتفصيل بعد هذه النقول:
" وما جعل عليكم في الدين من حرج). . وهذا الدين كله بتكاليفه وعباداته وشرائعه ملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته . ملحوظ فيه تلبيته تلك الفطرة . وإطلاق هذه الطاقة , والاتجاه بها إلى البناء والاستعلاء . فلا تبقى حبيسة كالبخار المكتوم . ولا تنطلق انطلاق الحيوان الغشيم !
وهو منهج عريق أصيل في ماضي البشرية , موصول الماضي بالحاضر: (ملة أبيكم إبراهيم، وهو منبع التوحيد الذي اتصلت حلقاته منذ عهد إبراهيم - عليه السلام - فلم تنقطع من الأرض , ولم تفصل بينها فجوات مضيعة لمعالم العقيدة كالفجوات التي كانت بين الرسالات قبل إبراهيم عليه السلام ."



