بسم الله الرحمن الرحيم
{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }آل عمران85
((ألهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل فيها النفاق وأهله))
عن الإمام علي عليه السلام من مضامين دعاء الافتتاح.
المقدمة
والتمامية التي يجب أن تكون عليها مؤديات ودلالات اللفظ والمبنى اللساني.
وهنا في هذه الجزئية الكبرى من دعاء الإمام عليه السلام والمسمى بدعاء الافتتاح قد ظهرت عظمة البلاغة العلوية وسمو المنهج اللساني الذي قصده الإمام عليه السلام بهذه الكلمات المعدودة في مكوناتها البنائية واللا محدودة في أفقها الفكري والمعرفي,ولابد للباحث المجد من سبر غورها ليتبين منها ومن خلال مجمل كلام الإمام عليه السلام ما تعني الدولة الكريمة التي يرغب بها؟ وما معنى الإسلام كقيمة؟ وليست كفهم متواتر عندنا أو عند العامة والخاصة من دلالات تنصرف عنها وإليها المحدودية الفكرية والمعطيات التي بنيناها لمفهوم الدولة الكريمة ومفهوم الإسلام.
فعبارة الدولة وفق الفكر السياسي المعاصر وما ترسخ له من معطيات وأسس ومقومات شكلت في ذهنية قارئ الدعاء ذلك النمط المتعارف عليه من كيان وجودي منظم يقصد السلطة ويشير إليها بصيغة تنظيمية معينة على أسس سابقة متوافق عليها أو مفترضة أو مفروضة بمعطياتها وعلاتها تأريخية كانت أو حضارية أو تحت قواعد ومتطلبات القوة والضرورة الحتمية التأريخية أو الافتراضية للنظم البشري.
وهكذا يستقبل قارئ الدعاء ومن يتناول الدعاء بالدراسة هذه القيمة وفق ما يفهم هو أو يتحصل له مما قلنا سابقا,فهل حقا إن الإمام إنما يشير لذلك وهو الذي أدار الدولة وشارك في بناءها وصنعها من قبل وفق السياقات التي تكلمنا عنها؟ فهل كان هناك خلل في الإدارة أم خلل في البناء؟أو عجز عن تنفيذ هذه الرغبة العلوية المقدسة عند الإمام عليه السلام؟.
من الظلم الإجابة على تلك السؤالات بالبساطة والتسرع في إصدار الأحكام دون الرجوع إلى الينبوع الذي كان يغذي الإمام عليه السلام ويرفده بالمكونات والمقدمات الفكرية والمعرفية والعلمية التي تجلت من خلالها هذه الصياغات الدقيقة لأقوال الإمام عليه السلام,وأقصد بها كتاب الله الذي يمثل القيمة العليا بالاستدلال والفهم العلوي للمفردات التفصيلية والأفكار الكلية غير ما تعلمه من رسول الله صل الله عليه وأله وسلم من علم وفهم وأدراك.
مفهوم الدولة الكريمة من النص الاستدلالي هنا مفهوم متسع يأخذ الدلالة المعنوية للفظ إلى أكبر حد ممكن أن يحيط بإنسانية وشمولية الهدف الرسالي الذي يتبناه الفكر العلوي ويبني عليه مفرداته التفصيلية فهو مرتبط بهدف رسالة الإسلام ذاته ومرتبط بعلية الخلق والاستخلاف للإنسان كقيمة غائية ونتيجة منطقية ولنفس علية الخلق والاستخلاف {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}الذاريات56.
فالدولة الكريمة هي الدولة التي تخرج الإنسان من ضل القهر التسلطي البيني للإنسان لجنسه ونوعه إلى فضاء حرية العبودية لله وحده,هذه الحرية التي تصنع من الإنسان كائناً ملائكيا ساميا متعاليا عن الإثم والخطيئة وبالتالي يتخلص من إنسانيته الطبيعية إلى مدار شمولية ألذات البشرية{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}الحجر28 فالبشر بموجب الدلالات اللسانية المُبَيَنَةُ هو الآدمي الذي يستوي مع أمر الله ويتساوى مع الصورة التكوينية الأولى لآدم عليه السلام قبل الخطيئة{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً}الفرقان54.
لقد ربط الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بين الدولة الكريمة وبين الإسلام ولم يربط بينها وبين المسلمين ولم يشر في نصه إلى الدولة الإسلامية أو إلى سلطة المسلمين أو دولة المسلمين أو النظام الإسلامي,وفي ذلك دلالة فكرية مهمة وحاسمة في بيان القصدية من اللفظ فهو لم يتجاوز في كلامه إلى دلالة اعتباطية أو مجرد مصطلح منمق بل كان قاصدا وعارفا ودالا على المفهومين المرتبطين وهما الدولة الكريمة والإسلام وفيهما ما فيهما من معان بنائية فكرية ومعرفية مميزة ومتميزة عن قول باق الناس ,وهذا ما سنحاول أن نستوضحه في طيات البحث متكلين على الله توفيقا وتسديدا لنرى قيمة المفردة العلوية في سياقها المتين بأذن الله.



