ترتبط اللغة (( بصورة وثيقة بالإنسان وبيئته وتستتب أهميتها في كونها الوسيلة التي يحتاج إليها الإنسان لإتمام عملية التواصل بينه وبين أفراد بيئته ، والتي تتيح له بصورة طبيعية أن يعبرعن آرائه وأحاسيسه محققا بذلك ذاته في المجتمع الذي يعيش فيه )) (1)
يعرف تشومسكي اللغة بأنها (( مجموعة متناهية أو غير متناهية من الجمل ، كل جملة طولهـا محدود ومؤلفة من مجموعة متناهية من العناصر وكل اللغات الطبيعية في شكليها المنطوق والمكتوب هـي لغات بهذا المعنى ، وذلك لأن كل لغة تحتوي على عدد متناه من الفونيlات " أو الحروف " ومع هذا ، فإن عدد الجمل غير متناه )) (2) ، وينفي من جهة أخرى أن يكون اكتساب الإنسان للغته نتيجة تأثير المحيط والبيئة ، وعليه فاللغة عنده
(( ليست في الحقيقة مجموعة عادات كلامية ، وهي بالتالي مختلفة عن لغة الحيوان ، وتتسم بخصائص مميزة ، وفي هذا المجال يركز تشومسكي على ميزة الإبداعية في اللغة الإنسانية .)) (3) ويرى من جهة أخرى أن (( نمو اللغة عند الإنسان شبيه نوعا ما بنمو الجهاز الجسمي الإنساني وتحدده بالتالي العوامل التكوينية )) (4)
ترتبط اللغة عند تشومسكي كما هو الحال عند عبد القاهر الجرجاني بالعقل إذ غالبا ما يربط في تعريفه لها بالإدراك حيث (( يعتبر الملكة اللغوية خاصية راسخة في الجنس الإنساني ومكونا من مكونات العقل الإنساني وخاصية تحول الخبرة إلى قواعد )) (5) ، ومن هنا فإن (( دراسة اللغـــة تساعد على دراسة قضايا الإدراك عند الإنسان )) (6)
وفي أثناء حديثه عن مفهوم اللغة يركز تشومسكي على ما يسميه بـ " إبداعية اللغة " إذ يرى أن اللغة الإنسانية (( تقوم على تنظيم متفتح وغير مغلق من العناصر تتجلى فيه السمة الإبداعية عبر مقدرة المتكلم على إنتاج وعلى تفهم عدد غير متناه من الجمل لم يسبق له سماعها قبلا تختص هذه القدرة بالإنسان وبالذات من حيث هو إنسان ، ولذا لا نجدها عند أي كائن آخــر )) (7)
والجدير بالإشارة أن هذه الإبداعية (( لا تنحصر فقط في الأعمال الخلاقة في مجال الإبداع اللغوي أو الأدبي ، ففي الواقع كل إنسان يتكلم لغة ما قادر على أن ينتج جملا متجددة لم يسبق له سماعها من قبل واستعماله لغته في مختلف المجالات التواصلية اليوميةهو في الحقيقة استعمال إبداعي في ظل مفاهيم الألسنية التوليدية والتحويلية)) (8)
من خلال ما سبق نتبين أن المقصود بالإبداعية عند تشومسكي هو القدرة على الممارسة الفعلية للغة في الواقع المعيش أي في الكلام، وليس المراد بها الخلق في المجال الفني والأدبي الذي يقــوم على الصور والأخيلة وإن كانت اللغة غير الأدبية هي الأخرى لا تخلو من سمات التصوير الفني فالإبداعية إذاً (( ترتبط بصفة أساسية بتنظيم قوانين لغوية يتيح لمن يدركه أن ينتج بواسطته الجمل غير المتناهية ، وأن يفهم أيضا بموجب التنظيم نفسه الجمل التي ينتجها الآخرون ، والجدير بالتنبيه هنا أن عدد قوانين هذا التنظيم محدود ، ومع هذا ينتج هذا التنظيم المحدودة قوانينه وعلى أوسع نطاق عددا غير محدود من الجمل .)) (9) ، فمن خلال تمكن الفرد من هذا التنظيم وقواعده وأسسه وقوانينه والإحاطة بها وممارستها في محيطه يكتسب هذا الأخير القدرة على الأداء أو ما يسميه تشومسكي بالكفاءة التواصلية التي تتمثل في إنتاج الجمل في تعامله مع الآخرين بحسب ما يفرضه الموقف التواصلي .
ـ قائمة المصادر والمراجع ـ
(1) ـ الألسنية التوليدية والتحويلية وقواعد اللغة العربية " النظرية الألسنية " ، الدكتور ميشال زكريا ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، ط1 ـ 1982 ـ ص : 25
(2) ـ عن اللسانيات النشأة والتطور ، أحمد مومن ـ ص : 208
(3) ـ الألسنة التوليدية والتحويلية وقواعد اللغة العربية " النظرية الألسنية ، الدكتور ميشال زكريا ـ ص : 16
(4) ـ م . ن ـ ص : 23
(5) ـ م . ن ـ ص : 71
(6) ـ م . ن ـ ص : 23
(7) ـ م . ن ـ ص : 29
(8) ـ م . ن ـ ص : 31
(9) ـ م . ن ـ ص : 30



