من الجدار الممنوع إلى الجدار المعروض
لم يكن أحد يتخيل، حين بدأ شبان غاضبون يرشّون أسماءهم المستعارة على عربات المترو وجدران الأحياء المهمّشة، أن هذا الفعل العابر، الذي كان يُصنَّف تخريباً وجنحة يعاقب عليها القانون، سيتحول بعد عقود قليلة إلى واحد من أكثر الفنون البصرية حضوراً وتداولاً في العالم. فالفن الجداري، بمعناه المعاصر، لم يبدأ من صالات العرض ولا من أروقة الأكاديميات، بل من الشارع نفسه، من حافة المدينة ومن هامشها الذي أراد أن يقول شيئاً دون استئذان. وبين هذين القطبين، الرفض والاحتفاء، يتشكل اليوم مشهد فني عالمي معقّد، تتزاحم فيه المدن الكبرى والصغرى على استضافة جداريات ضخمة، بعضها يولد من فورة غضب سياسي، وبعضها الآخر يُصمَّم بعناية ليكون قطعة جذب سياحي. وما يجمع بين هذين الطرفين هو إيمان متجدد بأن الجدار العام، ذلك السطح الصامت الذي نمر أمامه يومياً دون أن نراه، يمكن أن يتحول إلى صفحة مفتوحة يكتب عليها الفنانون قصص المدن وناسها وأحلامهم المؤجلة.
يكمن سرّ جاذبية هذا الفن في كونه ديمقراطياً بطبيعته؛ فهو لا يُشترى تذكرة لرؤيته، ولا يُطلب إذن دخول متحف، بل يفرض نفسه على المارّ العادي في طريقه إلى عمله أو بيته، فيجعله شاهداً وشريكاً في لحظة جمالية لم يخطط لها. ومن هذه الصفة بالذات، صفة الاقتحام السلمي للفضاء العام، اكتسب الفن الجداري قوته الرمزية، إذ صار وسيلة للتعبير عمّن لا صوت لهم في وسائل الإعلام الرسمية، ومنبراً بصرياً لقضايا الهوية والعدالة والذاكرة الجماعية.
نيويورك السبعينيات: مهد الغرافيتي الحديث
تعود الحكاية، بحسب الرواية الأكثر شيوعاً، إلى شوارع فيلادلفيا ثم نيويورك في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، حين بدأ مراهقون من الأحياء الفقيرة يوقّعون أسماءهم المستعارة، أو ما يُعرف بـ"التاغ"، على الجدران وعربات قطارات الأنفاق، سعياً وراء نوع من الشهرة المحلية والاعتراف داخل مجتمع حضري كان يتجاهلهم تماماً. سرعان ما تطورت هذه التوقيعات البسيطة إلى تراكيب لونية معقدة، وحروف مضخّمة ومزخرفة بأسلوب بات يُعرف لاحقاً بفن الغرافيتي، وأصبحت عربات المترو المغطاة بالكامل بالألوان علامة فارقة على هوية المدينة في تلك الحقبة، رغم كل الحملات الرسمية التي شنّتها السلطات لمحوها واعتبارها مظهراً من مظاهر الفوضى الحضرية.
خلال الثمانينيات، بدأ هذا الفن الهامشي يتسلل إلى دوائر الفن الراقي، حين التفتت صالات العرض في مانهاتن إلى موهبة فنانين صعدوا من الشارع، وحملوا معهم جماليات الخط الحر والألوان الصارخة والرموز الشعبية، ليصبحوا لاحقاً من أبرز الأسماء في تاريخ الفن الأمريكي المعاصر. هذا الانتقال من الرصيف إلى الجدار المؤطر في المتحف، أثار وقتها جدلاً لم ينته بعد حول ما إذا كان الغرافيتي يفقد روحه التمردية حين يُستأنس ويُقتنى ويُباع في المزادات، أم أنه ببساطة يوسّع جمهوره ويثبت شرعيته الفنية.
حين يتحول الجدار إلى وثيقة تاريخية
من بين أكثر التجارب دلالة على الطاقة الرمزية للفن الجداري، تبرز جدارية "إيست سايد غاليري" في برلين، حيث تحول جزء طويل من سور برلين، ذلك الرمز الخرساني للانقسام والقمع، إلى أطول معرض فني مفتوح في الهواء الطلق، بعد أن غطاه عشرات الفنانين من أنحاء العالم برسومات ورموز تحتفي بالحرية وسقوط الجدران الفاصلة بين الشعوب. لم يعد ذلك السور أداة فصل، بل أصبح شاهداً بصرياً على لحظة تحول تاريخية، يقصده ملايين الزوار سنوياً لا ليتذكروا الانقسام فحسب، بل ليروا كيف يمكن للفن أن يعيد كتابة معنى المكان نفسه.
وتتكرر هذه الفكرة، فكرة الجدار الذي يختزن ذاكرة أحداث كبرى، في مدن أخرى حول العالم، من الجداريات التي وثّقت الصراعات الأهلية والاحتلالات، إلى تلك التي خلّدت وجوه ضحايا العنف أو رموز النضال الوطني. فالجدارية، بخلاف اللوحة المحفوظة خلف الزجاج، تعيش في العراء، معرّضة للمطر والشمس وأحياناً للمحو المتعمد، وهذا التعرض ذاته يمنحها هشاشة تشبه هشاشة الذاكرة البشرية نفسها، فكلاهما يحتاج إلى رعاية جماعية كي لا يندثر.
فالبارايسو: مدينة تُقرأ كلوحة مفتوحة
وإذا كانت برلين قدّمت نموذجاً للجدارية كوثيقة تاريخية، فإن مدينة فالبارايسو الساحلية في تشيلي قدّمت نموذجاً مختلفاً تماماً، إذ لم يعد الفن الجداري فيها استثناءً محدوداً في مكان واحد، بل أصبح النسيج البصري العام للمدينة بأكملها. فتلال فالبارايسو المتعرجة، بأزقتها الضيقة ودرجاتها الحجرية وبيوتها المتراصة الملونة أصلاً، وجدت في الفن الجداري امتداداً طبيعياً لهويتها الجمالية الفوضوية الجميلة، حتى صار من الصعب التمييز بين ما هو عمارة شعبية عفوية وما هو عمل فني مقصود. تحولت المدينة بفضل هذا التراكم إلى وجهة سياحية وثقافية تجتذب الفنانين والمصورين من كل حدب وصوب، وأصبحت جولات المشي بين جدارياتها المتنافسة في الجرأة واللون جزءاً أساسياً من تجربة زيارتها، إلى درجة أن بعض النقاد وصفوها بأنها "متحف مدينة" لا تحتاج إلى جدران داخلية لأن الشارع نفسه هو المعرض.
تكشف تجربة فالبارايسو عن حقيقة مهمة، وهي أن الفن الجداري حين يتراكم بكثافة وعفوية عبر سنوات طويلة، يبدأ يشكل هوية بصرية جماعية للمكان، لا تخصّ فناناً بعينه بقدر ما تخص روح المدينة ذاتها وسكانها الذين تعايشوا مع هذا الحضور اللوني اليومي حتى صار جزءاً من طبيعة حياتهم، لا زخرفة مضافة عليها.
الجدران العربية بعد الربيع
لم يكن العالم العربي بمنأى عن هذه الموجة، بل شهد بعد موجة الاحتجاجات الشعبية التي عُرفت بالربيع العربي انفجاراً لافتاً في فن الجداريات، إذ وجد كثير من الشبان في الرسم على الجدران وسيلة تعبير مباشرة وسريعة، لا تحتاج إلى تصريح ولا إلى وسيط إعلامي، في لحظة كانت فيها الحاجة إلى قول الرأي أقوى من أي وقت مضى. في القاهرة، تحولت جدران محيط بعض الميادين والشوارع المركزية إلى سجل بصري حي لتلك المرحلة، حملت وجوه شهداء ورموزاً سياسية وشعارات مبتكرة، قبل أن تتعرض كثير منها للمحو والطلاء من جديد في مراحل لاحقة، في تأكيد إضافي على أن الجدارية غالباً ما تكون معركة مستمرة بين من يرسم ومن يمحو.
وفي بيروت، التي تحمل أصلاً تاريخاً طويلاً مع الجدران المتصدعة بفعل الحرب، وجد الفنانون في تلك الندوب المعمارية القديمة مساحة خصبة لإعادة تخيل المدينة، فامتزج الفن الجداري هناك بذاكرة الحرب الأهلية وبأزمات لاحقة، ليصبح وسيلة لمعالجة جماعية غير مباشرة لصدمات لم تُغلق ملفاتها بعد. أما في عمّان، فقد اتخذ الفن الجداري مساراً أكثر ارتباطاً بالمبادرات الثقافية المنظمة والمهرجانات السنوية التي حوّلت بعض الأحياء الشعبية إلى معارض موسمية تجمع فنانين محليين وعرباً وأجانب. وفي تونس، التي تُعد نقطة انطلاق الربيع العربي، تحولت بعض المدن، ومنها العاصمة وضواحيها، إلى فضاء لتجارب جدارية طموحة ربطت بين الفن التشكيلي والخط العربي والرمزية السياسية، في مزيج عكس التوق إلى حرية تعبير طال انتظارها.
من التمرد إلى التكليف: حين تحتضن المدن الجدارية
مع اتساع شعبية هذا الفن، بدأت بلديات ومؤسسات سياحية حول العالم تدرك قيمته الاقتصادية والثقافية، فانتقل كثير من الفنانين من موقع الهارب من الشرطة إلى موقع الضيف المدعو رسمياً لتزيين واجهة مبنى أو حائط مدرسة أو نفق تحت جسر. تنظّم اليوم عشرات المدن مهرجانات سنوية مخصصة للفن الجداري، تخصص لها ميزانيات وتراخيص ومساحات محددة، بهدف معلن هو تجميل الأحياء المهملة، وتنشيط السياحة الثقافية، وأحياناً إعادة تعريف صورة مدن كانت مرتبطة في الذهن العام بالتلوث الصناعي أو التراجع الاقتصادي. وقد نجحت بعض هذه التجارب فعلاً في تحويل أحياء كاملة كانت مهجورة أو مهمَلة إلى وجهات جذب يقصدها الزوار خصيصاً لالتقاط الصور أمام جدارياتها.
غير أن هذا الانتقال من الهامش إلى المركز لم يخلُ من التوتر. فبعض الفنانين ونقاد الفن يرون أن اللحظة التي يوقّع فيها الرسّام عقداً مع بلدية أو شركة عقارية، ويلتزم بموضوع محدد سلفاً ويخضع لموافقة لجنة فنية، هي اللحظة التي يفقد فيها العمل جزءاً جوهرياً من طاقته الأصلية، تلك الطاقة المولودة من المخاطرة والفعل غير المصرَّح به. في المقابل، يرى آخرون أن هذا التحول ليس خيانة بقدر ما هو نضج طبيعي لفن أثبت جدارته، وأن وجود مسارين متوازيين، أحدهما حر وتلقائي والآخر مموَّل ومنظَّم، لا يلغي أحدهما الآخر، بل يثري المشهد ويمنح الفنانين خيارات متعددة للتعبير، بحسب السياق والغاية من كل عمل. ويضيف أنصار هذا الرأي أن الفن الجداري الرسمي فتح أمام كثير من الفنانين، الذين لم يكن بمقدورهم العيش من فنهم أصلاً، فرصة اقتصادية حقيقية، إذ صار بعضهم يوقّع عقوداً مع علامات تجارية عالمية أو مؤسسات ثقافية كبرى، ويحصل على أجور تليق بحجم الجهد والمخاطرة اللذين ظل يبذلهما مجاناً لسنوات في الخفاء، دون أن يعني ذلك بالضرورة تخليه عن ممارسة الفن الحر في أوقات أخرى وبأسماء مستعارة مختلفة.
بانكسي وآخرون: حين يصبح المجهول توقيعاً عالمياً
حين نتحدث عن الفن الجداري المعاصر، يصعب تجاوز اسم واحد فرض حضوره على المشهد العالمي حتى صار شبه مرادف للفن الجداري نفسه في الوعي الشعبي: الفنان البريطاني المجهول الهوية الذي يوقّع أعماله باسم "بانكسي". فمنذ ظهوره في مشهد الغرافيتي البريطاني أواخر التسعينيات، اختار بانكسي أن يبقي هويته الحقيقية طي الكتمان الكامل، في مفارقة لافتة: فنان تُقام لأعماله المزادات بملايين الدولارات، وتتسابق المدن على استضافته خلسة، بينما يظل هو نفسه شبحاً لا صورة له ولا اسم موثق بشكل رسمي. هذا الغموض المتعمد لم يكن مجرد لعبة تسويقية ذكية، بل جزءاً أصيلاً من فلسفته الفنية القائمة على تفكيك فكرة "الفنان النجم" ذاتها، ورفض تحويل صاحب العمل إلى سلعة إعلامية أهم من العمل نفسه ومن الرسالة التي يحملها.
يعتمد أسلوب بانكسي على استخدام الاستنسل، وهي تقنية القوالب المفرغة التي تتيح له تنفيذ أعمال معقدة بسرعة خاطفة تحت جنح الظلام، تفادياً للاعتقال، ثم الاختفاء تاركاً خلفه صورة ساخرة لاذعة تعلّق على الحرب أو الاستهلاك المفرط أو الرقابة أو أزمة اللجوء. ومن أشهر أعماله جدارية الطفلة التي تُفتّش جندياً على جدار الفصل في الضفة الغربية، والفأر الذي بات توقيعه شبه الرسمي رمزاً للمهمّش الذي يتسلل رغم كل الحواجز والقيود، وعمله الشهير الذي دمّر نفسه ذاتياً بآلية تمزيق مخبأة داخل إطاره فور بيعه في المزاد بمبلغ ضخم، في تعليق ساخر ومباشر على استغلال السوق للفن وتحويله إلى مجرد أداة استثمار. وإلى جانب بانكسي، برزت أسماء أخرى شكّلت ملامح المشهد العالمي، كلٌّ بأسلوبه الخاص: فنانون عُرفوا بلصق صور بورتريه ضخمة بالأسود والأبيض لوجوه عادية على واجهات المباني حول العالم، محوّلين الفن الجداري إلى مشروع توثيقي إنساني يعيد الاعتبار لوجوه لا تظهر عادة في الإعلام ولا في كتب التاريخ. وهناك أيضاً فنانون طوّروا أسلوباً يمزج الواقعية الفوتوغرافية بالرمزية السريالية على جدران ضخمة يصعب تخيل تنفيذها دون معدات هندسية متطورة ورافعات وشهور من العمل الدؤوب. هذا التنوع في الأساليب يكشف أن الفن الجداري لم يعد مدرسة واحدة، بل مظلة واسعة تضم تيارات متباينة تتقاطع أحياناً وتتنافر أحياناً أخرى، لكنها تشترك جميعاً في إيمانها بأن الجدار وسيط فني له قواعده الخاصة، المختلفة جذرياً عن قواعد اللوحة المؤطرة المعلّقة خلف الزجاج.
الجدل حول الملكية: تخريب أم فن؟
لا يمكن الحديث عن الفن الجداري دون التوقف عند الإشكالية القانونية والأخلاقية التي لازمته منذ نشأته: هل الرسم على جدار لا يملكه الفنان فعل إبداعي يستحق الاحتفاء، أم هو ببساطة اعتداء على ملكية خاصة أو عامة يستوجب المساءلة القانونية؟ هذا السؤال، الذي قد يبدو للوهلة الأولى محسوماً بحكم القانون الصريح الذي يجرّم التشويه دون إذن مسبق، يتحول في التطبيق العملي إلى منطقة رمادية معقدة، تتقاطع فيها اعتبارات جمالية وسياسية واقتصادية متضاربة. فكثير من أشهر الجداريات في العالم اليوم، تلك التي تجتذب السياح وتُصوَّر آلاف المرات وتُطبع على البطاقات البريدية والهدايا التذكارية، بدأت كأعمال غير مرخصة، نُفذت ليلاً وبسرعة تفادياً للملاحقة القانونية، قبل أن يتغير موقف السلطات منها بعد سنوات، حين أدركت قيمتها الثقافية والسياحية، فتحولت من دليل إدانة يُستشهد به في المحاكم إلى مفخرة محلية تُحمى وتُرمّم بدل أن تُمحى أو تُطمس.
وهذا التحول في الموقف الرسمي يطرح بدوره سؤالاً أعمق حول من يملك حق الحكم على الفن: هل هي لجنة رسمية تمنح التراخيص وتحدد المواضيع المقبولة سلفاً، أم الجمهور العادي الذي يقرر بحبه للعمل أو نفوره منه مصيره الفعلي على أرض الواقع؟ ويزداد الجدل تعقيداً حين يتعلق الأمر بأملاك خاصة لأصحاب لا يرغبون أصلاً في وجود جدارية على واجهاتهم، فيجدون أنفسهم أمام معضلة غريبة: عمل قد تكون قيمته السوقية والفنية مرتفعة، لكنه نُفذ دون موافقتهم المسبقة، ما يضعهم بين خيار إزالته وخسارة قيمته المكتسبة، أو الإبقاء عليه والتنازل عملياً عن حقهم الكامل في التصرف بممتلكاتهم الخاصة. وقد شهدت مدن عدة حول العالم قضايا فعلية من هذا النوع، حيث تصطدم مصالح ملاك عقارات وسلطات محلية وجمعيات حماية تراث حول مصير جداريات باتت جزءاً من الهوية البصرية للحي، رغم كونها من الناحية القانونية البحتة أعمال تخريب لم يؤذن بها. ولعل أصدق وصف لهذه الحالة أن الفن الجداري يعيش دوماً على الحافة الفاصلة بين الشرعية وعدمها، وأن هذه الحافة بالذات، بدل أن تكون عيباً يستوجب التصحيح، هي ما يمنحه نبضه الحيّ وتوتره الدائم الذي يجعله مختلفاً عن أي شكل فني آخر أكثر استقراراً واطمئناناً إلى مكانه ومكانته.
الجدار كذاكرة جماعية ومنبر سياسي
وسط كل هذا الجدل، تبقى الوظيفة الأعمق للفن الجداري كامنة في قدرته على حفظ الذاكرة الجماعية للمكان وإعادة تشكيل وعي سكانه بتاريخهم اليومي. فحين يرسم فنان وجه امرأة عجوز من الحي على واجهة بناية متهالكة، أو يخلّد اسم شارع اندثر، أو يوثّق حدثاً سياسياً محورياً بلغة الألوان بدل الشعارات المكتوبة، فإنه يمنح المارّة العاديين نسخة بديلة من التاريخ، أقرب إليهم وأكثر حميمية من تلك المدوّنة في الكتب الرسمية. وهذا بالضبط ما يفسر لماذا تظل السلطات في كثير من الأحيان حذرة تجاه هذا الفن، حتى حين تحتفي به رسمياً، لأن الجدارية تحمل في جوهرها قدرة على الإفلات من السيطرة الكاملة، وعلى قول ما لا يُقال في الخطاب الرسمي، ولو بلغة الرمز والصورة بدل الكلمة المباشرة.
وفي نهاية المطاف، يظل الفن الجداري تعبيراً حياً عن علاقة الإنسان بمدينته، علاقة لا تكتفي بالسكن والعبور، بل تسعى إلى ترك أثر، ولو كان عابراً بطبيعته، معرّضاً للمحو أو التجديد أو حتى الزوال الكامل مع هدم مبنى أو تجديد واجهة. ولعل هذه الهشاشة بالذات، بعيداً عن أي شكل من أشكال الخلود المادي، هي ما يمنح هذا الفن سحره الخاص؛ فهو يذكّرنا بأن المدن أيضاً، مثل البشر الذين يسكنونها، تكتب قصصها على جدرانها، ثم تمحوها، ثم تعيد كتابتها من جديد، في دورة لا تنتهي من التذكر والنسيان والابتكار.