قبس في قلب الظلام

شعـر

مصطفى الزايد

 

 

 

قـفْ حيِّ دارا إليها هزَّك الطـربُ  =  شوقا و دمعك في التاريخ ينســكب

دار تـظل بـصدر الكـرم عـامـــرة = تفـيـض بالـنور مهما أظلـمت حقـب

و كـم دهـتـها قــرون في نـوائـبـها = فما اســتـقرَّت لدى أسـوارها النوب

قـد عـمَّرتها يـد الـرحمـن غامــرة = فـظـل فـيـها ســـنا الإيـمان يـلـتـهـب

تسـمـو بـمـنهج حـق لا حـدود لـه  = فـمـا يـطاولـهـا صـرح ولاســـحـب

كـرم يجـود بـما تـعـيا الكـرام بــه  = هـيهات يـدركـه في كـنهـه الـعـنـب

هـذي القلوب قلوب المؤمنين و ما = يـقاس عـنـد ثـراهـا خـافـق خـرب

قـد كنت تعشق ذكراها إذا خطرت = و الـيـوم أنـت لـدى جـلواتها تـثب

مثلي يلام- وأهل الحب قد عذروا- = لـو أن قـلـبي إليهـا شــده النـســب

يا قلب ويحك هذي دار من خضعت= لها القلوب فليـسـت بـعـد تـنـقـلب

وأنـت أولى بها إذ كـنـت منـبـرهـا = من يوم قالوا بلى واسترخت الحجـب

فادخـل مـرابعها و ارتع بروضتها = و كـن محبا لها تظفر بـما رغـبوا

و الـْزَمْ فـإن وراء الصـبر عاقـبـة = ليست لمن ركضوا عجلى ومن ركبوا

 

اللاهـثـيـن وراء الفلــس يخدعـهـم = بــه الـبـريـق فـظـنـوا أنـه الـذهـب

يـجـنونـه مـن دروب لا يـسـاغ بها = ماء لمن ظمئـوا لو أنهم شــــربوا

فخـل عنـك أناســا لســت تحسبـهم = من الأناس إذا ما أزهر الحســـب

و اجعـل أنيســك من تحيـا لطاعته = فالقرب يحظى به من بات يقترب

فإن شــَجَـتك هـموم أو دعتـك إلى = مَيْـل لـدنـيا عـرى طــلابها الكلـَب

ترنـو إليهم و قد طاروا بغـير هدى= فـكـل نـجـم لـهم في فـلـكـه قـطـب

لا يخدعـُنك إن ريـح جـرت بهـمـو= يـومـا فـإن تـجـاه الـريـح يـنـقـلـب

إن رمت في أصلهم لم تلق مأثرة = تنمى إليهم ولا هم في الورى نجب

عـزوا بـحظ فـهانـت عندهم قـيـم = لم يرضعوها ولا أسـقوا ولا حـلبـوا

و لا تلـقـوا من الماضـين مكرمة = و لا سـقـتهم بـما فاضت به الـكـتب

لم تـدر أمـتهـم عـنهـم إذا عـبروا = لا جردوا سـيفهم عنها ولا ضربـوا

و لا أراقـوا دما في درب عزتها = و لا مـدادا و لا في مجدها خـطـبوا

و لا غراسا سقوا يوما و لا بذروا= و لا أعــدوا لها خـيلا و لا ركـبـوا

هـم كالعـدو إذا حانت لهم فرص = تحت الظلام سروا غدرا ليـنـتـهـبوا

صـم إذا أسْـمِعوا، بُـكْمٌ إذا نطـقوا = لا يَـرعَـوُوْنَ إذا ما مسـهـم وصـب

بالمال صاروا فإن راحت دراهمهم = هـانـوا فـلا عـلـم يعـليـهم و لا أدب

ظـنوا الـزمان لـهم أهـدى مقالـده = و أن في يـدهـم مـنـه الـذي وُهِــبوا

فكـل إمَّـعَة يحـظى إذا قـَسـَــــموا = و يَحْرمون- كما ظنوا- إذا غضبوا

فباعَـدوا كل من تسـمو به شــــيم = و شـوَّهـوا كل حُسْـن عنـدما غلبوا

فالمخلصون لديهم كل من غدروا = و الصادقون لديهم من لهم كـذبــوا

و الخائـنـون لـديهم من يخالـفـهم = و ذوو الأمانـة من خانوا ومن نهبوا

ظنوا الحياة لهم تصفو بما اكتسبوا = لم يـعـلـمـوا أنهم بالنار قــــد لعـبـوا

لا يقسـم الرزق إلا الله لـو عـلموا = و الزاعمون رعاع عنه قد حجبوا

فرعـون ضل بسـلطان لـه فـطغى = فـذللـته بـمـوج قـد طـمى الـكـُـرَبُ

و اعـتـز بالمال قارون فما نـفعـت = كنـوزه يـوم أن غاصت به الترب

و عـز نـمـرود جـبارا فـقـال: أنـــا = رب الحياة فــذا أحــرم و ذا أهب

فـمات تـحـت نعال الـقوم مـنـخـذلا = عـند البعوضة هان العز و الغلب

قد ســخر الله أدنى جـنـده فـمـضى = وهْمُ الطغاة وهانوا وانجلى الكذب

فالـزم هـداك و دع من قال هرطقة: = الله يـلـزمـه فـيـمـا قـضى ســبـب

هــذا يـقـيـن أناس ســاء ظـنـهــمـو = فـهـم عبـيد هـوى أغواهم الرَّهَب

لا يـعـرفـون لـهـم نهجا و لا وثـقوا = يوما بدرب فإن ساروا فهم ريب

إن حـل في ديـنـهـم بأس فـذا قـــدر = لكن إذا حل في دينارهم صخبوا

الـمـدبـرون إذا مـا الـنـقع ثــار بـهـا =  الـمـقـبـلـون إذا ما قسِّـم السـلب

لم يسـمعـوا نوح بغـداد و قد نـدبت= كي يسمعوا القدس حين القدس تنتحب

ولا تـمعّـر وجــه عـنـدما شـهـدوا =(أبا غريب) وعرض الأخـت يغـتـصب

الغرب زلزلهم ما قد جرى فغـَلـَوا = فالصخر ينطق إذ لا تنطق الخـُشُبُ

المتقنين فنون الجبن قد برعوا = في الصمت حتى تعدى طوره العجب

كم يسكتون على عرض يداس و كم= باتوا على الضيم شبعى مابهم نصب

لو أنهم صمدوا لو ساعة مُنِحوا = عذرا إذا انهزموا في الحرب أو هربـوا

لو أنهم وقـفـوا أو أنهم سـكـتـوا = لو في جحورهمو عن سـاحها غربوا

جاء الغزاة على خيل لهم سبقت = خيـل عـراب تـرى أم أنهــــا عــــــرب

هـم الغـثاء فلا يـرجى بهم فــرج = عـنـــد البـلاء و لا يهـدى لـهـم عـتـــب

فاصبر فإن الدجى مهما استطال بنا = فإن شــــمـســا وراء الأفـق تـرتـقـب

و اهجر كما هجر الماضون ما نكروا = في المدلهمة تبدي ضوءها الشهب

لولا الـثـبات على ضعـف لما بقـيـت= سلامة النهج فيـما قـــــد طوت حقب

فاثـبـت فـأنـت بـعـيـن الله تـصنعـها = فلـك النجـاة و طـــوبى للألى ركـبـوا

*       *      *