حوائط المبكى

أ.سعيد حبيب إبراهيم

بُذورُ ممارسة الزيف، تتفتّق مع الزمن أشجاراً خبيثة، ولعلّ البادرة التي نقلها القرآن عن أبناء يعقوب (ع) في قوله سبحانه (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ) قد بذرتْ سلوكاً سينسحب على خطى الأسلاف كمبرّر لممارسة الأخلاف زيفهم عبر التاريخ، سواءً في ممارسة الإيمان الزيفي المُخادِع كما حصل مع عصر الرسالة المحمّدية (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (آل عمران:72) أو في فنّ صناعة البكاء وتوظيفه للمصلحة الشخصية كما يحصل للآن، إذ أكّد قوله سبحانه بأنهم (يَبْكُونَ) فعلا وليس يتباكون، فالتباكي تمثيل البكاء لغرض ما، بينما البكاء الحقيقي التمثيليّ (المزيّف) هو تمثّل بالكامل، لهذا يتطلب جهدًا نفسيا أكبر من التباكي خاصة وأنّ الفاعل في مثل هذه الحالة يعلم بأنّه الجاني، وليس بكاه هنا ندمًا على فعلته بقدر ما هو تمرير لمخططه ومآربه.وعندما نقول بأنّ النفس الصهيونيّة التاريخيّة قد تجسّد فيها هذا النوع من السلوك الخادع عبر التاريخ، لا نغفل بعض أمور منها:

1- أنّنا نتكلّم عن يهوديّة نفعيّة سائدة ووجهها الأبشع يومَنا هي الصهيونيّة، باعتبار أنّ هذه البذرة الخبيثة نشأت منذ التاريخ كخطّ مناهض لليهوديّة المؤمنة نفسها حتّى أزاحتها من الوجود أو تكاد، كما يُزيح طائر اللقلق فراخ الأمّ الحقيقية، واستبدل ما أتى به موسى (ع) والأنبياء قيَماً أخرى لفّقها على الأنبياء وضمّنها الكهنة مدوّنةَ التوراة، وتربّت عليها أجيالٌ وأجيال بحسبان أنّها دين الحقّ، وبهذا نحن لا نزري إلاّ على الانحراف والبشاعة، لا على خطّ الإيمان الذي يُثبته وجود حفنة يهود مناهضين للزيف الصهيوني هنا وهناك، ويُقرّ بوجودهم القرآن بقوله (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:62).

2- إنّ يهود اليوم هم غير يهود الأمس البعيد سلالياً، فهم ينحدرون من أجناس مختلفة، وبالتالي فإنّ كل إنسان هو ابن بيئته، كما أنّ بني إسرائيل الذين طال بعضهم القسط الأكبر من الذمّ في القرآن الكريم على جرائمهم لم يتبقَ من نسلهم إلا الشيء القليل من يهود الحاضر، الذين تتوزّع معتقداتهم بين يهوديّة مؤمنة وأخرى أصولية محرّفة وبين العلمانية والإلحاد وغيرها.

3- عدم إمكانية توارث هذه الصفة بيولوجيا، لأنّ اليهود ليسوا من جنس واحد ولا قومية واحدة أصلا، لكنّها قد تسري تربويّاً. إذ المتابع لتاريخ الجماعات اليهودية العنصريّة في كافة البلدان يجد أن هناك منظومة أخلاقية فاسدة تحكم طبيعة هؤلاء على اختلاف أجناسهم وبيئاتهم، فاليهود المتصهينون في روسيا أو إنجلترا أو بولندا أو أسبانيا أو أمريكا يمارسون سلوكيات ذات طبيعة عدوانية وإفساديّة واحدة.

ففي أمريكا على سبيل المثال والتي تعتبر الحليف الأول لإسرائيل تشير إحدى الدراسات إلى أن 49%من المشمولين بالدراسة عبّروا عن الاعتقاد بأنّ اليهود أكثر استعداداً من غيرهم لاستعمال الأسباب المضلّلة للحصول على ما يريدون بمعنى أنّهم لا يبالون بالخداع والحيلة والكذب لتحقيق ما يريدون (1).

ويدرك المتابع أيضا أنّ هؤلاء القوم يتسمّون بما يسمى بالثبات السلوكي في جميع مراحل أجيالهم وكأنهم لا يتناسلون إلا الشرّ وكأنّ الشرّ داخل في تركيبة دمائهم ينتقل من جيل إلى جيل فإذا تناولت جيلاً من جيلهم في أي زمان أو مكان فإنه يتشابه كلّ التشابه مع الأجيال الأخرى. فكل ما تفعله إسرائيل اليوم في المنطقة وكلّ ما يفعله اليهود المنحرفون في كل الدنيا من إشعال نيران الفتنة والحروب في العالم إنما دين يدينون به وسلوك وراثي انتقل إلى حاضرهم من ماضيهم عن طريق التعاليم والوصايا التلمودية المحرفة التي يتناقلونها بتميّز عرقهم وكره الأغيار واستباحتها، أو ما يسمى بثقافتهم الخاصة. فكما أنّ المواطن يولد داخل مجتمع ما فهو يولد أيضاً داخل ثقافة خاصة تشكل شخصيته، فالثقافة هي الإطار الأساس والوسط الذي تنمو فيه الشخصية، وهي التي تؤثر في أفكاره واتجاهاته وقيمه ومعلوماته ومهاراته وخبراته ودوافعه وطرق تعبيره عن انفعالاته ورغباته.

وتدلّ البحوث التربوية الأنثروبولوجية على أنّ طابع الشخصية له علاقة وثيقة بنمط الثقافة التي تخضع له (الشخصية) أي أن الشخصية مرآة تعكس بصدق صورة الثقافة التي نشأت فيها.

والثقافة لها دور كبير في التأثير على الجانب المزاجي فتجعله يتشكّل ويتنوّع تبعاً لها، كما أنّ الثقافة تؤدي دوراً مؤثراً في تنمية الانفعالات. ويعتبر البكاء المزيّف (بكلّ أشكاله المتطوّرة والمشتقّة) إحدى الوسائل التي يلجأ صهاينة اليهود لاستخدامها عادة بصورة فعالة من أجل تحقيق مآربهم والوصول إلى أهدافهم ومراميهم السيئة، فلأمثالهم عبر التاريخ ميل لتوظيف بكائيات أوجدوها من العدم، أو أحداث سطّروا حولها الأساطير، صنعة أجادوها عبر السنين ليكسبوا استعطاف العالم. فعقدة الاضطهاد وتمثيل دور الضحية لازم الشخصية اليهودية منذ أن كانوا حتى اليوم، وتبع ذلك الميل للبكاء عند رمز من الرموز سواء كانت دينية كحائط المبكى (والذي يقولون زوراً بأنه أحد جدران الهيكل الذي لم تثبت كل الحفريات أي أثر له حتى الآن) أم إيجاد أسطورة من الأساطير كالهولوكوست التي كان للصهيونية دور في صناعتها ثمّ صنعت من حبّتها قبّة، لاحتلاب الشعوب. ونجحوا كذلك في إقامة حائط للمبكى جديد مجسد، يسمّونه (السامية)، ليشقّوا الجيوب، وليذرفوا دموع الزيف، كلّما عنّ لباحثٍ مراجعة التاريخ، لكشفهم، أو انتقد أفاعيل الصهيونية واحتلالها.فالشخصية الصهيونية اليوم القائمة على زيف تاريخي وأسطوريّ، هي بحاجة دائمة إلى رمز بُكائي مُضخّم مُقنع، ويفضّلون إيجاد بكائيات قابلة للتوظيف والاستثمار كذكرى الهولوكوست وتضخيمها واستعادة تفاصيلها بصورة نمطية تكرارية تصل إلى حد الهستيريا؛ ليستمرّ معها وصف حالة اليهود بالضحية لجني العوائد الهائلة والتي أبرزها تبرير السياسة الإجرامية للكيان الصهيوني واجترار الدعم لهذه السياسات، ولابتزاز أوروبا مالياً لدعم العدوان. ويصعب على أي باحث معاصر أن يحصي بكائيات اليهود في هذا المجال، فهناك الملايين منها موزعة مابين الحدث الأصل والنتاج الفرعي كالذكريات والمرويات والأفلام والمقالات والقصص والروايات والخواطر والشعر والنثر ودراسات نفسية واجتماعية ومناهج دراسية وفكر سياسي، حتى يمكن القول بأنّ اليهود تمكنوا من تغطية هذه البكائية عبر جميع فروع المعرفة ووسائل الاتصال المتاحة. والشخصية التلمودية لا تكتفي بالرمز الديني (حائط المبكى) أو التاريخي (أسطورة الماسادا والهولوكوست وغيرها) بل هي تبحث عن بكائيات أكثر فرعية، فهي تحتاج إلى بكائية خاصة بكل حادثة مهما تصاغرت فهي تتباكى أمام العالم بأنّها محاصرة وسط محيط عربي عدائي يريد فناءها في الوقت الذي تمارس فيه الاعتداءات والانتهاكات على شعوب المنطقة بكل صلافة وأمام أنظار العالم، كما أنها تتباكى على قضية ما يسمى بالملف النووي الإيراني وهي التي تمتلك أكثر من مائتي رأس نووي منذ الستينات، وتتباكى ممّا تُسمّيه الإرهاب الفلسطيني وهي إنّما تدافع عن نفسها حين تمارس ضد هذا الشعب الأعزل أبشع صور الإبادة والتدمير والتجويع! كما أنهم تمكنوا ببكائياتهم التي لا تنتهي من إسقاط القرار الذي اعتبر الصهيونية حركة عنصرية، والذي أجمعت عليه غالبية الدول الأعضاء سابقا، كما تمكنوا من إجبار حاضرة الفاتيكان على إسقاط التهمة التاريخية التي علقت بهم بخصوص مسؤوليتهم عن مقتل السيد المسيح (ع). وقد وظّفوا الأساطير التي حرفوها لتحقيق أغراضهم المادية حيث خدعوا الناس وخاصة المؤرخين منهم حتى يومنا هذا، وهم أصحاب الوجوه والأقنعة التي تثير ثمّ تستجير، وتعتدي ثمّ تستعدي، ليُعيدوا المشهد القديم (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ)(يوسف:18)، فهم الضحية وهم فوق الشبهات، وهم لا يقبلون المراجعة لأنّهم خارج المساءلة وفوق القانون، في لعبة الأمم.

ويعتبر سفر الكهنة ملهمهم الأول للابتزاز، هذه التراجيديا الملفّق كثيرها دفعت الإنسانية ثمنها غاليا عبر التاريخ، خاصة وأنّها قد سخّرت قوى الطغيان في هذا العالم من أجل خدمتها حيث لا يريد المتنفّذون في العالم من منظمات ومؤسسات ودول فتح ملفّاتها لأنّهم متواطئون في تسويق نهجها!

 

جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية

http://www.tajdeed.org/article.aspx?id=10526