ضريح بلا شاهدة وقصائد أخرى
شعر
السمّاح عبد الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ضَرِيحٌ بِلَا شَاهِدَةْ
لماذا تموت بعيدا عن الحقلِ
يا شجريَّ الكلامِ ؟
ألم تكُ تعرف أن المقابرَ في المُدْنِ
يبنونها في الصحارى
ولا يزرعون بها الياسمين ؟
وليس يدق على جُدُرِ القلبِ
في الأمسيات العوالي
سوى الحَسَك المتمرسِ والمُرّ
والهواءُ يُصفِّر في الليل والصبح
ويضرب
فوهة المقبرة .
تَقْلِيبُ الأسَى
قلبي مُشَرَّخٌ
وملقى في امتداد هذه الطريق
ألوقتُ واقفٌ على رأسي
منقارُه يضرب في عينيَّ وجانحاه
يخفقان حول كتفيَّ
وأنا
أُحرِّك الجمر بعود الحطب الناشفِ
أنشر الشرارَ في الزاوية التي هناك
والزاوية التي هنا
وأعاين
الحريق .
عُطْلَةُ الشَّجَرَاتْ
يفتح النافذة
ثمة الشجرة
لم تزل
والعصافيرُ
يفتح النافذة
كل صبحٍ كعادته من ثلاث سنين
وينفض سطح الزجاج المعشَّقِ
( قالت :
أخَبِّيءُ جسميَ خلف الزجاج المعشَّقِ
كي لا تراني
كي لا ترى أقحوانيَ حين أبَدِّلُ جاكِتّتي
ومضتْ )
ألفتاةُ التي تتزوّق للشجرة
وتعد هواء البيوتْ
وترد صباح العصافير
.................................................
يفتح النافذة
من ثلاث سنين
ويتابع
ما نسج العنكبوتْ .
حدَاءٌ طَوِيلْ
تعبر القافلة
في الصحارى
محملةً بالصبايا
ومحشوَّةً بالحكايا
ومحفوفةً بالحنين
تتزيَّا بحنائها الجبليِّ
وتترك آثار خطو الجِمالِ علي الرملِ
تترك في الصهد ورد البنفسجِ
والياسمينْ
بعد قرنٍ وقرنين
يأتي رجالٌ كثيرون
يحتطبون المسافةَ من أول الرملِ
حتى نهاينه
يقتفون معا أثرا دارسا
ويمنّون أنفسهم
بالوصالْ .
اَلْوَارِثُونْ
هذه النخلةُ ميراثي أنا وأخوتي
نلتفُّ كلّ صبحٍ جالسين في ظلالها
ونأكلُ التمر
ونطرد الصقورَ عن جريدِها
ذات صباحٍ لم نجدها في مكانها المعهود
تنقَّلتْ إلى نهاية العشبِ
ولكنا ذهبنا خلفها
نلتفّ جالسين في ظلالها
ونأكل التمرَ
ونطرد الصقور
وهكذا
كل صباحٍ تنتقي مكانا آخرا
أبعد من مكانها الذي انتقته بالأمس
إلى أن فاجأتنا ذات صبحٍ
بوقوفها في الضفة الأخرى من النهر
ألصقرُ واقفٌ على جريدها
وتمرها يلقطه الرُّحَّلُ والسيارة
وظلها
يكون مرةً على امتداد الماء
ومرةً يسرقه الماشون فوق الجسر
ومرةً يخطفه الواشون
ويسربونه على قارعة السقفِ
وهم يراقبون من قرميدة الحجرةِ
رجلا وامرأةً
يجربان فسحةَ الوقتِ
و قطعة المكانْ
ونحن في عرائنا النحيل
تضرب رأسَنا الشمسُ
وجوعنا
يقوم .
رَجُلٌ وَرَاءَ الشَّجَرْ
خفِّفِي الوطءَ على هذي الطريق
ما أظن أديمها
إلا جوى رجلٍ
يضايقه زمانٌ
كلما كبرتْ دقائقه
يضيق .
اَللِّصُّ الْحَرِيرِيّ
احذروا أن تموتوا أيا أصدقائي
على شاطيءاسكندريةَ في شهر سبتمبرَ
الوقتُ مرتفعٌ
والنهاراتُ مسقوفةٌ بالغمام الشفيفِ
الرمالُ
ستسرقكم لغَوَاياتها
والمياهُ ستخطفكم لحنان الخرافةِ
لكنْ إذا ما خرجتم من البحرِ
سوف يفاجئكم بهواهُ المخنّثِ
سبتمبر ُ المتمرسُ
سبتمبر ُ المتمرسُ .
اَلانْفِلَاتُ مِنْ خَيطِ النَّايْ
نفدتْ خمرُتنا
والوجدُ في أوله
والتبغةُ الوحيدةُ التي تبقتِ اقتسمناها وفيروزُ تغني للجبالِ
والغبارْ
وهبط الليلُ بمهرجانه العالي
وذكرياتِه الكِـثَارْ
دق على جدراننا
ورش في العيونِ رملا ناعما من الأسى فما الذي يمكنُ أن نفعلَه أنا وأنتَ يا رفيقُ غير أن نُرَتّقَ انهزامنا
ونرتدي جاكـتّتين فوق جلدنا المشقوقِ بالسكاكينِ
وبالخناجرِ المسنونة
ونهبط المدينة
نشدّ قامتينا
ونرسمُ ابتسامتين فوق حزننا المرشوشِ في الوجهين
كأننا
في أول النهارْ .
طُرُقَاتٌ قَاسِيَةْ
مرَّا معَا
والتقيا في نظرةٍ واحدةٍ
فسارع الخُطَا
وعضّتِ الأصابعَا
أحدٌ من الماشِين لم يدرك لماذا ارتجفا
هُنَيْـهَةً
في لخظة التقاءةِ العيونِ بالعيون
ومرّرا كلاما لم يقولاهُ
وتابعا سيرهما
كأنْ ما كان بينهما مواعيدٌ
وأحلامٌ
وطفلٌ
كان يمكنُ أن يكونْ .
==========
السمّاح عبد الله