قف بالفرات

بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيل الشاعر الكبير / محمد مهدي الجواهري.

 

 

نَحَتَتْ حُـرُوْفَ بُكـَائِهَـا الأَقْلامُ 

وَتَكَفَّنَتْ بِسَــوَادِهَا الأَيَّـامُ

وَتَلَعْثَمَتْ شَمْسٌ عَلَـى شَفَةِ الْمَدَى

وَاغْرَوْرَقَتْ سُحُبٌ، وَنَاحَ يَمَامُ

وَعَقَارِبُ السَّاعَاتِ أَيْبَسَهَا الأَسَـى

فَتَشَنَّجَتْ فِـيْ صَمْتِهَا الأَرْقَامُ  

هِيَ رَقْصَةُ الْمَوْتِ التِي لَهَثَتْ بِنَـا

 مُذْ شَاخَ بَدْرٌ فِيْ السَّمَاءِ تَمَامُ   

وَتَنَهَّدَ الإِيْـقَاعُ فِـيْ خُطُوَاتِنَـا

 وَتَحَيَّـرَتْ بِغُبَـارِهَا الأَفْهَامُ

طَفَحَ الذُّهُوْلُ مِنَ العُقُوْلِ مُعَتَّقـاً

                             وَتَعَسَّـرَ الإِشْـرَاقُ وَالإِظْلامُ  

عَزَفَتْ كَمَنْجَاتُ الغِيَابِ دُمُوْعَهَا 

      وَتَـرَمَّلَتْ فِـيْ بَوْحِهَا الأَنْغَامُ

وَجَلَسْتُ وَحْدِيْ فِيْ الْمَسَاءِ كَأنَّما

    دَقَّاتُ قَلْبِ قَصِيْدَتِيْ أَلْغَامُ

أَرْضَعْتُ أَبْيَاتِي ثُمَـالَةَ وَجْـدِهَا

     وَحَبَسْتُ أَنْفَاسِيْ وَقُلْتُ : حَرَامُ

حُزْنِيْ يَصِيْحُ عَلَىْ السُّطُوْرِ، وَدَمْعَتِيْ

  تَنْمُوْ، وَأَفْكَارِيْ هُنَاكَ رُكَامُ

لَمْلَمْتُ أَوْرَاقِيْ وَأَحْرَقْتُ الكَرَى

   هَيْهَـاتَ يُـؤْوِيْ مُقْلَتَـيَّ مَنَامُ  

وَخَرَجْتُ أَمْشِيْ وَالْمَتَاهَةُ وُجْهَتِيْ   

وَخُطَـايَ لَيْسَ لِوَقْعِـهَا أَقْدَامُ

فَكَأَنَّنِيْ ظِــلٌّ لِغَيْمِ كَـآبَــةٍ

وَكَأَنَّنِيْ شَـجَـرٌ رَثَـاهُ حَمَامُ 

وَطَـنٌ تَمَـزَّقَ فِيْ ضُلُوْعِيْ فَجْأَةً

 وَطَغَى بِشِرْيَانِ الرُّؤَى اسْتِفْهَامُ !

وَصَـحَـا الزَّمَانُ مُضَرَّجاً بِنَحِيْبِهِ

  وَعَلَيْهِ مِنْ بُقَعِ الصَّدَى أَخْتَامُ

قَالَ : ارفَعُوْا نَعْشَ الْحَقِيْقَةِ خُشَّعاً    

     فَـجَـوَاهِـرِيُّ نِضَالِنَـا سَيَنَامُ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

*      *      *

 

مَشَتِ السَّمَاءُ عَلَى رُمُوْشِ أَنِيْنِهَا 

 وَانْزَاحَ عَنْ شَفَقِ الْمَنُوْنِ لِثَامُ

وَأَتَتْكَ أَشْوَاقِيْ عَلَـى هَذَيَـانِهَا

سَكْرَى، لِسَانُ ضَمِيْرِهَا تَمْتَامُ

لُغَةُ ارْتِبَـاكِيْ أَيْقَظَتْ أَجْرَاسَهَا

       وَسَعَتْ إِلَيْكَ يَجُرُّهَا اسْتِسْلامُ         

وَغَـدَا الفُرَاتُ جِنَازَةً مَحْفُوْفَةً

 بِالنَّخْلِ، تَحْدُوْ سَيْرَهَا الآكَامُ 

وَأَتَتْ تُعَزِّيْنَا الْحَيَـاةُ بِشَاعِـرٍ

 تَبْكِيْ دَمـاً لِرَحِيْلِهِ الأَعْوَامُ

حَمَلَ العِـرَاقَ بِرُوْحِهِ وَشِغَافِهِ

تِسْعِيْنَ عَاماً، والعِرَاقُ حُطَامُ

تِسْعِيْنَ عَامـاً وَالقَصَائِدُ كُلُّهَا

وَجَعٌ، وَذِكَرَى مُرَّةٌ، وَمَلامُ

قَرْناً تَحَدَّى الْمَوْتَ وَالدُّنْيَا مَعاً

فَهْوَ الْفَتَى الْمُتَوَقِّدُ الْمِقْدَامُ

كَانَتْ رِسَـالَتُهُ تَشُـعُّ جَلِيَّةً

 الْجَهْلُ خَلْفٌ وَالرُّقِيُّ أَمَامُ

صَعَقَ الدُّنَى شِعْراً وَكِبْراً وارْتَوَى      

       وَيَـرَاعُـهُ بِلَهِيْبِهِ صَمْصَامُ

وَالكَرْبُ أَنْ يَحْيَا الأَدِيْبُ بِدَوْلَةٍ

                             فِيْهَـا تَكَادُ تُمَجَّدُ الأَقْزَامُ

      

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 *     *     *

 

 

عَشْـرٌ مَضَتْ وَالكَـوْنُ بِئْرُ دَعَارَةٍ

   لِلظَامِئِيْـنَ، وَمَجْدُنـَا أَوْهَامُ  

مَنْ نَحْنُ، مَا مَعْنَى الوُجُوْدِ وَمَا الذِيْ

    نَبْغِيْهِ، حِيْـنَ يَشُلُّنُا الإِقْدَامُ ؟

أَأَبَـا فُـرَاتٍ إِنَّ بِـيْ مِنْ لَوْعَتِيْ

    قَلْباً نَسِيْجُ وُضُوْحِهِ الأَحْلامُ 

عِشْرُوْنَ مِنْ عُمْرِيْ اقْتَنَصْتُ طُمُوْحَهَا

  وَمَصِيْرُ لُغْزِ طُمُوْحِهَا الإِعْدَامُ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وَحْـدِيْ أُغَنِّـيْ وَالبِلادُ غَرِيْبَةٌ

     عَنِّيْ، وَحَشْدُ قَبِيْلَتِيْ أَغْنَامُ

قُلْ لِيْ، فَمَا جَدْوَى الْحَيَاةِ وَكُلُّنَا

 غُرَبَاءُ فِيْهَا، وَالْخُطُوْبُ سِهَامُ  

كَمْ مَرَّةً مِتْنَا، وَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ  

                         قُلْنَا سَتُنْقِذُ شَعْبَنَا الأَحْكَامُ

لَكِنَّ فَلْسَفَةَ السِّيْاسَةِ كِذْبَةٌ

 عُظْمَى، يُدِيْرُ غَبَاءَهَا الْحُكَّامُ  

هَا أَنْتَ تَنْظُرُ، كَيْفَ تُبْصِرُ عَصْرَنَا

                 وَجِيْاعُ شَعْبِكَ فَوْقَ جُرْحِكَ نَامُوا

كَيْفَ اصْطِبَارُ البَائِسِيْنَ عَلَى الأَذَى

 وَلَهُمْ عَلَى نَهْرِ النَّجِيْعِ مُقَامُ

أَكَلُوا لِفَرْطِ الْجُوْعِ أَنْفُسَهُمْ فِدَىً

    إِنَّ الْمَكَارِمَ أَهْلُهُنَّ كِرَامُ

قِفْ بِالفُرَاتِ أَبَا فُرَاتٍ وَانْظُرَنْ

كَيْفُ الْضِّفَافُ عَلَى الْجَفَافِ تُسَامُ

كَيْفَ النَّخِيْلُ اسْتَوْحَشَتْ شَعَفَاتُهُ

  وَتَجَمَّدَتْ بِهُبُوْبِهَا الأَنْسَامُ

أَرْوَاحُنَا فِيْ الأَرْضِ بَرْزَخُهَا سُدَىً

          فَمَتَى القِيَامةُ لِلْطُغَاةِ تُقَامُ

إِنِّيْ لأَعْجَبُ كَيْفَ تَطْمَحُ أُمَّةٌ

             ما زالَ يَحْكُمُ أَرْضَهَا صَدَّامُ !

 

 

*      *      *    

 

عَشْرٌ مَضَتْ وَالصَّوْتُ يَرْثِيْ نَفْسَهُ

             وَالشِّعْرُ بَعْدَكَ وَحْشَةٌ وَظَلامُ

مَـاذَا نَقُوْلُ وَكُـلُّ قَـوْلٍ بَاطِلٌ

        وَجُيُوْشُنَا بِحُرُوْبِنَا أَصْنَامُ  

مَـاذَا نَقُوْلُ وَمَنْ سَيُدْرِكُ قَمْعَنَا   

         وَبِكُلِّ مَحْفلِ ثَوْرَةٍ شَتَّامُ

الرَأْيُ مَشْنُـوْقٌ بِحَبْلِ سُكُوْتِنَا           

            هَلْ هَكَذَا يَسْمُوْ بِنَا الإِسْلامُ

وَيَكَـادُ يَخْلَعُنَا التَّمَرُّدُ كُلَّمَا

           نَزَفَتْ عَلَىْ أَرْوَاحِنَا الأَجْسَامُ

زَيْفٌ وَإِدْقَـاعٌ وَأَلْفُ مُصِيْبَةٍ

                          حَتَّـى الوُعُوْدُ أَمَامَنَا أَفْلامُ

مَنْ يُنْقِذُ التَّارِيْخَ مِنْ عَثَرَاتِهِ

                        وَالأَرْضُ لا عَرَبٌ وَلا أَعْجَامُ

أَيْـنَ العُرُوْبَةُ أَيْـنَ جُنْدُ رَسُوْلِنَا 

           بَلْ أَيْنَ مَنْ صَلُّوْا عَلَيْهِ، وَصَامُوا

آمَنْتَ قَبْلِيْ بِالْحُسَيْـنِ شَـرِيْعَةً

وَهُدَىً، وَكَانَ على السُّيُوْفِ يُضَامُ

مَا نَالَ مِنْهُ الطَّامِعُوْنَ سِوَى الرَّدَى

        وَبِـكُلِّ عَصْرٍ تَسْتَجِدُّ لِئَامُ 

سَيَظَـلُّ رَمْـزاً لِلْحَقِيْقَةِ رَأْسُـهُ 

             وَتَخِـرُّ خَاشِعَةً لَـهُ الأَعْلامُ

وَيَظَلُّ مُمْتَلِئاً بِـزَهْوِ جُـدُوْدِهِ

           حَتَّى وَإِنْ ضَرَبَ الدِّمَاغَ فِصَامُ

 

*      *      *

يَا ابْنَ العِرَاقِ وَكُلُّ عِرْقٍ فِيْ دَمِي

         يَمْتَصُّهُ شَوْقٌ إِلَيْكَ ضِرَامُ

بَيْنِـيْ وَبَيْنَكَ غُـرْبَةٌ مَـوْرُوْثَةٌ

         وَلَرُبَّمَا اتَّصَلَتْ لَنَا أَرْحَامُ

الكُوْفَةُ انْتَظَرَتْ رُفَاتَكَ لَمْ تَعُدْ

                وَتَخَثَّرَتْ بِنُمُوِّهَا الأَكْمَامُ

كَانَتْ تَظُنُّكَ سَوْفَ تَرْجِعُ مُثْقَلاً

            بِالذِّكْرَيَاتِ، وَفِيْ يَدَيْكَ أُوَامُ

لِتَلَمُّسِ الأََغْصَانِ وَهْيَ حَزِيْنَةٌ

    لِتَأَمُّـلِ الأَزْهَـارِ وَهْيَ نِيَامُ

لِتَفَقُّدِ الأَحْبَابِ فِيْ حُجُرَاتِهِمْ

             وَلَهُمْ عَلَى الشَطِّ الغَرِيْبِ خِيَامُ

والآنَ تَسْكَرُ فِيْ عِظَامِكَ نَشْوَةٌ

               نَجَفِيَّةُ الإِحْسَاسِ، فَهْيَ مُدامُ

الأَرْضُ تَبْكِيْ وَالضَّوَاحِيْ وَالقُرَى

                             فَكَأَنَّ قَبْرَكَ فِيْ التُّرَابِ غَمَامُ  

الله مَا أَقْسَى الغِيَابَ، صَهَرْتُهُ

                            بِدَمِيْ، وَحَاصَرَنِيْ إِلَيْكَ غَرَامُ

يَا ابْنَ الفُرَاتَيْنِ احْتَضَنْتُكَ أَنْجُماً

         وَوَرَثْتُ عَنْكَ الْمَجْدَ كَيْفَ يُرَامُ

أَنَا لَسْتُ أَدْرِيْ مَنْ أَنَا لَكِنَّنِيْ

                           لا شَكَّ أَعْلَمُ أَنَّنِيْ الضِّرْغَامُ

الْحَرْفُ كُنْهِيْ وَالْحَقِيْقَةُ قِبْلَتِي

           وَالشِّعْرُ فِيْ كَفِّ الأَبِيِّ حُسَامُ

عَلَّمْتَنِيْ أَنَّ القَصِيْـدةَ رِحْلَةٌ

        لِلْغَيْبِ، لا سُفُنٌ وَلا نَهَّامُ

وَبِأَنَّ مُعْجِزَةَ السَّمَاءِ قَصِيْدَةٌ  

          وَبِـأَنَّ أَخْلاقَ الْحُرْوَفِ ذِمَامُ

وَبِـأنَّ بَيْتاً وَاحِـداً لَمُشَيِّدٌ

                             وَطَـناً، وَبَيْتاً آخَراً هَدَّامُ

                          

  *      *      *

الآنَ تَنْخَسِفُ الشُّمُوْسُ عَلَى يَدِيْ

    وَتَئِنُّ مِلْءَ قَصَائِدِيْ الأَجْرَامُ

وَتَفِيْضُ آبَارُ الْمَعَانِيْ فِيْ دَمِيْ

                       صُوَرَاً، وَيَعْلِكُ مُهْجَتِيْ الإِلْهَامُ 

لأُذِيْبَ شَكْوَايَ التِيْ قَدْ حَنَّطَتْ

                       رُوْحِيْ بِهَيْكَلِ شَكِّهَا الأَسْقَامُ

يَمْضِيْ الزَّمَانُ بِنَا لِنُبْصِرَ مَوْتَنَا

          إِنَّ البِدَايَةَ فِيْ الْحَيَاةِ خِتَامُ !

 

*      *      *

يَا جَدَّ شِعْرِيْ هَلْ تُرَاكَ تُحِسُّنِيْ

    وَأَنَـا تَلُوْكُ قَرِيْحَتِيْ الآلامُ

أَبَداً تُقَاسِمُنِيْ الْهُمُوْمُ وَهَا أَنَا

لا صَحْبُ لا أَخْوَالُ لا أَعْمَامُ

لَكِنَّنِيْ وَالشِّعْرُ مِلْءُ جَوَانِحِيْ        

لَوْ شِئْتُ نَظْمَ البَحْرِ فَهْوَ زِمَامُ

أَبَداً تُقَلِّدُنِيْ القَوَافِيْ سِحْرَهَا

                          وَنَزِيْفُ كُلِّ مَوَاجِعِيْ يَلْتَامُ

قَدْ جِئْتُ أُحْيِيْ لا لأَرْثِيْ، فَاعْذُرَنْ

                   جُرْحِي، إذا انْفَجَرَتْ بِهِ الأَوْرَامُ

يَسْرِيْ بِأَوْرِدَتِيْ الْخَيَالُ مُجَنَّحاً

                        وَبِكَهْفِ رَأْسِيْ يَسْتَبِدُّ زِحَامُ

وَعَلَى الأَصَابِعِ مِنْ جُنُوْنِيْ لَمْحَةٌ   

          فِيْ حِيْنِ رَاحَ يُهَلْوِسُ الإِبْهَامُ

 

*      *      *  

نَفْسِيْ فِدَاكَ رَكِبْتَ مَوْتََكَ بَغْتَةً

وَرَفِيْفُ قَلْبِكَ شَابَ وَهْوَ عُرَامُ   

وَغَفَوْتَ يَا طَلْعَ النَّخِيْلِ مُسَهَّداً

تَحْنُوْ عَلَيْكَ، وَتَحْتَوِيْكَ الشَّامُ 

لَكِنَّ رُوَحَكَ مَا تَزَالُ أَسِيْرَةً

          وَزُلالُ دِجْلَةَ لَيْسَ مِنْهُ فِطَامُ

فَإِلَيْكَ أَتْلُوْ "الْحَمْدَ" حَتَّى نَلْتَقِيْ

     وَعَلَيْكَ مِنْ أَنْدَى الضُّلُوْعِ سَلامُ

 

 

 

2007/7/23

سـامي القريني